سبلة عمان
سبلة عُمان أرشيف سبلة العرب وصلات البحث

العودة   سبلة عمان » السبلة الثقافية » أرشيف السبلة الثقافية » سبلة الثقافة والفكر » سبلة الثقافة الرقمية

ملاحظات \ آخر الأخبار

 
 
أدوات الموضوع البحث في الموضوع أنماط العرض
  #1  
قديم 11/05/2009, 11:01 PM
منهل الرئيسي منهل الرئيسي غير متصل حالياً
كاتب ومحاور
 
تاريخ الانضمام: 31/01/2009
الإقامة: مسقط
الجنس: ذكر
المشاركات: 1,539
افتراضي صفعة ٌخاطرة (قصة قصيرة)

بسم الله الرحمن الرحيم










ألفتْ عيناه الدار وتلك الآثار الشاخصة على الحيطان المحتفَّة بمواضع الشقوق والإعوجاج، والفناء الممتد الرهيب النافل تحت صمت الأتربة وبقايا النباتات النامية على الأسقف والنوافذ، بمشاعرٍ حاميةٍ سبرتْ في أغواره شتَّى الصور والوجوه، فطاف بخياله ما أدبر وولى، وعاثتْ فيه الذكريات، فوهن صبره بما ينوء به، وانتابته صنوفٌ شتَّى من الكآبة المتجلية على ملامحه بوضوحٍ بيِّنٍ، فأطرق صامتًا. وزوجه التي لم يخفَ عنها ذلك، صمتتْ هي الأخرى، وأحسَّتْ بحرارة الغيظ تلجم لسانه الصمت، فلم تبادره الحديث.

تبدَّى وجهه معتمًا غائرًا وهو يشخص عيناه في الآثار والذكريات التي لم تزل تقطن في جنبات وأروقة هاته الدار التي عفى عنها الزمن، وحالتْ إلى مستودعٍ للأحداث الراحلة وصدى أنفاس من كانوا يقطنونها منذ أمدٍ بعيدٍ.

- "هنا كان أبي يجلس تحت النافذة ... وهنا كانت أمي تحلب ماعزتها ... وهنا كنَّا نلعب أنا وإخوتي"
- "عجبًا لتغيّر الزمن!!"
- "كم هي رائعة تلك الأيام!! ... مازلتُ أذكرها ... لم تغب عن عقلي رغم السنين"
- "ولكن للزمن أحكامه وصروفه ... لا حيلة لنا للكفِّ عما يجيء به الزمن"
- "لعنة الله تصيبهم جميعًا ... سيعرضون هاته الدار للمزاد عمَّا قريب"
- "كان الله في عوننا"
- "أخبرتهم أن يتريَّثوا قليلاً ريثما أجمع لهم المال وأنقدهم أيَّاه ... ولكن ..."
- "صبرًا بما نزل علينا"
- "المصرف!! ... المصرف!! ... لعنات الله عليهم جميعًا"

لوهلةٍ خاطفة، ران صمتٌ قصيرٌ في أرجاء وأقاصي الدار. تتوالى الأحداث منذرةً بعاصفةٍ هوجاء تدنو رويدًا، رويدًا، لتبعث في أوصاله هواجس شتَّى تقضم الراحة من عقله، وتدفع الجنون لينصب رايته وسط فوضى المصاعب ومبعث القلائق. لقد حدَّثته نفسه بريبة ما يحدث. جاءته وثيقة من المحكمة صباح أحد الأيام، لتخطره بوجوب الإمتثال أمام المحكمة للدعوة المقامة ضده. ممن؟! من ذات المصرف الذي استقبله مديره بابتسامةٍ وحفاوة وهو يردد بين فينةٍ وأخرى على مسامعه: "عادةً، أنت لا تتأخر في دفع القسط المتوجب عليك دفعه، ونظرًا لظروفك الراهنة سننظر إلى ما هو خيرٌ لك ... لا داعي للقلق". كان وقع كلماته آنذاك موطئ الطمأنينة والسكينة. إلا أن تلك الوثيقة التي استلمها صباح ذلك اليوم، حالت السكينة إلى هدوءٍ ينذر بعاصفةٍ وشيكة.

- "قال لي أن اطمئنّ ... لقد سمعته جيِّدًا وهو يلفظها"
- "عجبًا لأمرهم!!"
- "لم أكن أعلم بنواياهم ... سيطرقون الآن جميع الأبواب حتى يحصلوا على هاته الأرض مهما كلفهم ذلك من ثمن"
- "لو لم ترهن الأرض لديهم لما ابتغوا إليها سبيلاً!!"
- "قولي لي، وهل كنتُ أملك خيارًا آخرًا غير الرهن؟! ... كنَّا في أمسِّ الحاجة إلى النقود وقتذاك، وإذا لم أرهن إلى المصرف كل ما لدي، لما قاموا بإقراضي أبدًا"

إن الذكريات التي أبت أن تمحى من على الأشياء والشخوص، لتقف حائلاً بينه وبين فقده للدار، ويا لقسوة الأيام إذا ما نزلتْ على المرء شدَّةً لم تسعها طاقته!. وإنِّ مجرى الأحداث لتمضي إلى ذات السبيل الذي تاه فيه، ليحلَّ ظلام اليأس سريعًا، ويخفت صوت النجاة والإستنجاد، أمام صدى أنفاس المصرف الكبير.

- "لا تفكّر في الدار الآن ... لا تنسى، إن المعضلة لن تتوقف عند بيع الرهن ... سيطالبونك بسداد باقي المستحقات التي تفوق قيمة الرهن بكثير"

حينها، تفجرتْ ينابيع الغضب من فيه، نافثةً شرر ما بجعبتها من ضيق ذات السعة والحال؛ فلزمتْ على أثرها الزوجة الصمت، وناءتْ بما تحمل في طيَّاتها إلى ظلال السكوت من قيظ غضبه المتصاعد.

- "فليطالبوا بتقطيعي وبيع لحم جسدي حتى يسددوا باقي المستحقات!!"

وخيَّم الصمت مرةً أخرى. صمتٌ ثقيلٌ ما يني أن يكيلهما ثقلٌ آخر يرزح على أكتافهما. كلاهما غارقٌ في التدبر في ذات الشأن: المصرف، ذلك الظلّ القاتم الذي أمسى يقتفي أثرهما ويراودهما بين فينةٍ وأخرى، ليبدو اتساعًا لفجوةٍ ستبتلع كل جميلٍ تتشح به الحياة. إنَّ الهواجس والظنون لا تفتأ أن تعود عنوةً إلى عقله لتلقمه علقم القلق والترقب للقادم من وراء سطوةٍ جائرة تمتدُّ من يد ذلك المصرف الكبير، ذي البنيان المرصوص، فيحفر الخوف أخاديده على ملامحه ووجنتيه، وتحت جفنيه المكللة بالتعب والإرهاق.

- "لقد تقدم الوقت وطال مكوثنا ... قم بإغلاق الأبواب حتى ننصرف من هنا، لتذهب في الصباح الباكر إلى المصرف وتسلمهم مفاتيح الدار"
- "اغلقي أنت الدار ... سأنتظرك في الخارج"

اندفع إلى الخارج وهو لا يلوى على شيء. كانت الذكريات تبوء بحملها، لتدفعه إلى رحلة الجنون المشرأبة بحزنٍ عميق سحيق المدى، حيث لا شمس ستشرق، ليتبدد الظلام ويحلّ النور والضياء في الآفاق من جديد.




- انتهت -

آخر تحرير بواسطة منهل الرئيسي : 23/05/2009 الساعة 08:22 PM
  مادة إعلانية
  #2  
قديم 11/05/2009, 11:22 PM
منهل الرئيسي منهل الرئيسي غير متصل حالياً
كاتب ومحاور
 
تاريخ الانضمام: 31/01/2009
الإقامة: مسقط
الجنس: ذكر
المشاركات: 1,539
افتراضي

للرفع
  #3  
قديم 12/05/2009, 07:25 AM
عبدالعزيز علي البلوشي عبدالعزيز علي البلوشي غير متصل حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 16/09/2008
الإقامة: سلطنة عمان
الجنس: ذكر
المشاركات: 607
افتراضي

"لم أكن أعلم بنواياهم


المشكله اننا لا نعرف نوايا الطرف الاخر إلا بعد فوات الاوان

تسلم يا اخي
  #4  
قديم 12/05/2009, 08:05 AM
منهل الرئيسي منهل الرئيسي غير متصل حالياً
كاتب ومحاور
 
تاريخ الانضمام: 31/01/2009
الإقامة: مسقط
الجنس: ذكر
المشاركات: 1,539
افتراضي

أشكر لك مرورك العاطر أخي العزيز
  #5  
قديم 12/05/2009, 10:16 PM
منهل الرئيسي منهل الرئيسي غير متصل حالياً
كاتب ومحاور
 
تاريخ الانضمام: 31/01/2009
الإقامة: مسقط
الجنس: ذكر
المشاركات: 1,539
افتراضي

للرفع
  #6  
قديم 23/05/2009, 03:14 AM
سعادة المرشح سعادة المرشح غير متصل حالياً
عضو مميز
 
تاريخ الانضمام: 27/12/2008
الإقامة: المجلس
الجنس: ذكر
المشاركات: 2,661
افتراضي

بين الذكريات و مرابع الأمس و بين ضيق ذات اليد يقف الشخص حائرا
الواقع يرسم صورا تبدد صور الأحلام التى تصنعها الذاكرة
الواقع يجذبك في بعض الأحيان بنفس تلك اليد الناعمة التي صافحك بها في السابق

جميلة هذه الأحاث يا منهل
مليئة بصور من الواقع و مشاهد من معاناة الكثيرين
في جو من السرد الممزوج بالحكمة و الفائدة

مررت من هنا فأطلت المكوث بين الكلمات

خالص الشكر
__________________
أسير على نهج يرى الناس غيره *** لكل امرئ فيما يحاول مذهب
إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً
  #7  
قديم 23/05/2009, 11:36 AM
صورة عضوية Not Alike
Not Alike Not Alike غير متصل حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 13/12/2008
الإقامة: المضيبي
الجنس: ذكر
المشاركات: 543
افتراضي

نحن نعيش في زمن المصالح الشخصية التي لا يُراعى فيها حقوق الإنسان ولا تطبق فيه شرائع الإسلام
من المؤلم عندما تتجمع من حولك الأسود من كل جانب بأنيابها الحادة كل منها يرغب أن يلتهم من جسمك قطعة
لحم

في زمن لا مشاعر نحو البشر من الفئة الضعيفة والفقيرة بل استخدموهم كسلعة تستخدم حتى تتفكك وبعدها تُرمى بعيدا
في سفينة متجه إلى محيط بعيد إذا غرقت فتسكع في العمق لا خبر لها

شكرا أخي منهل على هذه القصة

آخر تحرير بواسطة Not Alike : 23/05/2009 الساعة 01:15 PM
  #8  
قديم 23/05/2009, 12:17 PM
صورة عضوية ألستروميريا
ألستروميريا ألستروميريا غير متصل حالياً
عضو مميز
 
تاريخ الانضمام: 17/04/2009
الإقامة: هناك
الجنس: أنثى
المشاركات: 1,252
افتراضي

اقتباس:
أرسل أصلا بواسطة منهل الرئيسي مشاهدة المشاركات

اندفع إلى الخارج وهو لا يلوى على فعل شيء. كانت الذكريات تبوء بحملها، لتدفعه إلى رحلة الجنون المشرأبة بحزنٍ عميق سحيق المدى، حيث لا شمس ستشرق، ليتبدد الظلام ويحلّ النور والضياء في الآفاق من جديد. [/SIZE]
أخي/منهل الرئيسي

قصة واقعية نسجتها بطريقة جميلة...

قد تجبرنا الظروف على أشياء فوق طاقتنا...

جميل ما قرأت هنا...

بالتوفيق
__________________
العمر حين تسقط أوراقه لن تعود مرة أخرى

ولكن مع كل ربيع جديد سوف تنبت أوراق أخرى


صنعت اليابان معجزاتها بعقلها،وصنعنا كوارثنا جميعها بعواطفنا. (أحلام مستغانمي)
  #9  
قديم 23/05/2009, 08:23 PM
منهل الرئيسي منهل الرئيسي غير متصل حالياً
كاتب ومحاور
 
تاريخ الانضمام: 31/01/2009
الإقامة: مسقط
الجنس: ذكر
المشاركات: 1,539
افتراضي

الشكر العميق لكل من ترك أثرًا جميلاً هنا على صفحات قصتي المتواضعة
  #10  
قديم 07/06/2009, 12:53 PM
انسكابة ضوء انسكابة ضوء غير متصل حالياً
عضو مميز
 
تاريخ الانضمام: 21/03/2009
الإقامة: عُمْق البُعْد
الجنس: أنثى
المشاركات: 1,762
افتراضي

أخي منهل ،،

نختنق أفضل من أن نتنفسهم ،،
__________________
رحيل أضناه الصمت !!!
  #11  
قديم 09/06/2009, 05:11 PM
منهل الرئيسي منهل الرئيسي غير متصل حالياً
كاتب ومحاور
 
تاريخ الانضمام: 31/01/2009
الإقامة: مسقط
الجنس: ذكر
المشاركات: 1,539
افتراضي

اقتباس:
أرسل أصلا بواسطة أم الغاليين مشاهدة المشاركات
أخي منهل ،،

نختنق أفضل من أن نتنفسهم ،،

لماذا تتسع أساريري بابتسامةٍ بيضاء نقية كلما وجدتُ لك تعقيبًا جميلاً على صفحات مواضيعي المتواضعة ؟!


شكرًا لمروركِ وتواجدك هنا ...
 


قواعد المشاركة
ليس بإمكانك إضافة مواضيع جديدة
ليس بإمكانك إضافة ردود
ليس بإمكانك رفع مرفقات
ليس بإمكانك تحرير مشاركاتك

رموز لغة HTML لا تعمل

الانتقال إلى



جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 12:05 PM.

سبلة عمان :: السنة ، اليوم
لا تمثل المواضيع المطروحة في سبلة عُمان رأيها، إنما تحمل وجهة نظر كاتبها