سبلة عمان

العودة   سبلة عمان » المدونات » نرد ٌضائع (مجموعة قصصية)

ملاحظات \ آخر الأخبار

قيّم هذه المشاركة

عرين الذئب المجهول

ارسلت بتاريخ 28/11/2009 في 07:58 AM بواسطة منهل الرئيسي

بسم الله الرحمن الرحيم












لما اشتدت الحُمى به، وتنازعته الهواجس مسفرةً عن وجهٍ شاحبٍ، ممتلئ التجاعيد، نادى على أبناءه جميعاً، فلبوا فُرادى حتى تحلَّقوا حوله واكتضَّت الحجرة بهم. كانت النظرات تشي عن سرائرها. تتراءى بين أعينهم يقظةٌ عسيرةٌ كهوةٍ حالكة الظلمة. حملٌ عظيمٌ تنوء به أكتافهم. تستولي عليهم مشاعر الترقب، فيما أعينهم شاخصة تحدِّق فيه، وقد اعترى وجوههم الوجوم، وبلغ منهم القلق مبلغه.

كان ينظر إليهم بعينٍ يتمطى في سرائرها ظلامٌ حالكٌ يقطن في جنباته سرٌّ مريبٌ يبعث الريبة. عبثاً، حاول أن يستخرجه من الهوة السحيقة المتغلغلة في أغواره إلا أنه عجز عن ذلك تمام العجز. كان يخشى بوح مكنون ذلك السر أكثر خشية وخوفاً من الموت الذي يتربص به من خلف حجب هذا الليل الطويل الحالك السواد، الموت الذي ترامى وقع قدمه من قريب، آتياً نحوه.

- أتراه ماذا يريد أن يقول لنا؟!
- لا أعلم، لا أعلم الآن.
- لقد تم استدعاؤنا جميعاً لغاية إفصاح يريد أن يبوح بها إلينا.
- هكذا قال لي ولك وللجميع، فلنترقب صامتين، وكفى حديثاً الآن!
- إلهي رحمتك!!

تهامس الأبناء فيما بينهم زمناً طويلاً. لبثوا على حال من الفضول المقوض في سرائرهم زمناً ظلَّتْ فيه أعينهم شاخصة تترقب، فيما علتْ على وجوههم غيوم الإرتياب حيث سرتْ في أوصالهم رعشة من خوف؛ إذ كانوا ينظرون في عينيه، فتنتابهم قشعريرة تقبض على أنفاسهم.

كانت الذكريات تموج في أعماقه. تتهادى من بعيد، كدويٍّ يتردد أصداءه في الفجوة العميقة اللامتناهية، الغائرة في ذاته. إنه ينصت إلى صوتٍ خافتٍ يتسامى إليه من القعر السحيق الذي فيه أسيراً. كان يحاول جاهداً ألا ينصت إلى الصوت الخافت المتواتر إليه بين الفينة والأخرى. صوتٌ قصيٌّ تشوبه غلظة الماضي الآتي من أقاصي الذاكرة. لقد كان ذلك اليوم يوماً مشهوداً حقاً!! هاتفه صاحبه قبيل الفجر. كان حديثاً مقتضباً لم يستدل فيه على الأمر الطارئ الذي يلزمه الحضور إلى بيت صاحبه في ذلك الوقت المتأخر من الليل.

- لا تتأخر ... سأكون بانتظارك عند عتبة باب البيت ... لا تتأخر.
- خيرٌ!! ... ماذا هناك؟! ... ماذا حدث؟!
- لا تطيل عليّ ... كما قلتُ لك، سأكون بانتظارك عند عتبة باب البيت ... لا تتأخر.

استقل سيارته قاصداً ذلك البيت الذي ما زالت ذكراه تنبض في شرايين ذاكرته التي وهنتْ من جرَّاء المرض. يا لها من لحظاتٍ حرجة تتشابك فيها خيوط عدة. خيطٌ من الألم المتأجج يتلظى بناره؛ إذ تتابع عيناه مشهد الوأد وأشباح من هالات غامضة تطوف حول المكان الذي احتضن ترابه جسد تلك الرضيعة المكممة الفاه. خيطٌ من الحسرة الغليظة التي يتقاطر ماؤها من عينيه وهو يُلقي نظرة عابرة على الحفرة التي انهال التراب عليها، قبل أن يولي وجهه شطر الشمس المتسللة من وراء تلك الجبال الجاثمة في سكون الليل الطويل. خيطٌ من الذكرى الغائبة وسط غبار الذاكرة، تتهادى إليه بوقع كلمات صاحبه الذي ما أن انتهى من ردم الحفرة حتى التفت إليه قائلاً في ارتياح:
- لقد ولَّت الفضيحة وولى قلقها في تلك الحفرة التي تنظر إليها الساعة.
- هيا، هيا بنا إذن ... قد أزفَّ ميعاد الصباح ... هيا بنا هيا.

طفقت الدموع من عينيه تتوالى لحظة أن استرجع تلك الخيوط المتشابكة القديمة التي عفى عليها الزمن. كان الأبناء ينظرون إليه بأعينٍ لم تستوفِ فهم ما يجري الساعة، فأخذوا يتهامسون فيما بينهم من جديد، دون أن يخالجه الشعور بذلك.

- لماذا يبكي أبانا الآن؟!
- حقاً، لماذا يبكي؟!
- لا علم لي بذلك!!
- عجباً حقاً!!

تصاعد الهمس حتى شعر به، ولكنه آثر الصمت. ها هو ذا الموت يطرق بابه، وها هو ذا يلفظ أنفاسه الأخيرة بين الحيرة التي طبعتْ على ملامح الأبناء، وبين الخيوط المتشابكة التي يحاول الساعة النفاذ من متاهاتها الغائرة في صميم أعماقه. كانت الدموع ما تزال تتوالى من عينيه لحظة أن تهادى إليه الموت، باسطاً ذراعه في صمتٍ مطبق ذاب في الأرجاء.


- انتهت -
مضافة في غير مصنف
الزيارات 1175 تعقيبات 0
مجموع التعقيبات 0

تعقيبات

 


جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 09:51 PM.

سبلة عمان :: السنة 14، اليوم 11

لا تمثل المواضيع المطروحة في سبلة عُمان رأيها، إنما تحمل وجهة نظر كاتبها