الصوم في السفر
الصوم في السفر :
السؤال:
أيهما أفضل: الفطر، أم الصوم في السفر؟
الجواب:
جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع ـ رحمه الله ـ من طريق أنس ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: "سافرنا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائم من المفطر، ولا المفطر من الصائم"، وروى الحديث الشيخان وغيرهما بلفظ: "فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم"، وعلى كلتا الروايتين للحديث حكم الرفع، فأما على رواية الربيع، فإنه نفي أن يكون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عاب صائماً من مفطر، ولا مفطراً من صائم، أي لم يقرهم على الصوم وحده دون الإفطار، ولم يقرهم على الإفطار وحده دون الصوم، بل كانوا جميعاً سواءً في الحكم، وبذلك أقرهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ما هم عليه.
أما على الرواية الأخرى فإن الحديث يدل على أنهم كانوا متقارين على الصيام والإفطار معاً، وكان ذلك باطلاع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ السفر كان بصحبته، وفي هذا ما يدل على أن هذا الحكم أقره ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتقريره ـ صلى الله عليه وسلم ـ كفعله وكقوله، فيعطى الحديث حكم الرفع.
أما من حيث الأفضلية فالناس مختلفون في ذلك، فمنهم من فضل الصيام لقوله تعالى: { وَأَن تَصُومُوا خَيرٌ لَّكُم} (البقرة : 184)، ولكن الآية ليست نصاً في الموضوع، فهي جاءت بعد ذكر الفدية لمن كان مطيقاً للصيام، وفي ذلك أخذ ورد بين العلماء، حتى أنهم اختلفوا في هذه الفدية: هل حكمها باق أو هو منسوخ، كما هو مبسوط في كتب التفسير والفقه.
أما الذين قالوا بتفضيل الإفطار على الصيام فقد استدلوا ببعض الروايات منها:
حديث: <<ليس من البر الصيام في السفر>>، وهو حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري من طريق جابر بن عبد الله، ولكن في رواية الحديث ما يدل على السبب، وذلك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى رجلاً قد ظلل عليه من شدة ما كان يلقى في صيامه، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: <<ليس من البر الصيام في السفر>>، أي إذا بلغ الإنسان إلى مثل هذه الحالة.
والحديث وإن استدل به الذين لم يجيزوا الصيام في السفر حتى قالوا: "من صام في سفره كمن أفطر في حضره" أخذاً بهذا الحديث، وأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه أن يفطروا في عام الفتح، إلا أنه لا حجة في الروايتين على ذلك.
أما حديث: <<ليس من البر الصيام في السفر>>، فهو وإن ورد بسبب خاص وكان بصيغة عامة، وقد قال العلماء: "لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ"، إلا أن هنالك قرائن تدل على مراعاة هذا السبب في مثل هذا الحكم مع الجمع بينه وبين الروايات الأخرى، هذه القرائن هي: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صام في السفر وأفطر، والصحابة كانوا يصومون ويفطرون، فمع وجود مثل هذه القرائن يتبين أنه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ أراد تطبيق هذا الحكم على من وصل إلى هذه الدرجة من الضعف بسبب صيامه في سفره، فليس من البر أن يصوم، ومن العلماء من قال بأن ذلك ليس من البر الذي بلغ حد الكمال، ولا يعني أن ضده فجور، ومثله مثل قوله تعالى: { لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} (آل عمران : 92)، مع أن الإنسان إذا أنفق في نفقات التبرع من رديء ماله لا يقال بأنه ليس من الأبرار، وأن عمله هذا من الفجور، ولكن ليس ذلك من البر البالغ حد الكمال، وفعله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في عام الفتح وأمره لأصحابه بأن يفطروا، إنما كان لأجل مواجهة العدو، وقد كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بداية الأمر أقر أصحابه من أراد منهم الصيام، فقد صام هو وأصحابه حتى بلغوا الكديد فأفطر، وأمر أصحابه بادئ الأمر بالإفطار، فكانت رخصة ـ كما يقول أبو سعيد الخدري ـ ثم قال بعد ذلك: <<إنكم مصبحوا عدوكم، فأفطروا، فالفطر أقوى لكم>>، فكانت عزيمة، أي تحولت الرخصة إلى عزيمة من أجل مواجهة العدو، ولا يعني ذلك أن الفطر في السفر واجب على من كان قادراً على الصوم، بل هو مخيَّر بين الإفطار والصيام، وإنما يترجح الإفطار عندما يواجه الإنسان مشقة ويترجح الصيام عندما يكون في راحة من غير مشقة؛ لأن مشروعية الفطر في السفر من أجل دفع الضرر ونفي الحرج، ومع انتفاء الضرر ورفع الحرج يترجح الصيام في ذلك الشهر الكريم، حرصاً على أن يكسب الصائم في ذلك فضل الشهر بجانب كسبه فضل الصيام، والله أعلم.
وقال سماحته في جواب آخر:
المسافر له أن يفطر في رمضان ما دام مطالباً بقصر الصلاة، واختلف في الأفضل من الصوم والفطر، وإنما الأولى أن تراعى الظروف والأحوال؛ لأن إباحة الفطر للتيسير بدليل قوله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُم اليُسرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُم العُسرَ} (البقرة : 185)، والله أعلم.
السؤال:
ما قولكم في رجل من المنطقة الداخلية بعمان، وهو مقيم بالعاصمة مسقط، وعندما يدخل شهر رمضان لا يصوم بحجة أنه مسافر، ويصعب عليه الصوم في الحر، ثم يقضي رمضان في أشهر الشتاء البارد؟
الجواب:
إن كان مقيماً بالعاصمة إقامة استيطان فلا يصح له ذلك، وعليه الكفارة عن كل شهر يفطر فيه، اللهم إلا أن يكون مريضاً مرضاً يباح له معه الفطر، وذلك بأن يتعذر عليه الصوم أو يشق عليه مشقة ظاهرة أو يخشى منه زيادة مرض، ففي هذه الحالات كلها يباح له الإفطار شريطة القضاء، بقوله تعالى: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّن أَيَّامٍ أُخَرَ}(البقرة : 184) ، أما تأخير الصيام من الصيف إلى الشتاء لسبب الحر نفسه مع قدرته على التحمل فلا يصح بحال، والله أعلم.
السؤال:
بعض الأقطار في شمال أوروبا يقصر فيها الليل كثيراً ويطول فيها النهار كثيراً، حيث تصل ساعات الصيام في بعض هذه البلدان إلى عشرين ساعة أو تزيد، وكثير من المسلمين يجدون مشقة زائدة في الصيام، فهل يجوز اللجوء في هذه البلدان إلى التقدير؟ وما نوع التقدير الذي يمكن اعتماده إذا كان جائزاً؟ وهل يكون التقدير بساعات الصيام في مكة أو بساعات النهار في أقرب البلدان إعتدالاً؟ أو بماذا؟
الجواب:
الأصل في الصيام أن يكون جميع نهار رمضان؛ لقوله تعالى: { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ} (البقرة : 187)، وإنما يستثنى ذلك ما إذا بلغ قصر الليل وطول النهار إلى قدر ما لا يحتمل معه صوم جميع النهار عادة، فيرجع في هذه الحالة إلى تقدير وقت الصوم بالساعات، والأولى اتباع أقرب بلد يتيسر فيه صوم النهار كلِّه، والله أعلم.
السؤال:
هل يلزم المسافر إذا رجع إلى بلده أثناء النهار الإمساك إذا كان مفطرا؟
الجواب:
استحب له بعض الناس الإمساك، ولكن لا دليل على هذا، والقول الراجح بأنه لا مانع من أن يفطر، إذ الإمساك لا يجديه شيئاً وقد أصبح مفطراً، وفطره كان بوجه شرعي سائغ له، وقد ذكر في بعض الكتب أن الإمام جابر بن زيد ـ رضي الله عنه ـ رجع من سفره وكان مفطراً ووجد امرأته طهرت من حيضها فواقعها في نهار رمضان، وهذا يدل على أنه ترجح عنده القول بعدم الإمساك، والله أعلم.
وقال سماحته في جواب آخر:
من أفطر في حالة السفر في شهر رمضان ثم رجع إلى بلده نهاراً وهو مفطر فلا عليه حرج إن واصل الإفطار، والله أعلم.
السؤال:
من نوى الإفطار من الليل لأنه يقصد السفر ولكن طلع عليه الفجر قبل لأن يغادر وطنه، فهل يمسك أم يفطر؟
الجواب :
يلزمه قضاء يومه على كل حال لأنه لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل، وهذا قد بيت الإفطار، وأما الأكل بعد مغادرته ففيه خلاف والأرجح جوازه ، والأحوط تركه، والله أعلم.
السؤال:
رجل غادر من بلده سنوات عديدة ولم يصم في سفره، ثم رجع إلى بلده وصام ما فاته من السنوات تقريباً ، فهل عليه كفارات؟
الجواب :
لا يلزم المسافر إن عاد إلى بلده وقد أفطر في سفره غير قضاء ما أفطر ، والله أعلم.
__________________
قتل امرئ في غابة
جريمة لا تغتفر
وقتل شعب آمن
مسألة فيها نظر!!
|