زيارة ثريا منقضّة د.إحسان بن صادق اللواتي
زيارة ثريا منقضّة
للدكتور.إحسان بن صادق اللواتي
ما أعظمها من مسافة، وما أوسعه من بون، بين أن تتخيل معاناةً ما في ذهنك أو تراها في الصور فتتألم، وبين أن ترى آثارها ماثلة أمامك فيتشظى لها قلبك ألمًا.
استحضرت هذا المعنى في ذهني حين جهدتُ – برفق – أن أتهرب من قبول دعوة أخينا الشيخ طالب الضامري لمشاهدة الآثار التي خلّفها الإعصار "جونو" في مكتبته ( مكتبة الضامري للنشر والتوزيع) ومخازنها. سعيت إلى التهرب لأنني كنت على يقين من أنّ هذه التجربة – إن خضتها – ستختلف عن كل تجاربي السابقة منذ أن وضعت الرياح أوزارها، وسحبت السيول أذيالها، وخرجت مع من خرج من عباد الله لتأمّل آثار ما جرى والاعتبار بما حلّ ومضى. ففي كل المشاهدات السابقة رأيتُني أقف على دمار وخراب فظيعين تناولا البيوت والشوارع والسيارات والممتلكات المختلفة، وكان الأسى والألم لكل هذا عظيمين، لكني لم أكن قد رأيت – حتى تلك اللحظة – كتابًا واحدًا يستغيث من بغي السيول أو ضيم الرياح. أمّا هذه التجربة التي يريدني الشيخ طالب أن أخوضها ففيها سأرى كتبًا، نعم كتبًا، تعاني أو تحتضر، أو ربما تنتظر من ينقلها رحمةً بها إلى مثواها الأخير.
رفقًا بي أيها الشيخ، ودعني أخبرك أنني أضعف من أن أحتمل رؤية أي كتاب يئنّ. وسل طلابي في الجامعة يخبروك أنني لا أطيق مواصلة محاضرتي إذا ما أبصرت كتابًا يستنجد عند قدمي أحد طلابي، فأجدني أتوقف، مجبرًا على التوقف، حتى يُرفع الكتاب من مكانه ويوضع في مكان آخر يليق به. والآن، تريدني أن أرى مئات من الكتب وقد أضحت طلولاً عافية؟ أما ترفق بي؟
لكن محاولاتي هذه لم تلقَ لدى صاحبي أذنًا مصغية، فأصرّ – وليته لم يفعل – على أن أزور مكتبته لأرى بعينيّ ما لم أره في حياتي قطّ. مكره أنا يا ناس لا بطل، والموقف يتطلب بطلاً حقيقيًا، فما أنا فاعل؟ أيجديني التشبه بالأبطال في موقف عصيب كهذا؟ لكن، هل ترك لي الشيخ من محيص؟ وحرصت على أن أحمل معي آلة تصوير، فتجربة كهذه لا تتكرر كثيرًا، بل هي لن تتكرر معي على الإطلاق مهما كان ما خبأته الأقدار لنا في قابل الأيام، فما رأيته لا إخالني قادرًا على تكرار رؤيته من جديد.
نعم يا سادتي، وصلت إلى مكتبة الضامري في السيب، فاستقبلني الشيخ طالب بابتسامته الرقيقة المعهودة. سرّتني هذه الابتسامة على الرغم من أنني لمحت وراءها من المعاني ما لم أكن ألمحه في العادة. وأخذني بسيارته إلى حيث مخازنه، وما إن فتح الباب حتى أزكمت رائحة العفونة أنفي، و أضاء الأنوار فإذا أنا أمام منظر يرثى له، بل يبكى على الأطلال لأجله: كتب متراكمة غطّاها الطين والتراب، بعضها قضى نحبه وبعضها ينتظر، بعضها في صناديقه الكرتونية وبعضها خارجها. ولمحت بين أكوام الغبار والتراب عناوين لكتب دينية وأدبية وعلمية مهمة جدًا كادت تفقدني صوابي.
وقفت لدى الباب، ولم أطق التوغل في المخزن، فما عند الباب كافٍ وكافٍ.ومن حيث لا أحتسب، حضرتني أبيات لأحمد شوقي قالها في "أنس الوجود"، القصر الأثري الرائع في "أسوان":
أيـها الـمنتـحي بأســوان دارًا كالثــريا تريـد أن تنقضّا
اخلع النعل واخفض الطرف واخشع لا تحاول من آية الدهر غضّا
قف بتلك القصـور في اليمّ غرقى ممسكًا بعضها من الذعر بعضا
مـشرفـات على الزوال وكـانت مشرفات على الكواكب نهضا
لله درّك يا أمير الشعراء ! كأنك تفرغ ما في وجداني حروفًا، أو لكأنك ترقب ما جرى هنا فتحيله صورًا بديعة. بيد أنّ "الثريا" هنا منقضّة فعلأً، لا أنها "تريد أن تنقضّا"، أما ترى بقاياها المهشمة هنا في كل الأنحاء؟ والموقف هنا أيضًا – كما هناك – يستدعي الخشوع ويتطلبه بكل مظاهره، فلا مناص من خلع النعل وخفض الطرف، مع أنه لا يوجد بيننا من يحاول من هذه الآية "غضًّا "، شأن الرئيس روزفلت المخاطب بأبياتك ؛ فكلنا مشتركون – على تفاوت في الشدة – في الإحساس بمعاناة "تلك القصور" الكتابية التي نراها أمامنا غرقى، وقد استبد بها الذعر فجعل بعضها يمسك بعضًا. نعم، تلك الكتب التي ضاهت الكواكب رفعةً وشموخًا، باتت اليوم "مشرفات على الزوال"، بل قد زال أكثرها وباد، "ولله الأمر من قبل ومن بعد ".
لم أطق انتظارًا، فودعت صاحبي الشيخ، وعدت يا سادتي، لكن ليس كما أتيت.
د.إحسان بن صادق اللواتي
جامعة السلطان قابوس – كلية الآداب والعلوم الاجتماعية
|