سبلة عمان

العودة   سبلة عمان » المدونات » الوقت العصي

ملاحظات \ آخر الأخبار

قيّم هذه المشاركة

خسائر تقدّر بالملايين!! الكامل والوافي وجعلان والأشخرة تحت رحمة الريح والمطر

ارسلت بتاريخ 09/06/2010 في 05:19 PM بواسطة الوقت العصي

خسائر تقدّر بالملايين!!

الكامل والوافي وجعلان والأشخرة
تحت رحمة الريح والمطر


متابعة: أحمد بن سيف الهنائي

عصف الإعصار بكل بقايا الحياة في ولايات الكامل والوافي وجعلان بني بوعلي وجعلان بني بوحسن وفي نيابة الأشخرة وفي منطقة أصيلة، وغيرها من مناطق الشرقية. وللتعرف أكثر على تفاصيل مرور "فيت" على تلكم الأرجاء، قررنا القيام برحلةٍ ميدانية بصحبة الزميل الفنان المصور شكيل البلوشي، ولمجرد اقترابنا من سيح الصلب، قبل ولوجنا إلى ولاية الكامل والوافي، بدت ملامح مخلّفات "فيت" هي الناطق بلسان الحال، فتجلّى قوة الإعصار في تخلِّي شجر السمر والغاف والسدر، وغيرها من الأشجار الضاربة في عمق الأرض عن صلابتها وتماسكها، فوجدناها للمرة الأولى تعانق الأرض في لقاءٍ غير حميمٍ أبدًا.
طريق "سيح الصلب" عبر وادي البطحاء يمنحك إشارات بالاستعداد لرؤية صورٍ مؤلمة، ومشاهد إنسانيةٍ محرجة، وكأن طريق السيح الذي تهاوى هو الآخر مثل غيره يستصرخك العودة إلى الخلف، إن كنت ممن لا يقوون على تحمل رؤية المشاهد الدامية، كان التجلّد لمواصلة الرحلة والوقوف على الحقيقة هو الدافع الأكبر للاستمرار، حتى بدت طلائع بنيان الكامل والوافي تقف أمامنا. تنسف عذوبة تذكرنا لذلك الحديث المتداول المطمئن لكل الأحياء، بأن الأمور تحت السيطرة وأن الاستقرار عمَّ جميع أنحاء الوطن، وقد عادت الحياة خضراء مثلما كانت، وكأن شيئاً لم يكن.. نعم لم يكن شيء مما كان... فما قيل ليس سوى أحاديث خارج حدود الزمان والمكان؛ لأن كل ما كان.. لا يزال أثره كائنا إلى الآن.
بعد المعاينة والنظر والاعتلال بما رأت أعيننا، تقرر عجزنا عن وصف ما حدث، وعن قصورنا التام في نقل الصورة مثلما ينبغي أن تنقل، ذلك أن القلم بما أؤتي من قدرةٍ على تصوير المشهد يبقى حائرًا وعاجزًا وناقصًا في أن يفي حق كل شيء. وعليه سنعرض الأمر اليوم عرضًا سريعًا، على أن تكون عدسة الفنان، هي الأقرب إلى المصداقية من كل حديثٍ آخر.. ونعتذر لقرائنا الكرام، على هذا العرض السريع، الذي سيخدش حياء ما سمعه من استقرارٍ ورخاءٍ، وأن "فيت" لم يزرنا إلا على خجلٍ واستحياء، لتحلَّ محل السمع، حقيقةٌ أخرى متناهية القسوة متماهية الألم، متسعة الجرح...


الكامل لا ترتدي ثوبها الكامل
والمنصورية لا ناصر لها ولا معين

في الكامل، قابلتنا لوحة أحد المحلات الكبيرة متطايرة، وكأنها هربت من سجن المسامير المثبتة على جدار المبنى، لتعانق حياة الحرية والطيران، هذا كان حال أغلب المواد الثابتة في الكامل، وهي خير واصفٍ لما حدث، أسلاك الكهرباء المتقطعة والمتساقطة أرضًا عبرت عن هول ما رأت. أما الأودية التي تغيرت معالمها وأعلنت ارتداء ثوبٍ آخر أكثر اتساعًا فقد رسمت شيئًا من المشهد الأليم. الطرق المقتلعة بين المسافات القصيرة، هي الأخرى تقول بأن هناك ما يسمى بالإعصار قد عبر الأجواء وحلَّ ضيفاً ثقيلاً ومزعجًا ليومٍ وبعض يوم.
طريق الشارع العام في الكامل المحاذي للمنصورية، حكى قصةً غريبة مفادها بإيجاز الإيجاز، أن أهالي المنصورية، سمعوا بأن هنالك إعصارًا قادمًا إلى السلطنة، وأنه سيضرب جزيرة مصيرة، وستتأثر المناطق القريبة منه، حالهم كحال الكثيرين، تابعوا وسائل الإعلام، وترقبوا حركة تنبؤات الأرصاد، فلم تتضح لهم الصورة، وما شعروا وهم نيام إلا بهجمةٍ عنيفة من رياحٍ هوجاء ثائرة، وأمطارٍ بالغة الغزارة، ومياه مائجةٌ منددة، فاحتموا في بيوتهم وأغلقوا الأبواب في تمام الساعة الحادية عشرة من مساء الأربعاء، اشتدَّ الماء فتعالت الأصوات بالدعاء، بلغ السيل الزبى، ودخل البيوت لا مستأذنًا ولا مستأنِسًا ولا مرحبًَّا به، فتذرعوا الصبر مكرهين، ولم يكن من خيارٍ لديهم غيره، وحينما جاءهم الماء من فوقهم ومن أسفل منهم، وبلغت قلوبهم الحناجر، وحوصروا من كل صوب، ودنى الماء من الأعناق؛ فرّوا هاربين يلوذون بكتائب الإنقاذ، تجمعوا جميعًا صوب الشارع العام يصرخون ويولولون ويطلبون النجدة والعون، فلم يعنهم أحدٌ، سوى لطف ربهم، وتنازلوا للمرة الأولى في حياتهم في أن يدخل بيتهم دَاخِلٌ يُخرج كل ما بداخله من رياشٍ وأثاثٍ وإمارات سَكَنٍ وتوطّن، فباتوا جميعًا متساوين في الرضوخ بلا إرادة للتسليم والإذعان للمقتحم بأن يفعل ما يشاء.
المنصورية بقيت بلا خدمات طوال أيام الإعصار، فالكهرباء كانت أول المتخلين عنهم، عقبها الماء وشبكة الهاتف وغيرها من المتخاذلين قَسْرًا لا اختيارًا. باختصار توقفت الحياة كلياً في المنصورية، فهناك بيوتٌ متهالكة ومزارع متهدمة، وطرق تغيرت معالمها. آثار لم يروها في إعصار "جونو" الذي كان شفيقًا بهم، مقارنة بأخيه "فيت" الذي أوقع خسائر عظيمةٌ في الأملاك وجسيمةٌ في الأرواح، فكانت ابنة الثمانِ سنين هي أول الضحايا، تبعها فلانٌ وعلانٌ وآخرون.
تحدث علي بن سعيد بن سالم النصيري كثيرًا، وحكى قصصًا وغرائب من تلكم المعاناة، وأطرق رأسه وهو يمنحنا توصيفًا مريرًا عن سرب الأدوات المنزلية العائمة في المياه الطافية على سطح الأرض، وعن المياه المستقرّة بالبيوت لساعاتٍ طويلة، ذلكم الاحتلال الغاشم أثار حفيظة علي، وجعله يتساءل كغيره: من المتسبب في وصوله إلى هذا المكان من دون أن نستعد له؟ أو على الأقل نهيأ أنفسنا لذلك، وراح يسرد تفاصيل الالتحام الجميل لجميع أهالي المنصورية الأشاوس، وكيف أنهم استطاعوا إعادة بعض مظاهر الحياة التي أصبحت الآن شيئاً من الذكرى. تحدث الكثيرون غيره للرؤية، كسالم بن راشد بن ناصر المنصوري وونية النصيرية ومحمد بن راشد الهاشمي، وقالوا مثلما قال صاحبهم، وأن بعضهم أصبح لا يملك حتى ملابس يرتديها، فقد أخذها "فيت" ولم يعدها، وبطبيعة الحال لن يعدها.. يكفي الحديث عن المنصورية، فليس ثمة ما يضاف؛ لأنه لم يبقَ شيء يمكن الحديث عنه، سوى بعض الجدران الصامدة وكثير من الجدران المتحطمة، وبعض من بقايا مياه الإعصار في المنازل، وكثير من حجم الدمار الهائل، والخسائر المالية الفادحة.. فما بني في سنين ذهب في غضون سويعات بين الحادية عشرة ليلا والسادسة صباحاً، والتي كفلت بإنهاء المعركة غير المتكافئة. ساعة لم يكن الهجوم الكاسح سوى من طرح "فيت" والطرف الآخر لم يحرك ساكنًا؛ إذ أصبح ساكنًا لا يتحرك.. وسنفصل لاحقًا في يومٍ آخر كثيرًا من الحيثيات التي يجب أن يعلمها من يهتم بأمر المنصورية ومواطنيها.


الوافي تنتظر حقها الوافي

شقيقة الكامل "الوافي"، هي الأخرى عانت ما عانت من سطوة الرياح وإحكام قبضتها على المنازل والمواقع العامة والخاصة والنبات والإنسان والحيوان، فغدت الكثير من المرافق تصفقها الرياح ذات اليمين وذات الشمال، ولا معين ولا ناصر سوى الرؤوف اللطيف . وما حدث في وادي البطحاء بـــ"الوادي الغربي" مؤلم وشديد؛ أشجار الغاف والسمر أصبحت في خبر كان، ومساكن الحيوانات تطايرت في أجواز الفضاء، والأغنام والإبل هامت على وجهها هاربة، فمنها من لقي حتفه، ومنها من ينتظر، والكثير منها لم يبدل تبديلا، وأصبحت "عزب" أهل الكامل والوافي أثرًا بعد حين، فلله الأمر من قبل ومن بعد.
السوق هو الآخر نال نصيبه من الأضرار، ومظلات السيارات الحديدية سقطت فوق السيارات، التي بقيت قابعةً خانعةً تحت الأنقاض. أما النخيل فتلك لها ألف قصةٍ وحكاية، والنهاية سقوط مئات الآلاف منها، وكأنها لم تشمخ بقامتها يومًا.
وعن أهالي منطقة "الغبيرة"، وصف الطفل سعيد بن ناصر بن علي الخايفي ذو الست سنين، إذ يقول: ما حدث لا أجيد التعبير عنه، هي رياحٌ وأمطارٌ ورعودٌ وبروقٌ، دخل الماء إلى البيوت وتحطمت الجدران، فتملَّكَنا الخوف وأصابنا الذعر؛ فما كان منا إلا أن هربنا من بيوتنا، وبحثنا عن بيوتٍ أخرى يتوفر فيها جزءٌ من الأمان. ما حدث يصعب شرحه ووصفه.



الأضرار جسيمةٌ وبالغة
التقينا الشيخ أحمد بن سالم المحروقي نائب والي الكامل والوافي؛ ليحدثنا عن الأوضاع الراهنة فقال: لا شك أنكم اطلعتم على ما جرى في ولاية الكامل والوافي، وما خلفه الإعصار من آثارٍ وخرابٍ ودمار، وهذا لا يمكن إخفاؤه؛ ذلك أنه موجود وشاهد عيان ، فالأضرار بالغةٌ وكبيرةٌ وجسيمة، ولا يكاد يخلو بيتٌ إلا وتعرض صاحبه لضررٍ في منزله أو مزرعته أو أراضيه أو حتى في أهله، فتقاسم الجميع هذه المحنة، وهذا أمر الله وقضاءه، ولا يقوى أحدٌ على رده، فلله الأمر من قبل ومن بعد، إنما هنالك جهودٌ مبذولة من قبل الحكومة والجهات المعنية والأهالي لإرجاع الحياة إلى مثلما كانت عليه، وهذا يحتاج إلى وقتٍ طويل، ذلك أن الآثار عظيمةٌ وكبيرة، إلا أن عددا من وكلاء الوزارات حاضرٌ وموجودٌ في قلب الحدث، وقد اطلعوا على ما خلفه الإعصار من بقايا محزنةٍ ومؤلمة، وهم يبذلون ما في وسعهم من أجل عودة الأمور إلى طبيعتها، ولا نزال نتأمل خيراً بإذن الله.
يواصل الشيخ حديثه بقوله: الأوضاع الراهنة أثبتت تكاتف الأهالي مع الجهات الحكومية، وتشارك الجميع في البناء والتشييد والإصلاح، وإعادة الخدمات إلى المنازل، ولله الحمد عادت في بعض المناطق، وبعضها لا تزال تنتظر دورها، وستكتمل الخدمات قريبًا جدًا في كل بقاع الولاية، وتبقى أضرار البيوت كبيرة، وهي الملحّة في الفترة الحالية لمعالجتها، والناس يتوافدون لدينا لتسجيل حجم أضرارهم وحصرها. كما أن الهيئة العمانية للأعمال الخيرية حضرت، لكنها لم تكن بالمستوى المأمول في البداية، وربما ذلك عائدٌ إلى عدم تصورهم الحقيقي للموقف، وقد أخبرناهم باحتياجاتنا، فوعدوا بالعودة سريعًا لمساعدة الأهالي، وبإذن الله سيحضرون قريباً.
أنهى الشيخ حديثه بقوله: أتمنى من الدوائر الحكومية، التعجيل في أمر المعونات التي يمنحونها للمواطن، والإسراع في أمر التعويضات، والعمل الحثيث على أن تعود ولاية الكامل والوافي إلى نضرتها وخضرتها وتمدنها سريعًا مثلما كانت عليه قبل الأنواء المناخية الأخيرة. ويبقى أن أقول أن جميع أهالي الولاية هم في الحقيقة يجسدون حياة عائلةٍ واحدة، يملؤها الوئام والمحبة والتعاون والتسامح والتعاضد، وهم بلا ريب كالجسد الواحد والبنيان المرصوص.


يتبع
مضافة في غير مصنف
الزيارات 966 تعقيبات 1
مجموع التعقيبات 1

تعقيبات

  1. Old Comment
    جعلان عايشت ما لم يكن بالحسبان
    ولايتا جعلان بني حسن وجعلان بني بوعلي، هما ثاني محطاتنا، وكانت المحطة الثانية أكثر ضرراً وأبلغ أثرًا وأعمق جرحًا، وكنا نمني النفس أن يكون حالها أحسن من سابقتها، إنما إرادة الله فوق كل شيء، الآثار بادية على بعض المنازل، وانقطاع الخدمات من كهرباء وماءٍ وشبكة الهاتف، كانت بمثابة معاناةٍ أخرى، ذكرى الريح الغاضبة جسدها ناصر بن خميس بن عامر المطاعني بقوله: هاجت الرياح هيجانًا عجيبًا، وكنّا في البيت نتجمع حول النوافذ لمنع الريح من تحطيمها، فيدفع ثلاثةٌ منا كل نافذةٍ دفعًا قويًا، لكن الرياح تنتصر انتصارًا ساحقًا. حالةٌ من الرعب والقلق والتوتر عشناها؛ أخبار الضحايا تصل إلى مسامعنا، ومآل من جرفهم الوادي المتاخم لبيتنا يؤلمنا. صمت الإعلام وتضليل الحقائق أثار استغرابنا ودهشتنا، تلف كل شيءٍ من حولنا، وانتشر الجوع في كل مكان، وبسبب انقطاع التيار الكهربائي فسدت كل المواد المثلجة بالمحلات التجارية والبيوت، فتم رميها، وبقيت الولاية خاليةً من كل شيء، إلا من الأجساد الجائعة والأنفس المضطربة والأرواح المرتعدة، والأهالي الذين عانوا موجة الإعصار ورزحوا تحت غياب الكهرباء والتفحوا بالحرارة، وأوشكت الجلود على الانصهار من حرارة الجو الشديدة، رغم الأمطار الغزيرة.



    شريعة المنجرد تشيع آلاف الأحباب
    "شريعة المنجرد" شهدت يوماً عصيبًا، يومًا ودعت فيه الآلاف، حيث الأموات منتشحون في المزارع والأراضي والعوابي، أجل، ماتت مجموعة كبيرةٌ جدًا من النخيل، وبكى عليها الشيوخ المساكين، الذين رافقوها طوال حياتها، وسقوها بماء أعينهم قبل أن يرووها بمياه الأرض، حملوا معها الأحلام والأماني، وانتظروا قيظها الذي توهموا بأنه القيظ الأبرز هذا العام. نعم لم يجنوا الرطب، بل هوت به النخيل إذ تم اقتلاعها من جذورها، ولم يشفق عليها "فيت" ولم يرحم، فكان البكاء المر على آلاف نخيل "شريعة المنجرد" وآلاف نخيل البقاع الأخرى، والآلاف المؤلفة لنخيل فلج القبائل، ليشكلوا جميعاً مئات الآلاف من النخيل التي لم تصمد في وجه الإعصار. فالمنظر قاسٍ للغاية، نخيل مرمية على المزارع الخضراء، وهي متمسكة بالرطب الوفير ذي الطعم اللذيذ، وبعد معاناة سقوطها، تبقى معاناة تنظيف الساحة وقطعها ورميها.
    في منطقة المريبي خلّف "فيت" آثاراً جسيمة، بل صنع جغرافيةً جديدة في الوادي، وتمكن من التهام الأراضي القائمة على ضفته جهة الغرب، فقام بسحقها وأكلها، وبقي بيت سالم بن عامر المطاعني متعلّقًا على حافة الوادي، ينتظر السقوط الكلي، فقد سقطت بعض أجزائه، وغدا اليوم ينتظر هزة بسيطة، أو عاملا خفيفا من عوامل النحت والتعرية، ليسقط هو الآخر في هوةٍ سحيقة. حال بقية المناطق متشابهٌ لما ذكرنا من أضرارٍ بالبيوت والأراضي والنخيل والطرق وغيرها.



    البلديات تزيل المخلََّفات
    عبدالله بن مفتاح بن سام العلوي موظفٌ بوزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه يتجول بسيارة البلدية في كل الأنحاء، وحينما استوقفناه لمعرفة دور الوزارة، قال: قمنا بأعمالٍ كثيرةٍ في الولاية، فنحن شاركنا وبقوة مع المواطنين في تقديم العون والمساعدة، ونحن في الأساس جزءٌ لا يتجزأ من هذا البلد، فكان أول ما قمنا به تنظيف الطرق من مخلَّفات الأودية والأشجار المتساقطة وجذوع النخيل، إذ تحولت الأراضي كلها إلى ما يشبه العرض الكلي للأرض ساعة الانهيار، فالطرقات لا ترى كلياً، فعملنا جهدًا مضاعفًا في إمكانية فتحها وتنظيفها؛ ليتمكن الجميع من سلوكها، واستطعنا بحمد الله تجاوز المحنة، فنحن قبل قدوم الإعصار كنا قد أعلنا الطوارئ، وعملنا ليلاً ونهاراً قبل مجيء "فيت" وبعده، والوزارة لم تقصر في هذا الشأن أبدًا، كما سنقوم كذلك بتنظيف وتقطيع النخيل والأشجار في المزارع والأراضي، وسنرجع الولاية مثلما كانت، وقد تم استئجار أكثر من مائةٍ وخمسين عاملا لهذا الغرض، إضافة إلى أن الوزارة قامت بإيفاد مهندسين لتقييم الطرق والإنارة.
    أنهى العلوي حديثه بقوله: للأسف الإعلام قللَّ كثيرًا من حجم المأساة، ولم ينقل الحقيقة مثلما هي، فالأوضاع في جعلان مأساوية، ونعتب كثيرًا على وسائل الإعلام، وفي تساهلها في نقل الحقائق.
    سوق جعلان لم يكن بمعزل عما حدث، فتهدمت البيوت من حوله وسقطت النخل الباسقات، فوق السيارات فتعطلت كثير منها، بل تهاوت الأشجار فوق جدران البيوت وسطوحه وأفنيته، سور المقبرة هو الآخر تحطم كليًا، وكأن المقبرة لم تسوّر يومًا، وحفلت الولاية بأضرارٍ بالغة.


    الصناعية مقطوعة الشرايين والأوعية والأشخرة عائمة
    ولاية جعلان بني بو علي لم تكن أفضل من الولايتين السابقتين، وشهدت تحطمًا تجاريًا فضيعًا، يوم أن تعرضت محلات تجارية كثيرة للأضرار الفادحة، ولم تقدم المطاعم خدماتها؛ إذ غدت مكسورةً وغير صالحة لاستقبال الجائعين، أما المنطقة الصناعية، فألقت بمئات الآلاف من الريالات وذرتها في وجه الرياح؛ إذ تهدمت محلاتها وتمت تسويتها بالأرض، في مشهد دمارٍ لا يحدث إلا ساعة الحروب الطاحنة، فتحولت أحد المصانع إلى أطلالٍ بالية ودمنٍ مُندَرِسَة، فكانت الجولة مثيرةٌ للشجن ومحفزةً للتّأسي والتحسّر على ما آلت إليه تلك الصناعية البائسة.
    نيابة الأشخرة لاقت صنوفًا وألوانًا من العذاب والعقاب، لجرمٍ لم تقترفه، فمجرد دخولك معبر الوادي القريب منها، ترى السيارات التي جرفها الوادي، فتعلم مدى الخسائر المالية الطائلة. تحطمت "لنجات" بحرية كثيرة، وقد يقارب تكلفة كل واحدٍ منها الأربعين ألفًا. ماء البحر دخل إلى جميع البيوت دخولاً غير شرعي؛ إذ عمد إلى طرق النوافذ وكسرها ودخول البيوت عنوة، ليغرقها ويقترف جميع الآثام، فيخرج مزهوًا بالنصر من أبوابها، تلك المياه لم ترضَ بالخروج والانسحاب الكلي، بل استوطنت الطرقات والأزقة والحواري والشوارع، فلا ترى البيوت سوى عائمةً فوق الماء، ولن تتمكن من رؤية الأرض إطلاقًا، مهما فعلت وصنعت، وعليك أن تتجول بسيارتك، والماء يدنو من بابها.
    ميناء الصيد البحري التابع لوزارة الثروة السمكية اعترف بعنفوان البحر؛ إذ تكسر الجسر المخصص لعبور الصيادين إلى قواربهم، والمرسى الذي ترسو فيه قواربهم، والمكان الآمن لوثاقها بحبلٍ متين، كما أن قوارب الصيادين قاموا بسحبها إلى أعلى منطقةٍ ممكنة؛ لعلها تسلم من هيجان البحر، وملعب كرة القدم، لا يوحي لمن يراه بأنه مخصصٌ لكرة القدم، وكأنه ملعب كرة الماء، ذلك لاقترب الماء من العمود العلوي لشباك المرمى، ودوار الطريق لا يمكن مشاهدته كلياً، وعليك أن تستدير والدوار أسفل الماء يغوص.




    الحديقة مخيفة وأصيلة تلتحف السواد
    حديقة الأشخرة المخصصة لألعاب الأطفال والتنزه والتجول بين الربوع الخضراء البسيطة، تحول إلى مكانٍ مخيف، تعمره المياه من كل الجهات الأربعة، ولا يظهر من الألعاب الطويلة إلا الارتفاع العلوي، وكأن الماء صاعدٌ إلى أعلى؛ ليقوم بدور الأطفال الاعتيادي، وظهرت برك الماء الجديدة التي سرعان ما تأقلم معها الأطفال وأصبحت مسبحاً لهم داخل الحديقة، الجدران الأمامية والخلفية تهدمت، وسقطت الأشجار منكسة الرأس معلنة الانهزام.
    منطقة أصيلة، حكت كل معاناة البؤس والمرارة، فدخل الماء إلى البيوت والمدارس، وبقي لون الأودية الأغبر الفاقع منتشرًا في البحر بقوة، ولم يستطع البحر العنيد من محو أثره وإذهاب لونه، غادر جميع القاطنين لأصيلة ولم يبقَ منهم أحد، كل البيوت تعاني الوحدة، وكلها تؤكد خلوها التام من كل شيء، فلا شيء يمكنك أن تلمحه في تلك البيوت، فلم يكترث ساكنوها للرحيل عنها، وهي مشرعة الأبواب على مصراعيها، ذلك أن لا أحد يملك فيها ما يخشى عليه من السرقة، فكل البيوت مسروقةً سرقة محترفٍ خبير. لا يخيل لك أن ترى أعمدة الكهرباء أو أي أثرٍ من آثار الحياة، فإن تخيلت ذلك فأنت واهمٌ لا محالة، ويكفيك أن ترى تناثر القوارب في كل مكان، وهي تبكي بكاء الثكلى، وكأن الديار لم يمر بها إعصارٌ فقط، بل لاقت الخسف وقلب عاليها سافلها.
    في منطقة الرويسة تمكن الرفاق من مشاهدة أغنامٍ خطفها الوادي، واندفنت أجزاءٌ كبيرةٌ منها في الماء، ولم تطفو سوى رؤوسها، وهي تنظر بعينٍ ملؤها الاستعطاف والاسترحام، لعلَّ وعسى أن يأتي بشرٌ ينقذها؛ إذ لا يزال عرق الحياة ينبض فيها.
    جثث حيواناتٍ كثيرة تشاهدها على الشوارع العامة في الأشخرة، وتنتشر رائحة الموت الكريهة في كل مكان، وإياك أن تفتح نافذة سيارتك، فإن تلك الراحة ستجعلك تفقد وعيك سريعًا، وما يجعلك تفقد وعيك أكثر،هو ذلكم الطريق البحري الطويل، الذي انكسر واقُتلع من أساسه لمسافةٍ طويلة؛ ذلك أن عرض "القار" ضئيلٌ جدًا، مما يعني أنه غير مؤهلٍ لتلقي أية كارثة أو حتى أي سيلٍ عرمرم، مما يجعلنا نعيد النظر في كثيرٍ من تخطيط شوارعنا.
    ارسلت بتاريخ 09/06/2010 في 05:20 PM بواسطة الوقت العصي الوقت العصي غير متصل حالياً
 


جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 05:13 AM.

سبلة عمان :: السنة 13، اليوم 356

لا تمثل المواضيع المطروحة في سبلة عُمان رأيها، إنما تحمل وجهة نظر كاتبها