عرض المشاركة وحيدة
  #2  
قديم 08/06/2008, 06:59 PM
صورة عضوية اليقظان الغافري
اليقظان الغافري اليقظان الغافري غير متصل حالياً
عضو مميز
 
تاريخ الانضمام: 30/12/2007
الإقامة: مسقط
الجنس: ذكر
المشاركات: 2,169
افتراضي


***


٢- الفيلا البيضاء


توقف اليخت بجانب رصيف خشبي طويل .. امتد إلى شاطيء الجزيرة بالقرب من المدخل الرئيسي لفناء الفيلا.. بدأ الجميع الاستعداد للنزول.. فيما بدا أن البعض - من أمثال مهند - كان متذمراً بشكل واضح.. يبدو أنه كان قد أرغِمَ على القدوم..


الاسم:  2.jpg
المشاهدات: 1316
الحجم:  67.3 كيلوبايت
فيما بدا أن البعض - من أمثال مهند - كان متذمراً بشكل واضح..


كانت الفيلا رائعة البناء بيضاء اللون.. لم يكن لها شكل متناظر أبداً .. بل كانت الواجهة مكونة من مجموعة من الشرفات ذات الأحجام المختلفة.. تعلوها ألواح خشبية لونها بني غامق .. صفت بشكل متوازٍ حتى تكون مظلات ذات فراغات يتخللها ضوء الشمس.. هذه هي الفيلا المناسبة في المكان المناسب.. فمنظر الخليج من على الشرفات سيكون حتماً ساحراً.. ذكرني التصميم العمراني هذا بمجموعة من الفلل البيضاء التي كنت قد شاهدتها خلال زيارتي لاسبانيا العام الفائت..

هذه الجزيرة هي إحدى الجزر التسع الموجودة في هذا الأرخبيل.. جزر الديمانيات.. تبعد حوالي ١٦ كيلومتراً عن ساحل ولاية بركاء.. ورغم الطبيعة الصخرية لهذا الجزر.. إلا أنها تتميز بطبيعة خلابة ومناظر أخاذة.. فضلاً عن كونها محمية طبيعة للعديد من الطيور والسلاحف البحرية.. كما يحيط بها حاجز من الشعب المرجانية يمثل بيئة مناسبة للعديد من الأسماك المتنوعة .. من بينها سمكة قيصانة البدر العجيبة..

على الرغم من كون المكان محمية طبيعية ذات أهمية إقليمية.. إلا أن عمي (سعيد) لم يجد صعوبة كبيرة في شراء إحدى هذه الجزر التسع.. وبناء الفيلا الخاصة به عليها.. يبدو أن له علاقات قوية في وزارة البلديات الإقليمية والبيئة.. فضلاً عن دعمه المتواصل للشؤون البيئية في السلطنة وإنشائه مركز أبحاث الحياة البحرية على جزيرة (الحايوت) ضمن أرخبيل الديمانيات.. والذي أهداه للحكومة في العام المنصرم.. كأحد أعماله الخيرة في مسيرة الحفاظ على البيئة.. والتي اتخذها نهجاً في السنوات القليلة الماضية.. بعد أن تم تشخيص مرضه..

قصة عمي مع المرض بدأت قبل حوالي ٣ سنوات.. عندما تم تشخيص صعوبة البلع التي رافقته مدة من الزمان بكونها نتيجة سرطان المريء.. تم استئصال السرطان وبدا أن كل شيء على ما يرام.. ولكن بعد ذلك بأشهر قليلة بدأ يشكو من آلام في البطن.. ليصدم بخبر انتشار السرطان السابق إلى الكبد.. وتم إخباره بأنه لم يتبق لديه الكثير من الوقت ليعيشه.. على الرغم من مواصلته أخذ العلاج الكيميائي.. كان خبراً محزناً حقاً..

كانت هذه الرحلة بمثابة اجتماع عائلي أخير بالنسبة له.. فقد تقدم به المرض كثيراً.. ولم يعد يقوى على الحراك كما كان في سابق عهده.. كنت أنا من اقترح عليه الخروج إلى الديمانيات.. فلم يكن هناك حل للم شمل العائة مجدداً سوى في مكان منعزل كهذا.. كان يؤلمني أن أرى أبناءه يتجاهلون وجوده تماماً.. كلٌ يمضي في حال سبيله.. وإلى مشاغله الخاصة.. ورغم عيشهم جميعاً في بيت واحد.. إلا أنه لم يكن يسمع منهم سوى عبارة "السلام عليكم" عند الخروج في الصباح والعودة في المساء.. كان قد اعتاد على البقاء وحيداً طوال النهار.. ولذا فقد قررت ألا يبقى وحيداً في أيامه الأخيرة.. فكانت هذه الرحلة..

دخلنا جميعاً إلى الفيلا.. كان البهو الرخامي جميلاً للغاية.. والتفاصيل الجدارية تبعث في النفس شعوراً بالراحة.. كانت هذه هي المرة الثانية التي أزور فيها هذا المكان.. قادتني إحدى الخادمتين إلى الطابق الأعلى حيث غرفة الضيوف.. فيما عرف كل من الأخرين طريقه إلى غرفته.. دخلت غرفتي ووضعت الحقيبة جانباً.. ومن ثم فتحت الستائر والنافذة العريضة لأترك نسيم البحر العليل ينساب إلى الغرفة.. واستلقيت على السرير الوثير مغمضاً عيني لوهلة.. أخذت في التفكير بالأحداث التي سبقت الرحلة.. كنت محرجاً جداً للإنضمام إلى عائلة عمي في رحلتهم الخاصة هذه.. شرحت لعمي أني لم أكن أرغب في المجيء وأن هدفي الوحيد هو أن تسنح له الفرصة للبقاء مع أبنائه في جو عائلي منسجم وقضاء وقت ممتع.. إلا أنني لم استطع رفض طلبه بالمرافقة لهم بعد إلحاحه الشديد.. فرضخت إلى طلبه..

رغم أننا لم نزل في وقت الصباح .. إلا أنني كنت أشعر بالنعاس .. ربما كان لراحة البال دور في ذلك .. كيف لا وأنا أجد فرصة أخيراً لترك أجواء العمل الموترة.. غفت عيناي للحظة وكنت قد بدأت بالنوم لا شعورياً.. إلى أن أفاقتني طرقات متقطعة على الباب..

فتحت الباب لأجد (بدراً) واقفاً أمامي.. بنظرته اللامبالية التي اعتدتها.. ممدت يدي لأصافحه مختبراً له عله يكون نسى مخاوفه.. إلا أنه أدخل يده في جيبه.. في إشارة منه بعدم رغبته في المصافحة.. يبدو أن وسواسه القهري أقوى مما تصورت.. بادرته بالسؤال عما إذا كان يريد شيئاً..

أجابني وهو يلتفت يساراً : أبي يريد أن يراك في غرفته.. بعثني كي أخبرك بذلك..
أنا : هل أخبرك بالذي يريده مني؟
بدر بعصبية غير مبررة : وما الذي يدريني .. إذهب إليه لتعرف..

استدار مغادراً وهو يتمتم بكلمات لم أفهمها.. فيما وقفت أنا مشدوهاً من تصرفه الغريب.. (بدر) هذا لم تجمعني به أية مناسبات سابقة.. ولم يسبق لنا أن جلسنا سوياً لنتحدث رغم أننا أبناء عمومة.. أردت أن أسأله عن مكان غرفة والده.. إلا أنني آثرت إبقاء سؤالي لنفسي لكيلا أسمع منه ما قد يزعجني ثانية..

أتذكر من زيارتي السابقة أن غرفة عمي كانت هنا في الطابق الثاني.. الغرفة اليمنى في آخر الممر.. قبالة النافذة الزجاجية الطويلة التي أضاءت الممر بأكمله.. ولكن هذه المرة الأمر مختلف قليلاً على ما أعتقد.. فهو على كرسي متحرك وأرجح أنه قد غير مكان نومه إلى إحدى الغرف الأربع في الطابق الأرضي.. كان يجب عليه أن يفكر بإضافة مصعد عندما خطط لبناء هذه الفيلا منذ البداية.. إن كان قادراً على شراء جزيرة بأكملها فلن يجد صعوبة في طلب مصعد.. يالتفكيري البسيط!

وأنا أعبر الممر باتجاه السلالم سمعت شجاراً من إحدى الغرف.. كان ذلك صوت (منذر) .. يبدو أنه و(وفاء) يمران بأوقات عصيبة.. رغم أنني لم أجد مبرراً لشجارهما.. فلم يكملا على زواجهما أكثر من شهرين فقط.. لم أسمع صوت (وفاء).. بل كان صوت (منذر) هو الذي يملأ المكان.. شجار من طرف واحد!

نزلت السلالم المستديرة إلى الطابق الأرضي.. رأيت الخادمة تمسح الأرضية فسألتها عن مكان غرفة عمي.. أرشدتني إليها بأدب فشكرتها.. عبرت الصالة الفخمة إلى ممر قصير في نهايتها.. كانت نهاية الممر عبارة عن باب زجاجي يفضي إلى ساحة رخامية خلف الفيلا .. ذات شكل نصف دائري وتحدها حواجز إسمنتية بأشكال مميزة بدت لي كأشكال قطع الشطرنج.. وتطل على الخليج مباشرة.. وقفت أتمعن في المنظر الخلاب الذي أمامي لدقيقة.. بعدها سمعت صوت الخادمة قادم من الصالة خلفي .. تخبرني بأن الغرفة التي أقصدها هي تلك التي على يساري.. تساءلت في نفسي إن كانت تحسب أنني غبي لدرجة أني لا أفهم الوصف من المرة الأولى.. طرقت الباب حتى أذِن لي بالدخول فدخلت..

كانت الغرفة رحبة ومضاءة بشكل جيد.. فالنافذة الزجاجية الضخمة التي تمتد بعرض الحائط وإلى أرضية الغرفة كانت تسمح بدخول أكبر كمية من ضوء الشمس إلى الغرفة.. وأمامها كانت الساحة الرخامية التي شاهدتها قبل قليل .. بدا المنظر أجمل من هنا.. فكرت.. حقاً إن عمي لا يضيع فرصة الحصول على أفضل غرفة في المنزل.. على الجدار المقابل كانت هناك صورة كبيرة ذات إطار من خشب الإبنوس لزوجته الراحلة.. كم أفتقد تلك المرأة الطيبة.. رعتني كأمٍ ثانية عندما كنت طفلاً.. في الجدار الآخر كان مدخل غرفة النوم حيث السرير الفخم الذي لم أرَ له مثيلاً من قبل.. وزخارف جدارية ذات ألوان زاهية.. كتمت ضحكة عندما تخيلت بأني لن أمانع من الموت على سرير مثل ذلك.. قاصداً بذلك عمي.. لم يكن الأمر مضحكاً حقاً.. اتضح لي ذلك عندما تذكرت أنني سأفقد عمي الأحب قريباً..

كان عمي جالساً على كرسيه المتحرك أمام النافذة الكبيرة.. يسبح بنظره في مياه خليج عمان أمامه.. بدت عليه نظرة حزينة أشعرتني بالشفقة.. ألقيت التحية بابتسامة عريضة ورد علي بكلماته اللطيفة التي اعتدتها.. أردت الجلوس إلى جانبه.. بحثت عن كرسي صغير أضعه بجانب كرسيه المتحرك ولكنني لم أجد سوى مجموعة من الأرائك الفخمة في منتصف الغرفة.. لم أشأ أن أفسد عليه متعة مشاهدة منظر الخليج؛ فجلست على الأرض بجانبه..


الاسم:  3.jpg
المشاهدات: 2478
الحجم:  60.0 كيلوبايت
لم أشأ أن أفسد عليه متعة مشاهدة منظر الخليج؛ فجلست على الأرض بجانبه..



أخفض عمي رأسه قائلاً بضعف: أردت أن أشكرك يا (وليد) على هذه الفرصة الرائعة ولمك لشمل للعائلة..
أجبت في حرج: لا شكر على واجب عماه.. لم أفعل سوى ما اعتقدت أنه الأنسب لك ولهم..
نظر إلى البحر مجدداً قائلاً بأسى: لكم تمنيت أن أرى (وفاء) زوجة لك يا بني.. ولكن لم يكن الأمر بيدي.. فأنا لم أعتد على إرغام أبنائي بما يخالف أهواءهم الشخصية.. تركت لهم حرية الاختيار دائماً..
قلت وأنا أحول نظري إلى الأمام: لا عليك يا عمي.. فالزواج قسمة ونصيب.. ولم يكن للإرغام سوى التسبب بمشاكل نحن في غنىً عنها.. فلا زواج يبنى على الإكراه..
- ليت (منذر) يملك ربع حكمتك وعقلك..
- بل فيه كل الخير بإذن الله..
تساءلت إن كان هذا صحيح فعلاً وأنا أتذكر الشجار الدائر بينهما قبل قليل..

لم يكن أحد يعلم بأن الساعات القليلة القادمة ستحمل النبأ الأسوأ على الإطلاق..






__________________

آخر تحرير بواسطة اليقظان الغافري : 10/06/2008 الساعة 10:11 PM