سبلة عمان

العودة   سبلة عمان » المدونات » نرد ٌضائع (مجموعة قصصية)

ملاحظات \ آخر الأخبار

قيّم هذه المشاركة

ذات يوم ما

ارسلت بتاريخ 03/11/2009 في 06:35 PM بواسطة منهل الرئيسي
تم التحديث يوم 09/11/2009 في 06:19 PM من قبل منهل الرئيسي

بسم الله الرحمن الرحيم












كان كل شيء قد انتهى! عندما اقتاده الشرطي إلى مكتب الضابط عشية ذلك اليوم، مكبل اليدين، أشعث الرأس، مطفأ العينين، كان يدرك أن الأمر قد انقضى، وأنه لا رجعة فيه لما هو سائرٌ إليه. لم يطأطئ رأسه حرجاً، ولم تظهر على سيماه أثر الكدر، في حين كانت النظرات التي شيَّعته حتى وصوله إلى مكتب الضابط قد خيَّم الفضول عليها والإرتياب.

كان كل شيء قد انتهى! نظرات الضابط الحادة، ونبرته الغليظة المتقنة التي أجادها وهو يباشر التحقيق معه لم تؤثر فيه أقلَّ تأثير! لقد انتهى كل شيء دفعةً واحدة، فما جدوى قلقه إزاء القادم من الأيام وهو يدرك إيما إدراك أنه هالك لا محالة، وأن حبل المشنقة بات قاب قوسين أو أدنى؟! ليذهب الجميع إلى الجحيم!

نقر الضابط بقلمه على الطاولة عدة مرَّات. النقر على الطاولة، وبالشكل المتقن البطيء الذي يعمد الضابط من خلاله للتأثير على الجالس قبالة مكتبه، لم تؤثر فيه أقلَّ تأثير! عجباً! أخيراً، قال الضابط بصوتٍ هادئ النبرة، ينضح بالعطف:

- لماذا قتلته؟!

لم يحر جواباً. ظلَّ صامتاً حتى أردف الضابط مرة أخرى:

- لا يمكن يا بني أن تقتل أحدهم بلا سبب! تكلم! هيا يا بني!

لم يدر في خلده قبل أن يشرع في القتل، وقبل أن تتجهم الأيام لتسفر عن أزمات تتلوها أزمات أشد وطئاً وأقوم قيلاً، أن يوماً كهذا يجد نفسه فيه مطوَّقاً بجدران غرفة التحقيق، وضابطٌ عريض المنكبين، ذو قامة مديدة، يباشر معه التحقيق حول الجريمة التي ارتكبها، أن يوماً كهذا سيأتي لا محالة. يا لقسوة الأيام!

إنه ينظر إلى عينيّ الضابط مباشرة، فيرى إنساناً آخراً غير الذي يتراءى به للناظر وهو بزيِّه العسكري. إنساناً تعنيه المعاني الخقية التي لا تتراءى عياناً. الكائن البشري الذي أمامه الساعة، يختلف عمن يعرفهم. الزي العسكري الذي يرتديه بدا للوهلة الأولى لا يتناسب والحديث الطويل الذي في عينيه الساعة. لا يعلم ما أوجه الإختلاف بين هذا الضابط وبين الناس كافة، إلا أنه يدرك ذلك في قرارة نفسه وكفى.

- لا أعرف!!

للوهلة الأولى، بدا غريباً ومستعصى على الفهم. لقد خرجت الكلمة من فمه دونما مبالاة وهو يلقي بها في وجه الضابط: "لا أعرف". إلا أن الضابط تدارك ذلك أن قال بنبرةٍ هادئة:

- تقتل أحدهم ولا تعرف سبب قتلك إيَّاه؟! أيعقل ذلك يا بني؟!
- لقد حدث ما حدث ... ثم أن الحديث عما حدث وقتذاك لن يرجع الأمر إلى قبل أوانه، فما جدوى حديثنا هنا إذن؟! لقد انتهى كل شيء، كل شيء، فما الجدوى من كل هذا؟!

كان عصيًّا على الضابط أن يدرك ما خفي عنه. أطرق مليًّا يُفكّر. عبثاً، حاول أن يسبر أغواره. أن ينظر إلى عينيه مباشرة ليرى ما لا يُرى، أن يستنطق لسانه المعتصم بالصمت المريب، أن يدفعه للإفصاح عما حدث وقتذاك، حينما شرع في القتل، إلا أنه عجز عن ذلك تمام العجز. كان عليه أن يبذل مزيداً من الجهد، أن يتحلى بطاقة إضافية من الصبر وهو يربت على كتفه قائلاً بعطف بالغ تتخلله مشاعر غامضة:

- لا تستبق الأمور قبل أوانها يا بني ... ربما جاءت على خلاف ما تتوقع! ... الصورة تبدو لي غامضة بعض الشيء الآن! ... تكلم يا بني حتى يستضح لي الأمر.

تحدرتْ دمعة على خده لتتوالى الدموع من خلفها. ما تزال تلك الصورة تتشبث في مخيلته وتظهر له بين الفينة والأخرى. لقد حدث كل شيء سريعاً. في ذلك اليوم، آب من عمله مبكراً؛ إذ كان قد نسي دواءه في المنزل. لم يدم الأمر طويلاً. أجهز عليه سريعاً قبل أن يغادر ظله سرير زوجته المرتعدة الأطراف التي أخذتها الدهشة والخوف.


- انتهت -
مضافة في غير مصنف
الزيارات 1600 تعقيبات 2
مجموع التعقيبات 2

تعقيبات

  1. Old Comment
    أسلوب جميل للسرد
    قاتل خائف ...
    و لا ندري خفايا الموقف.

    طرف الخيط في آخر سطر

    أعشق هذا النوع من القصص .
    سلمت الأنامل .
    ارسلت بتاريخ 06/11/2009 في 06:35 PM بواسطة يحيى الراهب يحيى الراهب غير متصل حالياً
  2. Old Comment
    زوجة خائنة؛ وذئب في فراش الزوج يٌقتل ..

    وتلوذ هي بالعار والفرار ..

    ويعد هو دقائق الإنتظار لحبل المشنقة ..

    جميلة هي تحفتك أخي منهل ..

    تستحق القراءة مجدداً لحظة الشوق إليها ..
    بيد أيها الجميل لا يفوتني وقد حاولت كتم ملاحظتنين متواضعتنين من قارئ .. وهما :
    * تكررت لديك الجملة [ للوهلة الأولى ] في سياق ضيقاً وغيرها .. لا أعلم إن كانت سهواً !
    * الإقصوصة أخذت طابع الرواية من حيث السبك ! ألا تتفق معي ؟

    و أكثر لنا منها ..
    ارسلت بتاريخ 30/12/2010 في 12:42 PM بواسطة سيف الشبلي سيف الشبلي غير متصل حالياً
 


جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 09:40 PM.

سبلة عمان :: السنة 13، اليوم 351

لا تمثل المواضيع المطروحة في سبلة عُمان رأيها، إنما تحمل وجهة نظر كاتبها