المقتبس منقول من مقال بعنوان "ليس حراما ظهور شخصيات الأنبياء فى الأعمال الدرامية" (
اضغط هنا )
اقتباس:
1 ـ هل هو حرام اظهار شخصية النبى فى الأعمال الدرامية ؟
ليس حراما. لأن الأصل فى التشريع الاسلامى هو الاباحة، وان الحرام هو الاستثناء. القرآن الكريم يذكر الحرام والمحرمات بالتفصيل، وغيره يكون حلالا مباحا بدون قيد طالما لا يدخل ضمن أى محرم منصوص عليه. ليس اظهار شخصيات الأنبياء فى الدراما ضمن المحرمات المذكورة فى القرآن الكريم ، واذن فذلك العمل ليس حراما .
2 ـ ولكن قد يقال أن الدراما لم تكن فى عهد نزول القرآن الكريم، أى تستلزم تشريعا جديدا
الاسلام اكتمل بالقرآن الكريم ، وهو صالح لكل زمان ومكان . ومنه نأخذ الحكم فى كل ما يستجد من مخترعات وتطورات، والذى أنزل القرآن هو رب العزة الذى يعلم طبائع الانسان ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ : الملك 14 )، ومن السهل تطبيق تشريعات القرآن فى كل عصر طالما فهمناها من خلال القرآن الكريم نفسه وبمصطلحاته الكريم وما فيها من مقاصد تشريعية ( التيسير ، رفع الحرج ، رعاية حقوق العباد ،التقوى) وما فيها من من قواعد وتفصيلات وتأكيد على القيم العليا من العدل وحرية الرأى والفكر والمعتقد والاحسان والتسامح. واذا رجعنا الى القرآن الكريم بهذا المنهج وجدنا انه يجوز ظهور شخصيات الأنبياء على الشاشة.
3 ـ ماذا لو هاجم شخص ما الأنبياء وسخر منهم مستعملا الدراما ؟
لم يتوقف الهجوم على الانبياء ولن يتوقف . حدث هذا فى كل عصر وسيستمر طبقا للحرية المطلقة التى خلق الله تعالى الناس عليها، ووقوع أكثرية البشر فى الضلال ، وسوء استغلالهم لتلك الحرية، وأمامهم يوم هائل اسمه يوم الحساب .ولذلك تظل ارادة الله تعالى سارية الى قيام الساعة ، وهى أن لأى شخص ان يفكر كيفما شاء وأن يعبر عن وجهة نظره كيف شاء ، وبكل طريقة ممكنة، ولذلك ترى البشر مختلفين فى الدين، ومختلفين الى مذاهب داخل كل دين، والى مدارس فكرية داخل كل مذهب. و لا توجد قوة بشرية تستطيع اجبار انسان على ان يعتنق مخلصا عقيدة يرفضها. قد يضطر الى اظهار عكس ما يعتقد نفاقا ومداراة ولكن لا تستطيع قهر قلبه على اعتناق ما يرفض. وفى النهاية فكل منا مسئول يوم القيامة عما اعتقد وعما قال وعما فعل.
وبالتالى فلو أن شخصا أنتج فيلما مليئا بالسب فى أحد الأنبياء فان عقابه عند ربه جل وعلا ، وليس له عقاب من السلطة ، وليس للسلطة أن تتدخل بالمنع أو المصادرة لهذا العمل الفنى. ولو قام شخص آخر بانتاج فيلم يوضح فيه حقائق تاريخية عن نبى من الأنبياء بما يعد عند الله تعالى من الأعمال الصالحة النافعة فان اجره عند الله تعالى يوم القيامة ، وايضا ليس للدولة أن تتدخل فى عمله بالمنع أو بالمصادرة. ، اذ ليس فى سلطة الدولة الاسلامية التدخل فى حرية التعبير والعقيدة والفكر.
الممنوع بالنسبة للدولة هو تدخلها فى كل ما يخص حرية الرأى والعقيدة والتعبير ، والمتاح المباح للفرد هو حريته المطلقة فيما يعتقد وفيما يبدع وفيما يؤلف وفيما ينشر وينتج وهو مسئول يوم القيامة عما فعل.
4 ـ هذا يستلزم دليلا من القرآن الكريم.!!
أعداء النبى محمد عليه السلام كانوا يستهزئون به ويلاحقونه بالسخرية والتندر. كان ممكنا ان يتجاهل القرآن الكريم أقاويلهم الساخرة وان يصادرها خصوصا انه ليس تاريخا مفصلا لسيرة النبى ؛ أشار لبعض الجوانب وترك بعضها. كان استهزاء الكفار بالنبى محمد مما ركّز عليه القرآن الكريم. كانوا اذا رأوه يرتاد الأسواق ويأكل فيها تندروا عليه قائلين ساخرين : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق ؟ اذا كان رسولا من عند الله فعلا فلماذا لم يصحبه ملك من السماء ولماذا لم يعطه الله كنزا ذهبيا أوبساتين ؟ ( الفرقان 7 : 8 )
كان محمد عليه السلام فى مظهره شخصا عاديا ، لم يكن مترفا منعما ولم يكن زعيما مطاعا صاحب جاه ، أى لم يكن ( عظيما) بمقياس العظمة فى الجاهلية حيث تفرز بيئات الظلم فى كل عصرـ ومنها عصرنا ـ مجرمين تضفى عليهم سيماء العظمة . كان عليه السلام عظيما بالمقياس الالهى ،ولذلك اختاره ربه عز وجل ليكون خاتم الأنبياء ، والله تعالى أعلم اين يضع رسالاته، ولذلك فان كبار المجرمين ( العظماء فى عصره ) استكثروا أن يختار الله تعالى شخصا بسيطا مسالما لرسالته وتركهم وهم أصحاب السطوة والجاه والنفوذ ( الأنعام 123 : 124 )، بل كانت حجتهم فى الرفض أنه ليس عظيما ( الزخرف 31 ) . ولأنه ليس عظيما بمقياسهم ولأنه مع ذلك ادعى النبوة فى نظرهم فقد ركزوا على سخريتهم به متخذين من مظهره العادى البسيط حجة عليه ومادة للاستهزاء به ، بل كان الاستهزاء يصل بهم الى درجة الاحتقار حين يوجهون له أصابعهم قائلين : أهذا الذى بعث الله رسولا؟ أهذا الذى يعيب على آلهتكم ( الفرقان 41 )( الأنبياء 36 )
كل اتهامات المشركين للنبى محمد وكل اتهامات المشركين للأنبياء السابقين أوردها القرآن الكريم فى صور رائعة من البيان ، فأصبحت تلك الاتهامات مع الردّ الالهى عليها جزءا من القرآن الكريم المحفوظ الى يوم القيامة ، والذى يتعبد المسلمون بتلاوته.
والله تعالى ذكر ذلك وجعله ضمن آيات القرآن لنتعلم منه ان النبى كان بشرا عاديا يتعرض للأذى ، وأن حرية الكفار فى الفكر والدين والتعبير كانت مباحة وسيحاسبون عليها .
5 ـ اكثر من ذلك هو القصص القرآنى نفسه. اليس كذلك ؟
نعم . القصص القرآنى للأنبياء وغيرهم أحد جوانب الاعجاز فى اسلوبه وتفصيلاته وفى اشاراته الدرامية وفى بنائه القصصى وفى منهجيته التاريخية الفريدة، وقد فصّلنا القول فى ذلك فى كتاب لنا كان مقررا على طلبة قسم التاريخ فى جامعة الأزهرسنة 1984 بعنوان ( البحث فى مصادر التاريخ الدين : دراسة عملية).
استخدام القصص من أروع فنون التعبير ، ولذك كان ضمن اساليب القرآن الكريم والكتب السماوية السابقة. وعليه فان اللجوء للقصص من الأمور المستحبة لكل صاحب دعوة. اى هو طريق متاح للجميع . والقصص الدرامى هو أكثر أنواع القصص ابهارا وتأثيرا ،وأزعم انه لو كان موجودا فى عصر الأنبياء السابقين لاستعملوه فى الدعوة للحق ، ولاستعمله خصومهم فى الدعوة للباطل . هو أداة مباحة محايدة متاحة فى يد الجميع . غاية ما هنالك انها تستخدم فى الحق او فى الباطل. والله تعالى هو وحده الذى سيحاسبنا على سوء الاستخدام أو سوء الاستعمال .
6 ـ اذن من المستحب لنا تصوير الأنبياء فى الدراما لاظهار حقائق الاسلام؟
اذا كان الله تعالى قد استخدم أروع البيان الفصيح فى تقديم قصص الأنبياء فى القرآن الكريم فهذه دعوة لنا لنستخدم نفس القصص مستغلين أروع ما اخترعه عصرنا من ابهار وانتشار. واذا كان الله تعالى قد ذكر ملامح واقعية من تاريخ الأنبياء وأكّد على أنهم بشر مثلنا فلماذا نتحرّج من تصويرهم مثلنا؟ واذا كانت بشرية الأنبياء تقع فى صلب عقيدة التوحيد الاسلامية التى لا تقديس فيها لنبى أو أى بشرأو حجر فانه يكون من الدعوة للاسلام الصحيح تصوير النبى محمد عليه السلام بصورته الحقيقية البشرية كما جاء فى القرآن ؛ رجلا عاديا فى مظهره يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق ويعانى من احتقار الكفرة المجرمين المترفين فى عصره ، بل يعانى من أزواجه ومن بعض المقربين من أصحابه ، علاوة على مكائدالمنافقين وخداع بعض الصحابة الذين وصفهم الله تعالى بالمرجفين فى المدينة والذين فى قلوبهم مرض .
فى القرآن الكريم كنوز من التاريخ الواقعى والملامح الدرامية للأنبياء وغيرهم ، وله منهجه فى الفن الدرامى مع أنه ليس كتابا فى القصص أو الدراما أو التاريخ او التشريع ،انما هو كتاب للهداية ، وفى سياق الدعوة للهداية تترى آيات التشريع والقصص واشارات للاعجاز العلمى وفق منهج خاص به . لكن المسلمين اتخذوه مهجورا وانشغلوا عنه طوال تاريخهم باللهو من الأحاديث ليضلوا عن القرآن سبيل الله تعالى . ومن اعجاز القرآن أنه أنبأ بذلك قبل وقوعه وجعل هذه المهمة القذرة سارية المفعول فى أى مجتمع أو أى ( ناس ) : ( لقمان 6 )
|