أنقذنا الكتاب فمن ينقذه؟؟ بقلم اللوعظ: أحمد بن مبارك النوفلي
أنقذنا الكتاب فمن ينقذه؟؟
بقلم اللوعظ: أحمد بن مبارك النوفلي
إن عصرنا هذا هو عصر انفجار المعرفة وتدفق الثقافات، وإذا كانت هذه المعارف والثقافات تؤخذ من عدة وسائل عصرية حديثة كالشبكة العالمية (الإنترنت) ودمج الكثير من الكتب في أقراص الحواسب وأخذ المعرفة عبر التلفاز والمذياع وغيرها، فإن الكتاب هو الأب والأم في آن واحد لهذه المعارف والثقافات، لقد قدم الكتاب خدمة عظيمة جليلة للإنسان ليس منذ اليوم والأمس فحسب بل منذ قرون وقرون، ومع وجود وسائل المعرفة الحديثة إلا أن الكتاب لم يفقد قيمته ولن يفقد قيمته وعظمته في أوساط العلماء و المثقفين..
إن الكتاب مازال هو المقدم على غيره في تغذية العقول بطريقة صحيحة وسليمة ومتميزة،إذ يستطيع الواحد منا أن يتصفح الكتاب كيف يشاء.. ومتى يشاء.. ومع من يشاء..وفي أي مكان يشاء.. يستطيع الواحد منا ممارسة الحرية الكاملة في اختيار ما يناسبه من مواضيع.. ويعتبر الكتاب منقذ الإنسان من الجهل والعمى إلى العلم والبصيرة..
هذا وقد مرت على الكتاب نكبات ونكبات عبر التاريخ كادت أن ترزأ به لولا عناية الله تعالى الحافظة له، وقد تكون هذه النكبات بسبب الصراع السياسي بين الدول أو تسلط ظالم غاشم على الكتاب فيقوم بحرقه و تمزيقه بسبب جهله أو تعصبه أو حدوث كوارث و أعاصير وغير ذلك، ومن أمثلة النكبات التي أصابت الكتاب تاريخياً:
1. نكبة على مكتبة المعصومة بتيهرت وهي المكتبة العظيمة في زمن الدولة الرستمية وقد كانت هذه المكتبة تحوي آلافا من المجلدات والكتب وذخائر الآثار أوصلها بعض الباحثين إلى 300000 ألف مجلد وكانت تحمل بين رفوفها كتبا في فنون العلم والمعرفة من العلوم الشرعية ككتب التفسير والفقه والحديث والعقيدة وغيرها وكذا كتبا في الطب والهندسة والرياضيات والفلك والتاريخ واللغة وغيرها الكثير إلا أن النكبة التي أصبتها كانت مؤلمة فقد هجم على الدولة الرستمية أبو عبدا لله الشيعي داعية الفاطميين في سنة 296هـ/909م فدمرها وعاث في الأرض فسادا وقتل أهلها، وأحرق المكتبة المعصومة بعد أن أخذ منها الكتب الرياضية والصناعية والفنية، فقضى بذلك على تراث الأمة الإسلامية فحسبنا الله ونعم الوكيل..
2. ومن النكبات التي مرت على الكتب والمكتبات ما قام به محمد بن بور من الإفساد في أرض عُمان زمن الإمام عزان بن تميم فعندما هزم محمد بن بور أهل عُمان قام بتقطيع أيدي الناس وأرجلهم وسمل أعينهم و أحل عليهم النكال والهوان، ودفن الأنهار وأحرق الكتب.
يقول أبو إسحاق إبراهيم أطفيش:من أشنع الجرائم التي يرتكبها هؤلاء الظلمة، حرق كتب المسلمين ففعلهم كفعل الروم، الذين كلما تغلبوا على قطر من أقطار الإسلام بادروا إلى حرق الكتب كما وقع في الأندلس وغيره، فكان هؤلاء شركاء أعداء الإسلام في الجريمة، فالتشنيع الذي يوجه إلى الأوربيين الذين أحرقوا خزائن المسلمين يوجه إلى هؤلاء بالحري، وهكذا وقع لما تغلب الفاطميون على الإمامة الرستمية فإنهم احرقوا من خزائن الكتب ونفائس العلم، ما لم يوجد نظيره، وكفعل القرامطة لما تغلبوا على المسلمين، فأنت ترى من هذه الحقائق التي سجلها التاريخ مبلغ الجرائم التي صدرت من أعداء العلم والدين فضيعوا كنوزها الثمينة، وفوتوا من أئمة التأليف كنوزا لا تقدر بثمن مهما بلغ وهذه سنة أعداء الحق كالمغوليين مع خزائن بغداد، ولله الحمد أن معين الإسلام لا ينضب فمهما سعى أعداؤها إلى قطعه تفجر من جديد ولا غرو فإنّ الينبوع الأصلي في كفالة الله وحفظه .
وعلى كل حال فإن سنة الله تجري على عباده بأنواع من الابتلاءات والكوارث والنكبات لحكمة أرادها الله رب العالمين ومن هذا الابتلاء الذي يجب علينا أن نصبر معه ونتعامل معه وفق سنن الفطرة ومعطيات الحياة والكون ما أصابنا من الإعصار في هذا العام على بلدنا عُمان فكان له من الأثر البالغ على نفوس الناس إلا أن الأثر الأكثر ألما على نفوس العلماء والمتعلمين والمثقفين هو ضياع الكثير من الكتب في خضم هذا الإعصار فمكتبة الضامري للنشر والتوزيع تأثرت بهذا الإعصار وغيرها من المكتبات..
هذا وقد وقفت بنفسي على مخازن مكتبة الضامري للنشر والتوزيع بعد الإعصار فرأيت العجب العجاب من ضياع وتلف الكثير الكثير من أمهات المصادر والمراجع في مختلف فنون العلم ككتب العقيدة والتفسير والفقه واللغة والتاريخ والفكر والدعوة وعلم النفس وكتب السياحة والرياضيات والشعر والأدب وغيرها الكثير، وفي حقيقة الأمر هذه تعتبر كارثة أصابت المثقفين في بلدنا عُمان..
ومن المعلوم أن مكتبة الضامري للنشر والتوزيع من أهم المكتبات التي عرفها الجيل الحديث في تقديم خدمة جليلة للعلماء والمثقفين لنشر الكتاب العُماني بصورة حسنة وإخراج طيب وقد شاركت هذه المكتبة في نشر الكتاب العُماني في العديد من المعارض داخل وخارج السلطنة كمصر والجزائر والسودان والسعودية والإمارات العربية المتحدة وغيرها من الدول، وإذا ما مس هذه المكتبة من ضرر فإنّ هذا الضرر لا يعود على المكتبة فحسب بل يعود أثره على المثقفين والمكتبات العامة والخاصة، وذلك لأن أثر فائدة مطبوعات هذه المكتبة يكاد لا يخلو منها بيت مثقف عُماني بل حتى الكاتب العُماني يكاد لا يخلو تأليفه من الرجوع إلى مطبوعات الضامري للنشر والتوزيع، وأنا لا أقول هذا الكلام من باب المصلحة أو المنفعة أو غير ذلك وإنما أنطق ذلك من باب الاعتراف بالحقائق التي أراها أمامي واضحة ومن باب الاعتراف بفضل هذه المكتبة علينا جميعا كعُمانيين..
والآن ما هو دورنا كعُمانيين في خدمة الكتاب العُماني بعد هذا الإعصار؟ أو بعبارة أخرى ما هو مصير الكتاب العُماني بعد الإعصار؟
وما دور العلماء والمثقفين في الوقت الراهن بعد أحداث الإعصار في خدمة الكتاب العُماني؟ وهل ستعود مكتبة الضامري للنشر والتوزيع وسائر دور النشر إلى أنشطتها الحيوية والفعالة في خدمة المثقفين كما عهدناه منذ سنين؟
وإذا أرادت مكتبة الضامري للنشر والتوزيع وباقي دور النشر العودة مرة أخرى إلى أنشطتها فهل تستطيع أن تقوم بنفسها أم أنها بحاجة إلى وقوف ذوي اليسار والمثقفين معها؟ وإذا أرادت العودة فكيف ستعود؟ أسئلة أتركها للزمن وللناشرين للإجابة عليها..!
وعلى كل حال إذا كنا نسعى جاهدين لتقديم العون لخدمة المتضررين مادياً من الإعصار فلنسعى _أيضا_ من باب أولى لخدمة الضرر البالغ على الكتاب العُماني فخدمة ذلك خدمة للعلم والثقافة، وهل تحيى وتتقدم الأمم والشعوب إلا بالعلم والمعرفة؟؟..
أحمد بن مبارك النوفلي
ودام الغاف ولاية المصنعة
19 /جمادي الثانية 1428هـ 4/ 7/ 2007م
|