جريدة عُمان
كتب دور النشر والتوزيع تغرق في وحل من الطين والماء
الناشرون: آلاف العناوين تذيب المياه أحبارها من القائمة وترتيب الأوراق يحتاج إلى وقت
الجهـــــات المعنيـــة بالثقافـــة والفـــكر مدعـــوة لزيـــارة هـــذه المخــازن تضامنــــا مع الكتـــاب
تجول بين مخازنها: أحمد بن سالم الفلاحي
٭٭ تأثرت الكثير من دور النشر والتوزيع والمكتبات في السلطنة، وخاصة الموجودة في محافظة مسقط، بفعل غزارة الأودية التي صاحبت الفترة التي ضرب فيها إعصارجونو» السلطنة في الشهرالماضي، وكان هذا التأثير عميقا، ومؤثرا على أصحابها، ليس فقط في صورته المادية الثقيلة - با لتأكيد - ولكن أيضا في صورتها المعنوية، حيث أن الكتاب سلعة لا تعوض بتلك البساطة التي تعوض بها أي سلعة أخرى، فالكتاب كما هو معروف يحمل فكراً، ويعزز حضارة، ويوثق تاريخاً، ويجسد مساحةً من العطاء، لصاحبه في المقام الأول، وللبقعة الجغرافية التي ينتمي إليها مؤلف الكتاب في المقام الثاني.
ولذلك فالخسارة كبيرة، ومؤثرة، وعميقة، ليس على أصحاب هذه الدور، ولكن أيضاً على السلطنة التي تستنير بهذه الدور، المعبرة عن مستوى الوعي الذي وصله المجتمع، من خلال الثفافة إلى الكتاب، تأليفاً، وشراءً، وتوزيعاً، داخل السلطنة وخارجها. وكم يحز في نفوس الجميع أن تتأخر مشاركة السلطنة في أي معرض للكتاب، من أثر الخسارة التي تعرضت لها هذه الدور، وهي وان عبرت عن نفسها في خسارتها المادية، ولكن لن تعبر عن نفسها في خسارتها المعنوية، وفي مكانتها المهمة التي تلعبها على مستوى الفكر في السلطنة.
صحيح أن ليس للجهات المعنية بالثقافة يد فيما حصل لهذه الدور، ولكن لها القدرة على إسنادها، وإعادتها كما كانت، لؤلؤة مضيئة في مساحة الوعي بأهمية الكتاب، وأهمية المعرفة، وان كانت في الأيام العادية لم تعط المساحة الكافية من الاهتمام على اعتبار أنها مؤسسات خاصة، فأتصور أن الوقوف معها في محنتها اليوم واجب لا يقل وطنية، ولا يقل أهمية.
زرت هذه الدور - في معظمها - وشاهدت بأم عيني مقدار الخسارة التي ألمت بها، وكم من الكتب، ومجلداتها، وأجزائها، غاصت أوراقها في وحل من الماء، والتراب، وكم تعفرت جباه عناوينها الرائعة، وكم تماسكت أوراقها من الداخل، كان لسان حالها يقول: لا تأخذوا مني معارفي، وعلمي، وكنوزي الثمينة.
لأجل ذلك أجرينا هذه اللقاءات مع أصحابها المكلومين بما تركه الإعصار على كنوزهم المعرفية، وعلى مدخراتهم العلمية ٭٭
اللقاء الأول كان مع طالب بن خلفان الضامري، صاحب مكتبة الضامري للنشر والتوزيع- ناشر وموزع - وهذه المكتبة كما يقول عنها صاحبها - أنشئت في عام 1991م، بلغ عدد منشوراتها حتى الآن (385)، ثلاثمائة وخمسة وثمانين عنوانا، وهو مشارك دائم في جميع المعارض، داخل السلطنة، وخارجها.
شملت الجولة مكان المكتبة في ولاية السيب، والمخزن التابع لها في منطقة الشرادي، فقد تناثرت الكتب على امتداد أرضية المخزن، واختلط بعضها ببعض، والذي ساعدها على ذلك - ربما - عدم اخذ الاحتياطات اللازمة في طريقة التخزين، حيث لم تكن هناك رفوف جيدة، ومرتفعة بقدر كاف عن مستوى الأرضية، وهذا ما ضاعف من تأثر الكتب بالمياه، التي تسللت إلى المخزن، خاصة وان المخزن كان على مستوى الأرض التي بالخارج.
كتب بآلاف النسخ ضاعت
استبعد طالب الضامري أن تصل المياه إلى ما وصلت إليه خاصة وان المكان الذي يقع فيه مخزن الكتب بعيد نسبياً عن مجرى الوادي، ولذلك كان التعامل مع استقبال الإعصار لم يكن بالصورة التي آل إليها الحال، يقول طالب الضامري: لا شك أن الخسارة معنوية ومادية، ولها تأثيرات نفسية كبيرة، خاصة وان هذا المشروع - حتى استقام، كما هو عليه اليوم - استنفذ الكثير من الجهد، والمال، والعودة إلى ما كانت عليه، لا بد أن تعززها المادة، وهذه المادة ليس من اليسير لأمثالي استرجاعها بالصورة السريعة، فما أنفقته من بيع الأراضي، والمنزل - في السابق - ليس من اليسير تعويضه، بالسرعة الممكنة.
وعند سؤاله عن الكتب المتضررة من جراء تدفق المياه إلى المخزن يقول:أكثر ما ذهب هو من منشورات مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، فعلى سبيل المثال، ذهب من كتاب السياحة في السلطنة» (3،200) نسخة من أصل خمسة آلاف نسخة. وكتاب الاباضية بين الفرق الإسلامية، الفكر العقدي عند الاباضية وغيرها بالآلاف، ومجموعة من كتب دور النشر، التي أوزعها، وهي اليوم تطالبني بالتعويض المادي، بعد ما سمعت أن الجهات المعنية بدأت في تعويض المتضررين من الإعصار.
وماذا عن أصول هذه الكتب؟ يجيب: الأصول موجودة، ولعل هذا ما يعزينا في هذه الفترة، حيث لدي نسخ داخل السلطنة، وخارجها، وبالتالي فجميع أصول الكتب المنشورة موجودة في أقراص مدمجة، والحمد لله، ويبقى فقط التمويل المادي. ولذلك يضيف - أتمنى من المسؤولين المعنيين بخدمة الثقافة، والفكر في السلطنة زيارة المخزن في اقرب فرصة، والوقوف على مستوى الخسارة التي أحدثها الإعصار على المعرفة، والثقافة، والفكر.
وهل ما حل بالمكتبة الآن، أو المخزن، يشعركم بالتوقف، أو البحث عن نشاط تجاري آخر، فاستنكر الضامري علي هذا السؤال، ورد بحزم: لن نخرج من السوق مهما كانت الأسباب، وما حل بالمكتبة هو قضاء وقدر من الله تعالى، ونحن راضون بقضاء الله وقدره. ورد مطمئناً قائلاً: ربما نحتاج لعدة شهور حتى نعود كما كنا بعد توفيق الله - المهم أن تقدر الجهات المعنية مقدار الخسارة المعنوية، فالكتاب فكر متواصل، لا يجب أن تعرقل مسيرته حادثة من حوادث الدهر، وان كنا منذ زمن نطالب بالدعم من هذه الجهات، فاليوم مطالبتنا مبررها أكبر، للدور المهم الذي نقوم به في نشر الكتاب العُماني - على وجه الخصوص - والترويج له، والحرص على وجوده بين آلاف العناوين - خارج السلطنة - التي يضج بها الفكر الإنساني في شتى بقاع المعمورة، ولذلك فالناشر يلعب دوراً محورياً، في هذا الجانب، وهو ما يعزينا عن خسارتنا المادية التي نتعرض لها أحيانا.
ويؤكد طالب الضامري قائلا: لا نزال سباقين في المشاركات الخارجية، حتى قبل الجهات المعنية التي تمتلك الإمكانيات المادية، وأورد لك مثالاً على المكانة التي نحتلها في أجندة هذه المشاركات؛ ففي مشاركة المانيا: تم اختيار (179) عنوانا من منشورات الضامري فقط - عن طريق نقابة الناشرين العرب - بينما تم اختيار ما مجموعه (171) من بقية الناشرين في السلطنة بما فيهم الجهات الحكومية، مثل وزارة الإعلام، ووزارة التراث والثقافة، من داخل السلطنة.
ولذلك - يضيف - وجدت عروضاً مغرية لشراء المكتبة، منها ما وصل إلى مليون ريال عُماني، ولكنني رفضت، لمكانتها الخاصة عندي من ناحية، وللدور الحضاري الذي تقوم به من خلال تعزيز الفكر العُماني، وتأصيله، وتواصله، وبقائه.
الآن: جار البحث عن أماكن مرتفعة، وتوزيع هذه العناوين في أكثر من مكان، حيث لدينا - الآن - تخزين لكتبنا في فروعنا خارج السلطنة، مثل مصر، والسودان، والجزائر.
كتب عُمانية مترجمة
ذكرتم أن لكم نسخاً لأصول منشوراتكم خارج السلطنة، فما هي مبررات ذلك سابقا؟، فأجاب قائلا: نحن نطبع هنا داخل السلطنة، وخارجها، وتواجد نسخ من هذه الكتب خارج السلطنة يسهل علينا الكثير، منها - على سبيل المثال - عند شحن (1150) كيلو من السلطنة إلى تونس جواً تكلف (1320) ريالا عُمانيا، بينما شحن نفس الكمية من مصر لا تتجاوز مائة ريال عُماني فقط.
وماذا عن دعم الجهات المعنية لمثل مشاركاتكم هذه خارج السلطنة؟ أجاب: وزارة التراث والثقافة تمول مشاركة معرضين في العام لكل دار نشر عُمانية، حيث يشمل هذا التمويل: تكاليف الشحن، والتذاكر، وإيجار أرضية المعرض، طوال فترة العرض، وهذا جيد.
كيف تتم آلية طباعة الكتب عندكم؟ في العادة نطبع من كل عنوان ما بين ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف نسخة، والكتيبات الصغيرة يصل عدد طباعتها إلى عشرة آلاف نسخة، في الطبعة الواحدة.
أما مجموع ما عندنا حتى الآن من الكتب العُمانية وغيرها في حدود عشرة آلاف عنوان، ومطبوعاتنا كلها تصل إلى (385) عنوانا. والآن نتبنى مشروع ترجمة الكتب العُمانية، حيث أصبح لدينا الآن كتب عُمانية مترجمة، إلى اللغات الإنجليزية، والفرنسية، والتركية.
|