عرض المشاركة وحيدة
  #3  
قديم 22/02/2009, 02:30 PM
محب الشيخ حسن السقاف محب الشيخ حسن السقاف غير متصل حالياً
محظور
 
تاريخ الانضمام: 01/02/2009
الإقامة: مسقط العامرة
الجنس: ذكر
المشاركات: 394
افتراضي

ولعله مما يفاجئ كثيراً من القراء أن يطلعوا لأول مرة على عناية قادة الفكر من الإباضية بلمِّ شعث هذه الأمة وجمع شتاتها بعدما أثخنتها الخلافات المذهبية ، ومزقتها النزعات العصبية ، وكم تمنوا أن يحس سائر أعلام الأمة بمثل أحاسيسهم ، ويشاركوهم في هذه الهموم التي تنوء بها صدورهم ، وتؤرق ليلهم ، وتقض مضجعهم ، وقد كانت منهم محاولات ، للخطو في هذا الطريق والاستعداد لهذه المهمة بنفقات مالية يرصدونها من جيوبهم وجيوب المخلصين من سائر أبناء الأمة ، وأصدق مثال على ذلك ما يجده القارئ في هذا السؤال الذي صدر من عالم مفكر وقائد محنك ، ذلكم هو الشيخ سليمان بن عبدالله بن يحيى الباروني ، عضو مجلس المبعوثان بالدولة العثمانية ، المشهور بسليمان باشا الباروني ، وهو من إباضية جبل نفوسة بالقطر الليبي ، وقد توجه بسؤاله هذا إلى عالم الإباضية بالمشرق ، ومرجعهم في أمور الدين ، الإمام عبدالله بن حميد السالمي ، ونص السؤال :

(هل توافقون على أن من أقوى أسباب اختلاف المسلمين تعدد المذاهب وتباينها؟ على فرض عدم الموافقة على ذلك فما هو الأمر الآخر الموجب للتفرق؟ على فرض الموافقة فهل يمكن توحيدها بالجمع بين أقوالها المتباينة وإلغاء التعدد في هذا الزمن الذي نحن فيه أحوج إلى الاتحاد من كل شيء ؟ وعلى فرض عدم إمكان التوحيد فما الأمر القوي المانع منه في نظركم ، وهل لإزالته من وجه ؟ على فرض إمكان التوحيد فأي طريق يسهل الحصول على النتيجة المطلوبة ؟ وأي بلد يليق فيه إبراز هذا الأمر؟ وفي كم سنة ينتج ؟ وكم يلزم من المال تقريباً ؟ وكيف يكون ترتيب العمل فيه؟ وعلى كل حال فما الحكم في الساعي في هذا الأمر شرعاً وسياسة ؟ مصلح أم مفسد؟).. وكان هذا السؤال في عام 1326هـ .

فكان من جواب ذلك الإمام له : ( نعم نوافق أن منشأ التشتيت اختلاف المذاهب وتشعب الآراء ، وهو السبب الأعظم في افتراق الأمة على حسب ما اقتضاه نظركم الواسع .

وللتفرق أسباب أخرى منها ، التحاسد والتباغض ، والتكالب على الحظوظ العاجلة ، ومنها طلب الرئاسة .

وجمع الأمة على الفطرة الإسلامية بعد تشعب الخلاف ممكن عقلاً مستحيل عادة ، وإذا أراد الله أمراً كـان ( لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ) الأنفال 63.

والساعي في الجمع مصلح لا محالة ، وأقرب الطرق له أن يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية ويحضهم على التسمي بالإسلام ( إن الدين عند الله الإسلام ) آل عمران 19 ، فإذا أجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية ولو بعد حين ، فيبقى المرء يلتمس الحق لنفسه ويكون الحق أولاً عند آحاد من الرجال ثم يفشو شيئاً فشيئاً حتى يرجع إلى الفطرة .

وهي دعاية الإسلام التي بعث بها محمد عليه الصلاة والسلام ، وتضمحل البدع شيئاً فشيئاً ، فيصير الناس إخواناً ( ومن ضل فإنما يضل عليها ) يونس 108 ، الإسراء 15 ، الزمر 41 ، ولو أجاب الملوك والأمراء إلى ذلك لأسرع الناس في قبوله ، وكفيتم مؤونة المغرم ، وإن تعذر هذا من الملوك فالأمر عسير والمغرم كثير .

وأوفق البلاد لهذه الدعوة مهبط الوحي ومتردد الملائكة ، ومقصد الخاص والعام ، حرم الله الآمن ، لأنه مرجع الكل .

وليس لنا مذهب إلا الإسلام ، فمن ثم تجدنا نقبل الحق ممن جاء به وإن كان بغيضاً ، ونرد الباطل على من جاء به وإن كان حبيباً ، ونعرف الرجال بالحق ، فالكبير عندنا من وافقه والصغير من خالفه ، ولم يشرع لنا ابن إباض مذهباً ، وإنما نسبنا إليه لضرورة التمييز حين ذهب كل فريق إلى طريق(11) .

وهذا كلام غني عن التعليق بشيء فإنه إن لم يكن شاهداً عادلاً ومعلماً واضحاً على نبل قصد السائل والمجيب وسمو فكرهما ، وحسن أنشودتهما ، فليس يصح في الأذهان شيء.

وإذا كان الأدب مرآة تعكس ما في نفس الأديب من كوامن الأحاسيس فإن الأدب الإباضي قديمه وحديثه طافح بعصارات مشاعر الألم الذي يحسون به بسبب تشتت الأمة وانحلال عقد نظامها ، وإذا كنت أخي القارئ شاهدت صورة من ذلك فيما نقلته لك من قول أديب معاصر فإليك صورة أخرى تعكس مشاعر أديب بارع وعالم جامع من أدباء هذه الطائفة وعلماءها الغابرين ، وهو العلامة الكبير شاعر الإسلام والمسلمين أبو مسلم ناصر بن سالم البهلاني الرواحي الذي طالما انساب يراعه الموهوب ليصور لنا بعبارته الإيمانية همومه وأحاسيسه تجاه أمته ودينه ودونك هذا المقطع من قصيدة له بعنوان ( أفيقوا بني القرآن ) :



فيا لبني القرآن أين عقولكم=وقد عصفت هذي الرياح الزعازع؟
أمسلوبة هذي النهى من صدورنا ؟=وهل فقدت أبصارنا والمسامع ؟
فليت بني الإسلام قرَّت صفاتهــم=فما زعزعتها للغرور الزعازع
وليتهمُ ساسوا بنور محمد=ممالكهم إذ باغتتها القواقع
وليتهمُ لم ينحروا بسلاحهم=نحورَهم إذ جاش فيها التقاطع
قد مكَّن الأعداءَ منا انخداعُنا=وقد لاح آل في المهامه لامع
وسورة بعض فوق بعض وحملة=لزيد على عمروٍ وما ثم رادع
وتمزيق هذا الدين كل لمذهب=له شِيَع فيما ادعاه تشايع
وما الدين إلا واحد والذي نرى=ضلالات أتباع الهوى تتقارع
وما ترك المختارُ ألفَ ديانة=ولا جاء في القرآن هذا التنازع
فيا ليت أهل الدين لم يتفرقوا=وليت نظام الدين للكل جامع
لو التزموا من عزّة الدين شرطها=لما اتضعت منها الرعان الفوارع
وما ذبحَ الإسلامَ إلا سُيُوفنا=وقد جعلت في نفسها تتقارع
ولو سلت السيفين يمنى أخوة=لدكت جبال المعتدين المصارع
وما صدعة الإسلام من سيف خصمه=بأعظم مما بين أهليه واقع
فكم سيف باغ حزَّ أوداج دينه=بأفظع مما سيف ذي الشرك باخع
هراشاً على الدنيا وطيشاً على الهوى=وذلك سمٌّ في الحقيقة ناقع
وما حرَّش الأضغان في قلب مسلم=على مسـلم إلا من النعي وازع
ولو نصـــع القلبان لم يتباغضا=ولا ضام متبوع ولا ضيم تابع
وما هذه الدنيا لها قدر قيمــــة=يضاع له ذخر من الله نافـــع
وما نال منها طائلاً غير إثمــها=وأكدارها المستأثرون الأمانع
ولو بعدت في النفس منزعة التقى=لما نزعت نحو الشقاق المنازع
فما بيعنا الحسنى ومرضاة ربنا=بها بيعة يَمنى بها الربح بائع
على أي شيء يقتلُ البعضُ بعضَنا=وتذكى فظاظات النفوس المطامع
ولو أشربت منا النفوس تبصراً=لما كان منها للشرارة ناقع
بلى أشربت داءً دخيلاً أصارها=كما كمنت في جحرهن الأقارع(12).

1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
13
14
15
16
17
18
19
20
21
22
23
24
25
26 فيـا لبنـي القـرآن أيـن iiعقولكـم وقد عصفت هذي الرياح iiالزعـازع؟
أمسلوبة هذي النهى من صدورنـا ii؟ وهل فقـدت أبصارنـا والمسامـع ii؟
فليت بني الإسـلام قـرَّت iiصفاتهـم فما زعزعتهـا للغـرور iiالزعـازع
وليتهـمُ ساسـوا بـنـور iiمحـمـد ممالكهـم إذ باغتتـهـا iiالقـواقـع
وليتهـمُ لـم ينحـروا iiبسلاحـهـم نحورَهـم إذ جـاش فيهـا iiالتقاطـع
قد مكَّـن الأعـداءَ منـا iiانخداعُنـا وقـد لاح آل فـي المهامـه iiلامـع
وسورة بعض فوق بعـض iiوحملـة لزيد علـى عمـروٍ ومـا ثـم iiرادع
وتمزيق هـذا الديـن كـل iiلمذهـب لـه شِيَـع فيمـا ادعـاه iiتشـايـع
وما الدين إلا واحـد والـذي iiنـرى ضـلالات أتبـاع الهـوى iiتتقـارع
ومـا تـرك المختـارُ ألـفَ iiديانـة ولا جاء في القـرآن هـذا iiالتنـازع
فيا ليت أهـل الديـن لـم iiيتفرقـوا وليـت نظـام الديـن للكـل iiجامـع
لو التزموا من عزّة الديـن شرطهـا لما اتضعت منها الرعـان iiالفـوارع
ومـا ذبـحَ الإسـلامَ إلا iiسُيُوفـنـا وقد جعلـت فـي نفسهـا iiتتقـارع
ولو سلـت السيفيـن يمنـى أخـوة لدكـت جبـال المعتديـن المصـارع
وما صدعة الإسلام من سيف iiخصمه بأعظـم ممـا بيـن أهليـه iiواقـع
فكم سيـف بـاغ حـزَّ أوداج iiدينـه بأفظع مما سيف ذي الشـرك iiباخـع
هراشاً على الدنيا وطيشاً على الهوى وذلـك سـمٌّ فـي الحقيقـة iiنـاقـع
وما حرَّش الأضغان في قلب iiمسلـم على مسلـم إلا مـن النعـي iiوازع
ولو نصـع القلبـان لـم iiيتباغضـا ولا ضـام متبـوع ولا ضيـم تابـع
وما هـذه الدنيـا لهـا قـدر iiقيمـة يضـاع لـه ذخـر مـن الله نافـع
وما نال منهـا طائـلاً غيـر iiإثمهـا وأكدارهـا المستأثـرون iiالأمـانـع
ولو بعدت في النفس منزعة iiالتقـى لما نزعت نحـو الشقـاق iiالمنـازع
فما بيعنا الحسنـى ومرضـاة iiربنـا بها بيعة يَمنـى بهـا الربـح iiبائـع
على أي شيء يقتلُ البعضُ iiبعضَنـا وتذكى فظاظات النفـوس iiالمطامـع
ولو أشربت منـا النفـوس iiتبصـراً لمـا كـان منهـا للشـرارة iiناقـع
بلى أشربـت داءً دخيـلاً iiأصارهـا كما كمنت في جحرهن الأقارع(12).