سبلة عمان

العودة   سبلة عمان » المدونات » خالد الشكيلي

ملاحظات \ آخر الأخبار

قيّم هذه المشاركة

بيـت الحـكمة ..

ارسلت بتاريخ 27/10/2009 في 05:52 AM بواسطة خالد الشكيلي

الـسلام عـليكم ورحمة الله وبركاته

*
*

عندما كنا لانزال في أيام الثانوية ، أخذنا أحد معلمينا إلى جامعة السلطان قابوس وتحديدا كلية الهندسة
ومكتبة الجامعة ، ترغيبا منه لنا على أن نبذل أقصى ما نملك في آخر عام دراسي لنا وكأنما يقول لنا
أنه إذا اجتهدنا فسنكون هنا. حقيقة لم أكترث وأكاد أجزم أن غالب زملائي أيضا لم يهتموا بمغزى تلك
الزيارة ولا الفائدة من وراءها ، كل ما عنته لنا يوما بلا دراسة!

في بداية زيارتنا ذهبنا إلى كليتي الهندسة والعلوم ودخلنا لبعض المختبرات وقاعات الدراسة ولم يكن
جل الموجود هناك غريبا عنا بحكم دراستنا المختلفة قليلا ، وهذا ما دعانا لأن نأخذ الأمر باستهتار
وعدم اهتمام ، إلى أن ذهبنا إلى مكتبة الجامعة! كنت قد سمعت عن المكتبة كثيرا وعدد الكتب الموجودة
فيها ومساحتها الشاسعة والنظم المستعملة فيها ، مما دعى الكثيرين أن يقولوا عنها أنها أفضل
مكتبة في السلطنة! قبل دخولي أليها وضعت عدة تصورات عنها وعن حجمها والكتب الموجودة فيها
مقارنة بمكتبة المدرسة التي كانت الأكبر عندي حتى ذلك الحين! دخلن المكتبة إلا أنها والحق أقول
خيبت أملي ، فلم تكن بالحجم الذي تخيلته سابقا ، ولا حتى التنظيم فيها مثلما كنت أظن والحق أيضا
أنها غيرت قليلا في رحلتي ذلك اليوم (قليلا فقط) فعلى كل حال كانت كبيرة بما تكفي لأن تدهش طالبا
لم يدخل مكتبة أكبر من ربع مكتبة الجامعة !


قضى الله أن تم ابتعاثي للدراسة خارج السلطنة ، وكنت أتطلع لرؤية هذا البلد الجديد عني بكافة
تفاصيله (عاداته ، أهله ، العمران .. ) كان البعض منها مخيبا للآمال والبعض الآخر بخلاف ما
سمعته وقرأته سابقا "الذي رأى ليس كالذي سمع". رؤية الكلية فضلا عن المكتبة لم يكن من
أولوياتي حينها [] إلا أني حين دخولي المكتبة لأول مرة وجدتني أقارن بينها وبين مكتبــة
المدرسة ومكتبة الجامعة ، وهذه الأخيرة تفوقها حجما بعدة مرات ثم فكرت ما الذي يجعل دراستي
في هذه البلد البعيدة جدا عن بلادي أفضل من دراستي في بلدي في جو آلفه وبين أناس أعرف طباعئهم
وأفعالهم ، ومالذي يرضيهم ومالذي يغضبهم ، ما الذي يجعلها أفضل؟ هل هذه الجامعة تعلم بأسلوب
أفضل ، أم أن عندهم أسلوب سحري يؤتي مفعوله بمجرد الإنتساب إليها؟ وتلك الجامعة تجتهد لكنها
لا تمتلك ذلك الأسلوب السحري الذي يرفع الفاشل إلى مصاف العباقرة في ظرف أربعة أعوام فقط!


بعد مضي فترة من الزمن ، علمت أن جامعتي مقسمة إلى 11 مبنى متوزعة في العاصمة ، كل مبنى
بإدارته الخاصة وبخدماته الخاصة من كل شيء: المكتبة ، المختبرات، الأدوات الترفيهية وغيرها ..
بل وأن بعض المكتبات حجمها يفوق البعض الآخر بالأضعاف ، وأيضا هي ليست الجامعة الوحيدة هنا،
فعدد الجمعات والكليات التي أعرفها فوق الـ 5 وكل منها بخدمتها الخاصة .. ومكاتبها الخاصة التي
لو جمعنها معا لفاقت مكتبة الجامعة (الجديدة والقديمة) بمرات كثيرة سواء من ناحية الحجم أو الكم
أو المحتوى!

ما الذي ينقصنا ؟ ألا نستطيع بناء مكاتب أكبر بكثير من مكتبة الجامعة التي لدينا؟

طبعا نستطيع، ولكن علينا أن نسأل أنفسنا أولا: لماذا؟ لماذا نبني مكاتب ضخمة تحوي ملايين الكتب
إن كان عدد القراء ومرتادي المكتبة لن يتجاوز عدد مرتادي أصغر مكتبة في بريطانيا وأوربا عموما؟


الأمر هنا ليس أمر الكم أو الحجم ، وإنما هو الإقبال والرغبة ، نعم أنا أريد مكتبة بل مكاتب عديدة
على غرار المكاتب الأوروبية ، وأحب أن أي عنوان يخطر عليّ موجود فيها ، ولكن أمرا كهذا
يتطلب مبالغ باهظة ، عوضا أنها لن تلقى إقبالا عظيما من الناس ، بمعنى آخر ، الموجود حاليا يكفي!


* * *

نحن لم نكن هكذا سابقا ، وكذلك أوروبا لم تكن هكذا سابقا ، فنحن بدأنا عملا ثم توقفنا فجاؤوا هم
ليكملوه (لعلنا لم نبدأ فيه فعلا ، وإنما بدأنا حيث انتهى من سبقنا) فأخذوا منه الكثير وأضافوا إليه
الكثير ، حتى صاروا إلى ما صاروا إليه ، فبعد أن كان الشرق بلاد العجائب "ترى فيها وحوشا"
ويعنون بذلك أي صناعة علمية وقتها ، أصبحت الوحوش وحوشا حقيقة لا تحمل في صفاتها من
العلم من شيء!


حينما تولى أبو جعفر المنصور الخلافة بعد أخيه ، سعى بكافة الطرق إلى ترسيخ حكم بني العباس
وتقوية دورهم في بناء التاريخ ومكانتهم في قلوب الناس، وعرف عنه الفطنة والدهاء والحكمة فلم
يكتفي بترهيب الخصوم بالسلاح ، بل سعى إلى الترهيب والتحبيب في آن واحد ، يرهب خصومــه
ويحبب أصحابه ، فأنشأ شيئا لم يكن مألوفا عند العرب سابقا "بيت الحكمة" مثل مجامع البحث
في عصرنا اليوم.


بيت الحكمة كان يهدف لأن يكون أكبر مكان تجمع في الكتب بكافة توجهاته وأفكاره ومشاربه وبكافة
اللغات ، ووضع فيه جيش من المترجمين والمصنفين ، وألحق به عددا كبيرا من النسّاخ والكتاب
ولم يراعي في ذلك أصلا ولا قبيلة ، إنما التقديم لمن يستحق ذلك ، فبدأ العمل فيه سريعا حتى أصبح
مرجعا لكافة العلوم ، ولم يقتصر على التجميع و الترجمة ، بل أضيف إليه مراصد فلكية بكافة
مستلزماتها في ذلك الزمان !

في عهد حفيده المأمون ، بلغ بيت الحكمة أوجه وتقدمه ، فقد جمع الكثير جدا من الكتب والكتاب
والنقاد في شتى العلوم والمعارف ، وأعطاه المأمون جل وقته ، وعظم من قدره ومكانته وقرب
علماءه والقائمين عليه ، بل وتعدى ذلك أن أضحى مركزا للبحث العلمي ، بكافة العلوم :"الطب،
الكيمياء ، الفيزياء .." وغيرها الكثير جدا !


فيما بعد جاء المغول ودمروا بيت الحكمة ، وأغرقوا كتبه وأحرقوها ، وقتلوا أغلب القائمين عليه
والعاملين فيه ، فكأنما لم يكن موجودا قبلا! ولعل وجود الظاهر بيبرس في مصر ساهم في تحسين
الوضع لاحقا فقد جمع ما تبقى من بغداد وحاول أن يواصل ما وصل إليه من سبقه ..


أوروبا والغرب عموما استفاد من بيت الحكمة استفادة كبيرة جدا ، إن لم يكن من مخرجات بيت
الحكمة ، فمن الأسلوب والطريقة ، فالجامعات عندهم عبارة عن مكاتب ضخمة جدا من العلوم
والمعارف ، فيها كل سبل البحث العلمي ، لا تقتصر على العنوان دون المضمون ، بل وسعوا فكرة
بيت الحكمة وبنوا على أساسها ، ولذا ليس من الغريب أن نرى انتشار المكاتب في بلادهم بشكل كبير
فهناك من يقرأ ، ومع القراءة يبحث ويطور !


أفما آن لنا أن نستفيد من بيت الحكمة ونحن أصحابه؟


دمتم بود ،،
مضافة في غير مصنف
الزيارات 1283 تعقيبات 1
مجموع التعقيبات 1

تعقيبات

  1. Old Comment
    صورة عضوية ismail alamri
    مشكور على هذا التدوين الرائع

    مثل ما قلت عملنا بيت الحكم بفكره من عندنا
    و تم سرقة الفكرة من قبل الغرب و تطويرها...!
    الفكره عندنا لم تستمر بنجاح بينما هناك مستمر حتى الان بنجاح
    و التواسع بسبب الاقبال على المكتبات بينما لايوجد أقبل كبير عندنا...!
    لذلك لا يكون هناك تطور و تواسع..!
    ارسلت بتاريخ 27/10/2009 في 10:32 PM بواسطة ismail alamri ismail alamri غير متصل حالياً
 


جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 10:24 AM.

سبلة عمان :: السنة 13، اليوم 296

لا تمثل المواضيع المطروحة في سبلة عُمان رأيها، إنما تحمل وجهة نظر كاتبها