الشعراء بين السرقة والتأثر
مرايا الزمن
الشعراء بين السرقة والتأثر
شوقي بزيع
يشير الناقد الأدبي الأمريكي هارولد بلوم” في كتابه اللافت قلق التأثر” إلى أن الشاعر يعيش أكثر من سواه من المبدعين هاجس الوقوع في فلك من سبقه من الشعراء أو في فلك الكبار من مجايليه وشعراء عصره. ذلك أن كل شاعر يحمل في داخله تصوراً خاصاً عن الشعر أو مثلاً أعلى للكتابة يمكن أن يعثر عليه في تجربة مبدع آخر سابق عليه أو مجايل له. وهو معرض بالتالي لمواجهة أحد الخيارين التاليين: إما الوقوع تحت سطوة الشاعر النموذج وإغوائه الأسلوبي، أو العمل الدؤوب والشاق على الإفلات من فخه عبر اجتراح نموذجه الأسلوبي الخاص. وهو ما يتطلب بالطبع الكثير من المكابدة والتمرس والتضحية بالكثير من النصوص.
والحقيقة أن الإشكالية التي يثيرها بلوم” ليست جديدة أو طارئة على عالم الشعر، بل هي قائمة منذ مئات السنين ونجد ظلالاً لها عبر عشرات التجارب السابقة حيث يستطيع شاعر متفرد وكبير أن يبسط جناحيه على عصره ويوقع في شرك اغوائه الكثير من شعراء عصره أو اللاحقين له. فالأمة، أية أمة، لن تستطيع أن تنجب أكثر من شاعرين كبيرين أو ثلاثة على الأكثر خلال قرن من القرون، وفق ما يذهب إليه الناقد والشاعر الانجليزي المعروف ت. س. إليوت” ومواصفات الشاعر الكبير في هذه الحالة تتخطى الموهبة والاخلاص للكتابة اللذين قد نعثر عليهما عند مئات الشعراء، لتتصل بالريادة والتأسيس وتطوير اللغة الأم نفسها. فاللغات الحية لا يطورها الألسنيون أو النحاة أو الأكاديميون بقدر ما يطورها الشعراء الكبار الذين فيما يقفون على أسرارها العميقة يأخذون بيدها نحو مناطق بكر وأراض غير مأهولة.
قد يكون التأثر في بدايات أية تجربة شعرية أمراً مقبولاً ومبرراً وموضع تفهم من قبل القراء والنقاد. فالشعر كما الفن بوجه عام لا يولد في فراغه المطلق أو سديمه الكوني، بل يولد كالكائنات الحية بأجمعها في كنف الحياة نفسها وفي تربة الواقع وفضاءاته. والشاعر حين يكتب إنما يصغي بانتباه إلى كل الأصوات التي سبقته ويقارب استعارات وجملاً وإيقاعات جرت مقاربتها من قبل أسلافه جميعاً بحيث لم يتركوا له من متردم، كما يشير عنترة العبسي. ولكنه مع ذلك معني بالتخلص قدر المستطاع من ذلك الإرث الثقيل من الكتابات التي ترزح فوق صدره. وإذا كان له أن يقتات من تلك الكتابات ويهضمها بشكل كامل فليس لكي يعيد إنتاجها من جديد، بل ليخلق منها وجودات شعرية مغايرة، تماماً كما تفعل الشجرة التي تتغذى من طين الأرض وروثها وسمادها ولكنها تصهر هذه العناصر الوافدة وتعيدها لنا على شكل ثمار شهية ومتنوعة.
لا أذكر على وجه التحديد اسم ذلك الناقد الذي قال إن الشاعر العادي يتأثر بسواه من الشعراء أما الشاعر الكبير فيسرقهم”. وهو قول صحيح، على طرافته، لأن الشاعر الحقيقي لا يرضى الإقامة في ظل سواه أو أن يكون صدى لغيره، بل يعمد بدأب على بلورة أسلوبه الخاص ولغته المختلفة. لكنه لشدة ثقته بنفسه لا يتورع عن السطو” على ما يعجبه من أشعار الآخرين معيداً صياغة ما يختلسه بشكل أفضل من السابق، وهو قادر بحكم موهبته العالية على إخفاء المصادر التي يتمثلها في شعره. وحتى لو بدت الجمل والاستعارات التي يختطفها من سواه، عن عمد أو غير عمد، جلية أمام القارئ فهو لا يأبه للأمر كما لو أنه موكل كعمر بن أبي ربيعة باقتناص كل جمال وافد أو لقية نادرة. وأحياناً كثيرة يحلو للشاعر أن يعتبر ما اختلسه من الآخرين نوعاً من الصدفة المحضة أو وقوع الحافر على الحافر.
إن من يتتبع نماذج الشعر الجاهلي وصولاً إلى العباسي لا بد أن تلفته ظاهرة السرقات” الشعرية التي يبدو بعضها متعمداً تماماً لأنها لا تقتصر على جملة بعينها أو بيت شعر واحد، بل تشتمل على مقطع كامل، كما هو الحال بالنسبة للأخطل التغلبي على سبيل المثال. فالأخطل في مديحه لعبدالملك يقتطع من شعر النابغة الذبياني أبياتاً بكاملها من دون تحرج أو تردد. وهو حين يقول مشبهاً الخليفة بالفرات فما الفرات إذا جاشت حوالبه/ في حافتيه وفي أوساطه العشر” إنما يستعيد بشكل واضح بيت النابغة الذبياني فما الفرات إذا هب الرياح له/ ترمي أواذيه العبرين بالزبد”، وفي حين ينهي النابغة المقطع المدحي بقوله يوما بأجود منه سيب نافلة” يقول الأخطل على المنوال نفسه يوما بأجود منه حين نسأله”. وهذا الأمر لا يتولد عن الصدفة المحضة ولا يتم إلا عن طريق القصد والتعمد. وفي حين يقول امرؤ القيس في معلقته وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهم” يعمل بشار بن برد على اقتفاء أسلوبه ولغته بالقول وقوفاً بها صحبي على عراصها”.
جميعنا بالطبع يذكر في هذا السياق ما حدث للمتنبي في بلاط سيف الدولة حين انبرى ابن خالويه وأبوفراس وآخرون لمقارعته والانتقاص من شأنه واتهامه بسرقة معظم القصيدة الميمية التي قالها في مديح سيف الدولة. والحقيقة أن خصوم المتنبي لم يكونوا مخطئين تماماً من هذه الزاوية. فمن يقرأ ديوانه لا بد من أن يتذكر الكثير مما سبق أن قرأه في دواوين أسلافه. وقد حدث لي قبل أسابيع أن أعجبت لدى إعادة قراءتي لديوانه ببيت من الشعر يقول فيه عن ألم الفراق كأن العيس كانت تحت جفني/ مناخات فلما ثرن سالا” وإذ تشاء الصدفة وحدها أن أتصفح بعد ذلك بقليل ديوان بشار بن برد لأعثر عنده على البيت التالي كأن جفوني كانت العيس فوقها/ فسارت وسالت بعدهن المدامع”، حيث لا فارق يذكر بين البيتين. وهو ما يؤكد المزاعم القائلة إن الشعراء الكبار يترفعون عن التأثر ولكنهم لا يترفعون عن السرقة.
__________________
*** ياقمر مايغطى عليك السحاب اللى يعرفون لونك يرونـــــــــــــــك أن ظهر فى ألآفق نجم والا شهاب لاصفاتك ولا اللون لونك
*** رجب السعدى
آخر تحرير بواسطة سويري : 24/01/2009 الساعة 12:15 AM
|