|
||
|
#1
|
||||
|
||||
|
عن موقع طريق طريق الاسلام:
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى... وبعد:
فالإيمان هو تكريم الله للمؤمنين وهو المنة العظمى من الله على عباده قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]. وقال تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات: 17]. والمنة : من منّ عليه يمنّ منّاً - أحسن إليه وأنعم والاسم المنّة والجمع منن. والفرق بين المنة والنعمة: أن المنة هي النعمة المقطوعة من جوانبها كأنها قطعة منها، ولهذا جاءت على مثال قطعة، وأصل الكلمة القطع ومنه قوله تعالى: {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [فصلت: 8، الانشقاق: 25]، أي غير مقطوع، وسُمي الدهر منونا لأنه يقطع بين الإلف، وسمي الاعتداد بالنعمة مناً لأنه يقطع الشكر عليها. ومن صفات الله تعالى: المَنّان. ومعناه: المُعطي ابتداءً، ولله المِنّة على عباده ولا مِنّة لأحد منهم عليه. (راجع: المخصص - الفروق اللغوية - تهذيب اللغة). فالإيمان منة الله ونعمته المطلقة على المؤمنين: قال ابن القيم في (اجتماع الجيوش الإسلامية): "وهذه النعمة المطلقة هي التي يفرح بها في الحقيقة، والفرح بها مما يحبه الله ويرضاه ـ وهو لا يحب الفرحينِ ـ قال الله تعالى: {قُلْ بفَضْل اللَّهِ وبرَحْمَتِه فبِذَلكَ فَلْيَفْرحوا هوَ خَيْرٌ ممّا يجْمَعُون} [يونس: 58]" .أ.هـ... وهو أمر الله الجامع لكل من ادعى الإيمان ـ من أهل كل ملة ـ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136] (قال الطبرى فى تفسيره [(9 / 313 وما بعدها) ـ الرساله]). فإن قال قائل: وما وجه دعاء هؤلاء إلى الإيمان بالله ورسوله وكتبه، وقد سماهم"مؤمنين"؟ قيل: إنه جل ثناؤه لم يسمِّهم "مؤمنين" ، وإنما وصفهم بأنهم "آمنوا" ، وذلك وصف لهم بخصوصٍ من التصديق... وذلك أنهم كانوا صنفين: أهل توراة مصدّقين بها وبمن جاء بها، وهم مكذبون بالإنجيل والقرآن وعيسى ومحمد صلوات الله عليهما، وصنف أهل إنجيل، وهم مصدّقون به وبالتوراة وسائر الكتب، مكذِّبون بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، فقال جل ثناؤه لهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، يعني: بما هم به مؤمنون من الكتب والرسل: {آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}، محمد صلى الله عليه وسلم {وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ}، فإنكم قد علمتم أن محمدًا رسول الله، تجدون صفته في كتبكم، وبالكتاب الذي أنزل من قبلُ الذي تزعمون أنكم به مؤمنون، فإنكم لن تكونوا به مؤمنين وأنتم بمحمد مكذبون، لأن كتابكم يأمركم بالتصديق به وبما جاءكم به، فآمنوا بكتابكم في اتّباعكم محمدًا، وإلا فأنتم به كافرون... فهذا وجه أمرهم بالإيمان بما أمرهم بالإيمان به ، بعد أن وصفهم بما وصفهم بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [سورة النساء: 136]" .أ.هـ وقال مجاهد: "أراد به المنافقين، يقول: يا أيها الذين آمنوا باللسان آمنوا بالقلب"، وقال أبو العالية وجماعة: هذا خطاب للمؤمنين يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} أي أقيمُوا واثبتُوا على الإيمان، كما يُقال للقائم: قُمْ حتى أرجع إليك، أي اثبت قائمًا... وبذلك فهو خطاب للمسلمين كافة... أثبتوا على الإيمان بذلك وداوموا عليه.... والمراد ازدادوا في الإيمان طمأنينة ويقيناً، أو: آمنوا بما ذكر مفصلاً بناءاً على أن إيمان بعضهم إجمالي... وحقيقة الإيمان هى التصديق الجازم بالله ورسوله وكتبه واليوم الآخر تصديقا ينجزم في القلب انجزاما يبعث على انفعال القلب بما صدق به انفعالا إيمانيا يترتب عليه انفعال الجوارح بذلك الإيمان على وفق ما يقتضيه ذلك الإيمان قولا وعملا بحسب ما يقرره الشرع الإيمانى ويرتضيه الله سبحانه... وللإيمان أركان معلومة من الدين بالضرورة، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره... لكن حقيقته هي ما ذكرت. والإيمان ليس كلمة تقال باللسان؛ إنما هو اتباع للمنهج الذي جعله الله ترجمة عملية واقعية لهذا الإيمان، وجعل الإيمان مقدمة لتحقيقه في الحياة الواقعية وتكييف حياة المجتمع وفق مقتضياته. وهذا الإيمان بحقيقته الشرعية إذا استقر فى القلب قاد صاحبه إلى العلو... العلو الإيمانى... والعلو الإيمانى: علو فى الدنيا: قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي إن كنتم مؤمنين فلا تهنوا ولا تحزنوا فإن الإيمان يوجب قوة القلب ومزيد الثقة بالله تعالى وعدم المبالاة بأعدائه، ويحتمل أن يكون المعنى: إن كنتم مؤمنين فأنتم الأعلون فإن الإيمان بالله تعالى يقتضي العلو لا محالة، ويحتمل أن يراد بالإيمان التصديق بوعد الله تعالى بالنصرة والظفر على أعداء الله تعالى، وعلى كل تقدير المقصود من الشرط هنا تحقيق المعلق به كما في قول الأجير: إن كنت عملت لك فأعطني أجري، أو من قبيل قولك لولدك: إن كنت ابني فلا تعصني (ذكره الألوسي في تفسيره مختصرا). وقال صاحب البحر المحيط: وفي قوله: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} دلالة على فضيلة هذه الأمة، إذ خاطبهم مثل ما خاطب موسى كليمه صلى الله عليه وسلم على نبينا وعليه، إذ قال له: لا تخف إنك أنت الأعلى. وتعلق قوله: إن كنتم مؤمنين بالنهي، فيكون ذلك هزاً للنفوس يوجب قوة القلب والثقة بصنع الله، وقلة المبالاة بالأعداء. أو بالجملة الخبرية: أي إنْ صدقتم بما وعدكم وبشركم به من الغلبة. ويكون شرطاً على بابه يحصل به الطعن على من ظهر نفاقه، أي: لا تكون الغلبة والعلو إلا للمؤمنين، فاستمسكوا بالإيمان.... وقد قيل: عنى بقوله: {وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ} وأنتم الغالبون آخر الأمر، وإن غلبوكم في بعض الأوقات، وقهروكم في بعض الحروب.... وعلو فى الآخرة: يقتضى التكريم فيها قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات : 13]... ومن لم يكرمه الله فهو مهان... مهان... قال تعالى: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18]... نسأل الله أن يرزقنا العلو فى الدنيا والكرامة فى الاخرة..!! والمؤمن الذي استجمع حقيقة الإيمان في قلبه يشعر بذلك العلو.... فتجده يستعلي بإيمانه... وحقيقة الاستعلاء بالإيمان تتجلى في تحقيق العبادة لله، والعبودية له، والتوجه إليه في حساسية وتقوى، وإلى وحدة منهج الله في الهيمنة على الكينونة البشرية كلها، في كل حال من أحوالها، وإلى الترابط بين جميع هذه الأحوال في ظل هذا المنهج الذي يبعث على كثير من النتائج الإيجابية، ومن أولها وأهمها حقيقة حضور الله - سبحانه - معه وسمعه وعلمه بكل ما كان وما دار بينه وبين غيره من الناس، وهي الحقيقة التي تحرص التربية القرآنية على استحضارها وتقريرها وتوكيدها وتعميقها في نفس المؤمن، وهي الحقيقة الأساسية الكبيرة التي أقام عليها الإسلام منهجه التربوي والتي لا يستقيم مؤمن على المنهج الإسلامي بكل تكاليفه إلا أن تستقر فيه هذه الحقيقة بكل قوتها وبكل حيويتها، وهذه من أعظم نتائج استعلاء المؤمن يالإيمان؛ فهو يستعلى بمعبوده ـ الله سبحانه وتعالى وحده ـ ويستعلى بمنهجه ـ شريعة الإسلام لا غير ـ وبالتالى فهو يشعر بالاطمئنان من كل ناحية؛ فحيث يكون غيره مذبذب مضطرب حيران، هو ـ المؤمن ـ مطمئن قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]. وهذا يؤدى إلى تصفية النفوس، وتخليصها من غبش التصور، وتحريرها من ربقة الشهوات، وثقلة المطامع، وظلام الأحقاد، وظلمة الخطيئة، وضعف الحرص والشح، والرغبات الدفينة. وهذا يجر إلى الانتصار على النفس والشهوات والمطامع والأحقاد، والانتصار في تقرير القيم والأوضاع السليمة لحياة الجماعة المسلمة، من خلال قوة العبد الذى استعلى بإيمانه، وهذا بدوره يعمق فى نفوس الجماعة المسلمة أن ليس لها من أمر النصر شيء، إنما هو تدبير الله لتنفيذ قَدَره، من خلال استعلائها بإيمانها وجهادها، وأجرها على الله، وليس لها من ثمار النصر شيء من أشياء هذه الأرض، إنما لحساب الأهداف العليا التي يشاؤها الله للذين يؤمنون به ويستعلون على كل شيء بهذا الإيمان... وكذلك الهزيمة فإنها حين تقع بناءً على جريان سنة الله، وفق ما يقع من الجماعة المسلمة من تقصير وتفريط، إنما تقع لتحقيق غايات يقدرها الله بحكمته وعلمه؛ لتمحيص النفوس وتمييز الصفوف، وتجلية الحقائق، وإقرار القيم، وإقامة الموازين، وجلاء السنن للمستبصرين... ولا قيمة ولا وزن في وجدان المؤمن ـ الذى يعلم أن العلو في إيمانه ليس في ما حقق من نتائج ـ للانتصار العسكري أو السياسي أو الاقتصادي؛ ما لم يقم هذا كله على أساس المنهج الرباني، في الانتصار على النفس، والغلبة على الهوى، والفوز على الشهوة وتقرير الحق الذي أراده الله في حياة الناس؛ ليكون كل نصر نصراً لله ولمنهج الله، وليكون كل جهد في سبيل الله ومنهج الله، وإلا فهي جاهلية تنتصر على جاهلية، وباطل ينتصر على باطل، ولا خير فيها للحياة ولا للبشرية، إنما الخير أن ترتفع راية الحق لذات الحق، والحق واحد لا يتعدد، إنه منهج الله وحده، ولا حق في هذا الكون غيره، وانتصاره لا يتم حتى يتم أولاً في ميدان النفس البشرية، وفي نظام الحياة الواقعية، وحين تخلص النفس من حظ ذاتها في ذاتها، ومن مطامعها وشهواتها، ومن أدرانها وأحقادها، ومن قيودها وأصفادها، وحين تفر إلى الله متحررة من هذه الأثقال والأدران، وحين تنسلخ من قوتها ومن وسائلها ومن أسبابها، لتكل الأمر كله إلى الله، بعد الوفاء بواجبها من الجهد والحركة التي توافق الشرع، وحين تُحكِّم منهج الله في الأمر كله، وتَعُد هذا التحكيم هو غاية جهادها وانتصارها ـ لان هذا هو تفعيل الاستعلاء بالشرع ـ حين يتم هذا كله، يحتسب الانتصار في المعركة الحربية أو السياسية أو الاقتصادية انتصاراً لله، وإلا فهو انتصار للجاهلية على الجاهلية، الذي لا وزن له عند الله ولا قيمة... بل مكانه تحت الأقدام...
__________________
أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله . قيل لرجل: صف لنا التقوى ؟
فقال: إذا دخلت ارضاً بها شوك، ماذا تفعل؟ قال: اتوقى و احترز... فقال: فافعل في الدنيا كذلك.. فهي التقوى. |
| أدوات الموضوع | البحث في الموضوع |
| أنماط العرض | |
|
|