سبلة عمان

العودة   سبلة عمان » السبلة الثقافية » سبلة السرد

ملاحظات \ آخر الأخبار

 
 
أدوات الموضوع البحث في الموضوع أنماط العرض
  #1  
قديم 28/01/2011, 04:07 AM
صورة عضوية اسمي أزرق
اسمي أزرق اسمي أزرق غير متصل حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 30/08/2010
الجنس: أنثى
المشاركات: 142
Post صورة

السماء ملبدة بالغيوم ، الرياح راقدة ، والأجواء عامة تبعثُ في تلك الليلة بالتحديد شعوراً غامضا ،حامضا ، يتصاعد ببطء إلى حنجرتي ، شعورا يشبه ما يراودني في أيام يطوقني فيها الفراغ ، فتسكنني الذاكرة بأحداثها البعيدة ، القريبة إلى الروح ، كيف لا وهي قد غرست ما غرست في أقاصي الروح ؟
بينما كانت أنفي ملتصقة بزجاج النافذة وعيناي ترقبان تراكض الغيوم في رحاب السماوات ، شدّ أبني أحمد ثوبي ، وتوسل إليّ أن أنزل له الكتاب الأزرق من رف المكتبة ، غرست أناملي بين خصلات شعره ،وعيناي تتسلقان رفوف المكتبة وقلتُ له :
- أي كتاب تقصد يا حبيبي ؟ لا يوجد كتاب بغلاف أزرق في المكتبة ، ثم أشرتُ لموسوعةِ علمية بغلاف أزرق وداعبته بالقول :
- دعنا من كتب الكبار ، سأحكي لكَ حكاية قطرة المطر
إلا إنه صعد على الكرسي وأشار على ألبوم صور طفولتي المندس بين الكتب ذا الغلاف الأزرق وصرخ بنشوة :
- هذا ماما ، أنزليه لي
تصاعدت الأحداث تباعاً وأنا أحتضن أحمد بينما هو مبتهج بتقليب الصور ، كلُ صورة تعيدُ لي عمراً بأكمله ، حتى تلكَ التي لا أذكر من التقطها لي ، إلا أنني أذكر حكايتها التي روتها لي أمي ، هذه وأنا حليقة الرأس في شهري السابع ، تلكَ وأنا أقف ، الأخرى بملابس المدرسة ،أخرى بلباسِ تقليدي ، وتوالت عليّ الأسئلة من أحمد الذي تعالت ضحكاتهُ وهو ينظر إلى الطفلة في الصور ويحاول أن يطابقَ ملامحها بوجهي ، كم كان مبتهجا بهذه اللعبة ؟
إلى أن وصل أحمد تقريبا إلى نصف الألبوم ، فأيقظني من غفوتي تلك التي كنتُ فيها مفتوحة العينين ، أستعيدُ فيها شكل ألعابي ، وملمس وجه دميتي الأثيرة على قلبي ، وسألني :
- لماذا هنا لا توجد صورة ماما ؟
عدلتُ من وضعيتي ، وأبعدتُ رأسهُ عن حضني ، فإذا بصفحة فارغة تعيد ترتيل أحزاني ، قبلتُ رأسه وهمستُ له :
- طارت بها الفراشات يا حبيبي إلى البعيد
ثم استدرتُ إلى نافذتي التي بعثت الرياح التي صحت من غفوتها إلى ستائرها الحياة ، فبدأت تتراقص بهدوء ، نثرت الرياح أوراق الخريف الجافة ، تماماً كما فعلت تلك الصفحة البيضاء بذاكرتي ، بعثرت المشاهد وأعادت عزف سيمفونيتها الشجية .
أذكر عندما كنتُ في الثانية عشر من عمري ، كيف رتبتُ هذا الألبوم ، حيثُ جمعتُ صورهُ من ألبوم العائلة وصورُ أخرى من الأقارب اللذين كانوا مولعين بتصويري كطفلة أولى لعروسين جدد ، كم كنتُ فخورة بألبومي هذا ؟ رتبت فيه صوري تبعاً لتأريخ الالتقاط ، كنتُ مولعة بمراقبةِ مداعبة الأيام لملامحي ، مولعة كذلكَ ببحث أوجه التشابه بيني وبين والديّ ، أذكر إنني كنتُ أقول لصديقاتي لأثير غيرتهن ،
( أنفي طويلُ تماماً كأنفِ أمي ، ولكنّ وجنتيّ نحيلتينِ كأبي ) ، في مرحلتي الثانوية تحولت حياتي إلى جحيم ، هكذا دون سابقِ إنذار، وجدتُ والديّ يحتدانِ في النقاش وأصواتهم تعلو ، وبعد فترة وجيزة لم أستطع فيها أن أتبينَ كنه ما كان يحدث ، رأيتُ أبي يخرج من البيت وإلى الأبد ، وأمي تلوذُ بالصمت ، وأبقى وحيرتي يعلكني القلق ، طلق والدي أمي بعد أن عرفت بزواجه من أخرى ؛ لكي تنجبّ له الولد ، فأمي بعد ولادتها لي بعملية قيصرية وحدوثِ خطأ طبي كاد أن يودي بحياتها ، قطع كل سبيلِ لديها لولادة أخرى .
غادر والدي بعد وداعِ قصير وسريع لي إلى بلدِ مجاور تقيمُ فيه زوجته ، وبدأت أمي في تحطيم كل شئ يحمل اسمه ، رائحته ، ذكره ، حتى امتدت يدها إلى الصورة الوحيدة التي تجمعني به ، صورة التقطتها هي لنا ، كنتُ أعبثُ في حضنهِ بينما يديّ ملطختان ببقايا الشوكلاتة .
كانت هذه الصورة عزائي في بعده الذي نزل عليّ كاللعنة وسحق بضربة واحدة كل ابتسامة ترتسم على عجل في طريقي ، بحثتُ عن الصورة كالمجنونة ، أترى الحقد جعلها تمزقها ، تحرقها وتحرقٌ أمنياتي الصغيرة معها ؟
مضى ما يزيدُ عن العشرين عام ، ولم أجرأُ أن اسألها يوماً عن الصورة ، عندما جاء صوت أخي الصغير يخبرني عبر الهاتف بأن والدي توفيّ إثر حادث مروري ، قفزت الصورة إلى مخيلتي ، وانطلقت معها الأصوات ( بابا انظري لماما ، ابتسمي ... ندى قبلي بابا ، قولي مرحبا ) .
بقت صور أبي في أعماقِ روحي فقط ، أعيدُ تلوينها كل ليلة ، زرع هذا الأمر في روحي فزعاً آخر ، وهو إني لا أملكُ صوراً تجمعُني بأمي ، فأعددتُ ألبوماً خاصا بصوري وأمي ، تصاعد صوتُ دافئ من أعماقي وأنا أنظر لأحمد الذي غلبهُ النعاس ، صوتُ يدغدغُ ذاكرتي بأوجاعه : ألبوماً وردياً يا أحمد في الرف الآخر .
حملتُ أحمد الذي غلبهُ النعاس إلى سريره ، عدتُ إلى الألبوم الذي بغياب صورتي المقدسة لم يعد يعني لي شيئا ، تنفستُ بعمق ، دسسته بجوارِ الألبومِ الوردي ، سمعتُ المطر يهطلُ في الخارج بقوة وكأنما أبواب السماء فتحت على مصراعيها ، فتحتُ نافذتي ، وصرختُ مصوبةً عينيّ إلى السماء : لو تعلمان كم أحببتكما ؟
__________________
لو لم يكن أجمل الألوان أزرقها * لما إختاره الله لوناً لسماواتِ

آخر تحرير بواسطة اسمي أزرق : 03/02/2011 الساعة 11:49 PM
  مادة إعلانية
  #2  
قديم 03/02/2011, 11:48 PM
صورة عضوية اسمي أزرق
اسمي أزرق اسمي أزرق غير متصل حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 30/08/2010
الجنس: أنثى
المشاركات: 142
افتراضي

في إنتظار آراء الأصدقاء

__________________
لو لم يكن أجمل الألوان أزرقها * لما إختاره الله لوناً لسماواتِ
 

أدوات الموضوع البحث في الموضوع
البحث في الموضوع:

بحث متقدم
أنماط العرض

قواعد المشاركة
ليس بإمكانك إضافة مواضيع جديدة
ليس بإمكانك إضافة ردود
ليس بإمكانك رفع مرفقات
ليس بإمكانك تحرير مشاركاتك

رموز لغة HTML لا تعمل

الانتقال إلى

مواضيع مشابهه
الموضوع كاتب الموضوع القسم الردود آخر مشاركة
صورة الصخرة التي عرج الرسول الكريم منها للسماء( صورة نادرة جدا ) moaud123 السبلة الدينية 52 17/08/2010 03:13 PM
صورة جميلة لطفلة سورية...صورة للواقع العربي... العلم والعمل ارهابية السبلة العامة 45 06/01/2008 01:50 PM
أول بيت، وأقدس بيت، في صورة مخزية لعمر الله لأمة المليار. (مرفقات:صورة) student السبلة العامة 13 29/07/2007 02:15 PM



جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 05:34 PM.

سبلة عمان :: السنة ، اليوم
لا تمثل المواضيع المطروحة في سبلة عُمان رأيها، إنما تحمل وجهة نظر كاتبها