كنوز الضامري الملكية للدكتور عبدالسلام تكملة الموضوع
كنوز الضامري الملكية للدكتور عبدالسلام 2
والكتاب أبضا مصلح اجتماعي. فإضافة إلى المتعة والمعرفة يلعب الكتاب دورا حيويا في تنوير وتثوير الرأي العام وإصلاح أخلاق المجتمع الإنساني. فمن خلال الكتاب أعطى لووك زخما لثورة عام 1687، واندلعت الثورة الفرنسية نتيجة لكتابات فولتير و روسو، وألهم الفلاسفة العظام مثل بينثام و ميل البرنامج الليبرالي في القرن التاسع عشر. فالحياة تحكمها الأفكار والمثل، والكتاب هو دم الحياة. فمن خلاله أطلق ديكنز حملته ضد الفقر والقهر والظلم الاجتماعي، وعرض ثاكاري تحت الشمس نفاق وعيوب الطبقة الأرستقراطية، ووضعت السيدة غاسكل تحت المجهر الأحياء الفقيرة التي نشأت في المدن الصناعية، وشجب كارلايل وندد بالعصر الميكانيكي الخالي من القيم الإنسانية و السعادة.
وأخيرا، يوجه الكتاب الإنسان ويساعده في إدارة شؤون حياته المختلفة. لذلك ينبغي تشييد المكتبات العامة في كافة الأحياء في سائر البلاد كما فعلت الدول الأوربية والولايات المتحدة ليكون الكتاب في متناول الجميع- أغنياء وفقراء، وشيوخ وأطفال، ورجال ونساء، وسادة وعبيد.
هذه لمحة سريعة عن كنوز الملوك التي كان الضامري يقتنيها من أجل عمان لأنه أحب وطنه حب الرضيع لأمه، وحب الأرض العطشى لحبات المطر، وحب الزهور لمعانقة الطل عند الصباح. لقد أراد عمان أن تبقى كسالف عهدها منارة العلم ومناهل المعرفة في زمن انحطاط الفكر واقتصار المعرفة على الحفظ والتكرار.
فما فعلته جونو بهذه الكنوز الملكية يفوق التصور والخيال ولايمكن أن يقاس به سوى مافعله التتار بمكتبات بغداد وكنوزها الفكرية. فعندما زرته للاطمئنان عليه بعد أربعة أيام من الإعصار عقد المشهد لساني لهول ما رأيت وذرفت عيناي الدمعة التي خبأتها في خافقي والتي أقسمت أن لا أذرفها إلا بفقدان عزيز علي، لكنني لم أتمالك نفسي. آلاف الكتب تناثرت أوراقها وتفسخت كما تتناثر أوراق الأشجار وتتفسخ في فصل الخريف، وأخذت تنبعث منها روائح كتلك التي تنبعث من أجساد منحلة في ساحة معركة. وآلاف أخرى تعوم في الماء والطين. لقد كان حجم الكارثة أكبر من الشعر والنثر وأكبر من عبقر ومن كل أبجديات العالم.
جعلت أواسيه وأذكره أن المصائب ملح الحياة رغم سوادها، وأن الحياة حكاية ممزوجة بالفرح والحزن، بالنور والظل، ولابد أن تهبط ظلال الظلام من أجنحة الليل بعد رحيل النهار. فكم نتمنى أن نكون دائماً سعداء، ولكن الأيام السوداء ستأتي. إنها سنة الحياة ونظام الكون، ولايمكن أن تبقى السماء دائماً صافية زرقاء مليئة بأشعة الشمس. لابد أن تتخللها الغيوم والعواصف. فحياة مفعمة دائماً بأشعة الشمس ليست حياة واقعية وعقلانية. فالحياة مزيج من الألم والفرح. فالذين يفتشون عن السعادة ويتجنبون التعاسة لايفهمون الحياة ولن يتمتعوا بها، كما أنهم لن يدركوا الحقيقة البسيطة بأنه إذا كان الألم مستحيلاً، فإن الفرح أيضاً مستحيل، لأننا ببساطة بشر نشعر بالفرح والترح. والحقيقة التي يجهلها كثير منا هي أن قدراً كبيراً من سرورنا يعود إلى ما يشوبه من ألم.
فالمصائب تعلمنا أيضاً الشجاعة والجلد والثبات. وعندما نتصارع مع ظروف عصيبة، فإننا نخطو للأمام، وخطوة خطوة نستعيد بالكفاح الصعب ما فقدناه. وأثناء الصراع نتحمل كل شيء. فهو كفاح مرير نخوضه بإيمان، كما يطفو إلى السطح كثيرً مما في داخلنا، وتصبح القوة طاقة حقيقية، ونتغير كثيرا وتصبحً رؤانا واضحة وأفكارنا جلية، وتتحرر إرادتنا من عقال الضعف. فمن خلال الألم إذنً نتحول إلى رجال أشداء، وتتطهر طبيعتنا، ونصبح أكثر نبلاً وشجاعة. فالمصيبة هي أم أنبل فضائلنا. فبدونها لن يكون هناك صبر ولا شجاعة. فكلما لاكتنا المصائب نتعلم كيف نعاني ونكافح لوحدنا ونحدق في وجه العالم. وفي عالم تتقلب فيه الأمزجة، ويختفي الخط الفاصل، ويتلون الأصدقاء ويظهر المعدن الصافي. فهل ثمة أغلى وأثمن من الجلد والاعتماد على الذات. وكما يقال: من فضائل الفقر اعتدال المزاج، ومن فضائل المصائب الجلد الذي هو أروع بكثير من بقية الفضائل.
والمصائب خير معلم للأخلاق، لأنها تعلمنا دروساً في الواجب، وتأمرنا أن نؤديه في حياتنا على أكمل وجه. كما أنها تستوجب منا العمل الابداع. فالحكمة وليدة الألم. فإذا لم يكن هناك حزن، فلن يفكر أحد منا بالله. فالآلام هي الحافز الأبدي لعقولنا لنتعلم المهارة ونحضر غرائزنا الاجتماعية. كما تعلمنا القيم الإنسانية والتعاطف. فهل ثمة تعاطف مع الآخر في عالم يخلو من الألم والحزن؟ فالتعاطف شعور نبيل يولد من رحم الأحزان فينا ليذكرنا بالآخر. كما تذكرنا أننا جميعاً معرضون لمثل هذه المصائب. فلولاها لن نشعر بالآخرين، وهنا تكمن الرفعة. فعلينا أن نؤمن أن كل ما في العالم جميل لو بقينا متعاضدين نحب بعضنا بعضاً، أنه فقط عندما ننحني تحت عبء المصائب نتعلم كيف نتواضع ونحترم مشاعر الآخرين. فمن خلال الألم نتعلم أن نكون أكثر تواضعاً وعطفاً واستجابة لصيحات وأنات المصابين. فالذين يعانون أكثر مثلهم مثل من يتعلم لغات أكثر يستطيعون بها مخاطبة الجميع.
والمصائب خير مستكشف للفضيلة في الانسان. فهي محك لشخصيته. فهي تكشف إذا كان الرجل جباناً أو بطلاً، نزيهاً أو غشاشاً، أناني أو إيثاري. فكم عانى أناس الكروب والصروف من أجل قيمهم،ولم يثنهم عن طريق الفضيلةً فقدان ابن أو رحيل زوجة أو فقدان كل مايملكون. فعظمة الانسان تتضاعف وتسمو أثناء الصروف.
|