((((( اللي بيتجوّز أُمّي… بقوللو: يا عمّي !!! )))))
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ؛؛؛ وبعد :
اللي بيتجوّز أُمّي… بقوللو: يا عمّي!!… نظرة تحليلية
كتبها طارق حميدة ، في 14 تشرين الثاني 2007 الساعة: 13:45 م
اللي بيتجوّز أُمّي… بقوللو: يا عمّي!!
نظرة تحليلية
بقلم: طارق حميدة
--------------------------------------------------------------------------------
الأرض… الأم
"هذه الأرض امرأة
في الأخاديد وفي الأرحام سر الخصب واحد
قوة السر التي تنبت نخلاً وسنابل
تنبت الشعب المقاتل
دارت الأيام لم ألتق فيها بابن عمي
غير أني كنت أرى
أن بطن الأرض تعلو وتميد
بمخاض وبميلاد جديد" .
هذه الأبيات من قصيدة " حمزة " لفدوى طوقان، في ديوانها الليل والفرسان، وفيها تشبيه الوطن والأرض بالأم، وهو الأمر الذي يتكرر في الأدب الشعبي والرسمي على حد سواء، كما في الفزورة التي تسأل: من هي الأم التي تحمل أبناءها على ظهرها نهاراً، فإذا غابت الشمس أرجعتهم إلى بطنها؟ والجواب واضح؛ وهو الأرض التي يعيش أبناؤها على ظهرها مدة حياتهم، فإذا مات أحدهم دُفن في بطنها.
ومن كلامنا الدارج في العامية والفصيحة تعبير الوطن الأم، وأحسبه في غير اللغة العربية أيضا، ولعله ترجم إلى العربية من خارجها.
والأبيات السابقة تتحدث عن الأرحام والأخاديد التي تنبت الشعب المقاتل، وكأن الوضع الطبيعي أن يكون أبناء الأرض كما أبناء الأرحام مقاتلين دفاعاً عن الوطن والأم، ولذلك يتكررالجمع بين الدفاع عن الأرض والدفاع عن العرض، في أحاديث الناس وأدبياتهم.
الأنذال الثلاثة!!!
في نقاش دار بين ثلاثة من الأنذال أكد كل منهم أنه الأكثر نذالة، وحيث لم يكن ثمة من يحكم بينهم فقد اتفقوا على أن يخرجوا معاً ويقوم كل منهم بتصرف "نذل"، وبالتالي يقيمّوا "الأنذل" فيهم!!.
ولم يطل بهم المسير حتى لقيتهم امرأة عجوز، حيث بادر أحدهم فأمسكها من شعرها وبدأ يضربها بعصىً كانت بيده، ثم تبعه الثاني فمزق ثيابها، ولما لم يتحرك الثالث سأله رفيقاه مستغربين: هل أشفقت عليها أم لم تعد نذلاً؟
فرد عليهم: لا هذه ولا تلك، ومع ذلك فأنا الأكثر نذالة!!
فسألاه: وكيف ذلك؟!
فقال: لأن هذه العجوز… أمي!!
هذه الحكاية جرى تداولها في منتديات الإنترنت عشية الغزو الأمريكي للعراق، وقد رافقها تفسيرها الذي يؤكد أن قمة النذالة هي رؤية أرض عربية إسلامية يُعتدى عليها، ثم تركها وعدم الدفاع عنها، حتى لقد اعتبرت جريمة الساكتين أكبر من جريمة الغزاة المعتدين.
ومرة أخرى يتكرر تشبيه الأرض بالأم، وفي وجوب الدفاع عنها، فضلاً عن وصم من يتقاعس عن هذا الواجب بالنذالة.
اللي بيتجوّز أُمّي!!
كثيراً ما يحصل في منطقتنا العربية، عندما يموت الرجل أن يتزوج أخاه أرملته لرعاية أولاد أخيه الأيتام، وكذلك إذا ماتت امرأة الرجل فإنه يحرص، كما يحرص أهلها، على تزويجه من أختها، ويكون هناك تفاهم ضمني لدى الجميع على أن الهدف السامي من وراء ذلك هو رعاية الأيتام؛ فليس أرحم بالأيتام من عمهم وخالتهم، إذ الخالة كالأم، مثلما العم صنو الأب.
والمثل الشعبي القائل: ( إللي بيتجوز أمي… بقوللو: يا عمي)، لا يتحدث عن زواج العم شقيق الأب من أم الأيتام، وإنما يتحدث عن زواج الأم من رجل غريب، وهو الأمرالذي يرفضه الأبناء عادة؛ حيث يعتبرون سلطته غير شرعية؛ ومن هو حتى يتأمّر عليهم ؟! فضلاً عن أنهم يغارون على أمهم أن تكون تحت هيمنة رجل غريب، خلافاً "للعم" الذي له شرعية مقاربة لشرعية الأب،
وبالتالي فالمتوقع من الأبناء أن يرفضوا سلطة زوج الأم ويثوروا عليها، فهم ابتداءً يحرصون على ألا يقع هذا الزواج ما وسعهم الأمر، وإن حصل فسيناضلون ويقاومون حتى الرمق الأخير. ومع ذلك فقد يقبل الأبناء بالأمر الواقع فيدعون زوج أمهم ( عماً)، كما ينادون امرأة أبيهم ( بالخالة)… تمنياً أو اضطراراً.
لكن الناس حين يقول واحدهم: ( إللي بيتجوز أمي بقوللو: يا عمي)، لا يقصدون زوج الأم، وإنما يتحدثون عن شيء آخر يشبّهونه بزوج الأم، وهو السلطة الغاشمة وغير الشرعية، سواء كانت أجنبية أو محلية؛ على اعتبار أن السلطة الشرعية الرحيمة العادلة تمثل الأب أو العم الذي هو شقيق الأب .
وإذا كان المفترض أن كل ذي نخوة لن يقبل بالسلطة الغاشمة أو الحكم الأجنبي؛ فإن القبول به يصبح نوعاً من النذالة وقلة الشهامة والمروءة، ويكون صاحبه موضعاً لازدراء الآخرين واحتقارهم، ويضحي سُبّة بينهم. فيسألونه مستنكرين: كيف ترضى بهذا الغريب؟ فيرد عليهم بتبجح يخفي تحته انهزاماً نفسياً: إللي بتجوز أمي بقوللو: يا عمي!
فمن لحظة زواجه من أمي أصبح من لحمنا ودمنا ولم يعد غريباً حتى أرفضه، وكذلك السلطة الظالمة أو المستعمرة؛ وبحسب منطقه الأعوج: فإن من يسيطر على الأرض ويحكم الشعب فهو السلطة الشرعية، وله عليه حق الطاعة والاستسلام، كما أنه يقول لزوج أمه: يا عمي، وإن لم يكن عمه؟!
على… أمّه!!
يطلق وصف: "على أمّه"، على المهزوم الأسوأ حظاً، في عدد من الألعاب الشعبية في وفلسطين ومناطق أخرى، وفي هذا القول بُعدان أحدهما وقائي كي يحرص كل واحد أن لا تكون اللعبة على أمه، والآخر دفاعي؛ إن حصل ووقع المحذور عليه، حتى يبذل كل جهد مستطاع للتخلص من هذا الواقع الأليم المهين، ولعل أشد ما يجرح الإنسان المساس بشرف أمه لأن معنى ذلك هو الطعن في طهارة وجوده، ومرة أخرى لا ننسى أن الأم هنا هي الأرض والوطن.
إن " ألعاب الأطفال ما هي إلا تمارين وتجارب وظيفتها تحضير هؤلاء الأطفال لكي يلعبوا الأدوار، التي يُتوقع منهم أن يلعبوها، بشكل أفضل عندما يُصبحون كباراً، حتى يتمكن أعضاء المجتمع ككل من سد الحاجات الضرورية للحياة"[1].
وبناء عليه فإن تصميم هذه الألعاب ومصطلحاتها لم تأت عبثـاً، بل كانت في سياق موضوعنا؛ ويكون المطلوب منها أن تعزز مفهوم الكرامة والإباء ورفض الهزيمة لدى الأطفال، فيمنعوا الأعداء الغرباء من هزيمتهم والسيطرة على بلادهم، أو يدفعوهم ويناضلوا ضدهم بكل وسيلة إن حصل واغتصبوا أوطانهم، ما يعزز القول السابق بأن استخدام مصطلح: " على أمه" له بُعدان أحدهما وقائي والأخر دفاعي.
العب يا ولد!!
ولقد جرى على ألسنة الكثيرين في الشارع الفلسطيني ومنذ عشرات السنين، حين يرى أحدهم بعض الصبية يلعبون في الحارات أن يخاطبهم بالقول: "إلعبوا يا أولاد واللعب على أمكم"، كما قد يقولها الكبار بعضهم لبعض وهم يلعبون معا السيجة أو النرد أو الورق.
إن حال الشعب الذي يتلهى أبناؤه ويلعبون، فيما هناك لعبة ومؤامرة خسيسة دنيئة تستهدف وطنهم، هو مثل حال الأبناء يخرجون من البيت ليلعبوا وهم غافلون عن اللعبة الحقيقية التي تحاك للإيقاع بأمهم.
وفي هذه العبارة مرارة كبيرة وتأنيب ضمير؛ إذ يشعر قائلها بالعجز عن مواجهة المكائد التي يكيدها العدو ضد الشعب والوطن، ويؤنب نفسه ومن يخاطب أنهم يلهون ويلعبون، فيما اللعبة الكبيرة والحقيقية تستهدف الأرض وساكنيها.
|