سبلة عمان

العودة   سبلة عمان » المدونات » خالد الشكيلي

ملاحظات \ آخر الأخبار

قيّم هذه المشاركة

مولاي .. رجاء لا تمنع المطر!

ارسلت بتاريخ 08/03/2010 في 08:32 AM بواسطة خالد الشكيلي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بعد الغربة الطويلة ، كنت قد اشتقت إلى العودة إلى بلادي وأهلي تدفعني الدراسة التي أتعبتني في آخر أيام العام المنصرم ، وكلي أمل أن أعود إلى الأرض التي أحب والهواء الذي أعشق غير مصدق أنها تغيرت في بضع شهور ما لم تتغير في سنين وذلك لعدة أسباب وعوامل من الظلم أن نلقيها جميعا على كاهل أحدها متجاهلين الأخرى. ومع كل يوم يمضي أتحرق لليوم الموعود ، أعد كل ساعة بل كل دقيقة وثانية وأتمنى لو تقفز الأيام إلى الآخير فأستريح من هم الامتحانات ومن هم الانتظار.

وأخيرا عدت ، إلا أن أرضي أول ما استقبلتني به كان الرقم (51) والذي يرمز بشكل أو بآخر إلى قوة الحرارة فيها وإن لم يكن هذا الرقم هو المعلن أو حتى دقيقا إلا أنه يبقى أكثر بكثير من الرقم الذي خلفته ورائي والذي يقل عن نصفه بدرحتين على الأقل ، علما بأن الصيف كان في الجانبين سواء مع اختلاف في درجات الحرارة ، حتى بت أسأل نفسي: هل من المعقول أن يتغير المناخ هذا التغير الكبير في مسافة ليست بالكبيرة نسبيا (ربما في السابق كانت كبيرة جدا إلا أنها لم تعد كذلك على أي حال) ، فطفقت أحدث نفسي وأقنعها أني متعود على هذا الأمر وليس من المفروض أن يزعجني وأسترجع عبارة قالها أحد الأصدقاء قبل أن أرجع: "عمان كأنها ولاية تابعة لمحافظة جهنم" ويقصد بذلك شرح قوة الحرارة في هذا العام.

إلا أن المناخ يتغير سريعا (كما يبدو) ففي اليوم التالي وعلى عكس المتوقع انخفضت درجة الحرارة انخفاضا كبيرا في عز الظهر ، حتى أنك إذا وقفت في الظل أحسست بهواء بارد يهب عليك ، وأغرب ما في الأمر أن العصر كان أشد حرارة ، واستمر هذا الحال ليومين أو ثلاث حتى حسبت أن موجة الحر تلك قد ولت ولن تعود قريبا على الأقل. لم نعد نشعر بالحرارة كثيرا الآن فالحمدلله المكيفات انتشرت بصورة كثيرة ولا يكاد يطفأ أحدها في اليوم أبدا ، والماء متوفر أيضا بفضل محطة التحلية ، ولا يبقى من الوقت ما نحس فيه بالنار المستعرة خارج البيت إلا في أوقات الصلاة عند الذهاب إلى المسجد أو أحيانا عند الخروج للتسوق أو "التنزه" .

شددت الرحال يوم الأربعاء عائدا إلى بلادي في عمق الداخلية وفي نيتي المكوث هناك يومان أو ثلاث حسب الظروف ، وكان وصولي بعد المغرب وأول ما استقبلني منها كان صهريج ماء كبير تصطف خلفه عشرات ناقلات المياه أو ما يعرف محليا بـ"التنكر" (بالمناسبة من أين اشتق هذا الاسم) وعلمت فيما بعد أن الماء يجلب من عبري تحمله ناقلات مرتين أو ثلاث في اليوم لست أذكر الآن! لم أستطع أن تبين الكثير من معالم البلاد والتغييرات التي طرأت عليها حينها بسبب الظلام ، فبيت في نفسي الخروج في اليوم التالي لأرى وأعاين ما سمعته حتي يصدق العيان ما ترويه الأخبار. قضيت تلك الليلة متقلبا على الفراش لمدة طويلة ولم أنم إلا ثلاث أو أربع ساعات فقط مقسمة قبل الفجر وبعده .

خرجت في الصباح برفقة خالي (بالمناسبة كنت نائما في بيتهم) إلى أحد المطاعم وكنت أرى بلادي الجميلة وقد كساها ثوب الموت حتى أني لم أصدق أنها نفس البلاد التي نشأت وترعرعت فيها منذ الصبا ، فالناس بالكاد يجدون الماء لاستعمالهم اليومي فضلا عن الزراعة ولو بعض الشجيرات ، وطوابير ناقلات المياه أمام كل مكان يستطيعون شراء الماء منه. لم أكن أتخيل الحال بهذا السوء ، فأشد ما تصورته كان أفضل بكثير مما رأيت. عدت بعدها إلى بيت أخوالي وأنا أنوي الذهاب لتفقد بيتنا والذي لم يكن يبعد كثيرا ، كنت متفائلا بعض الشيء علّ الحال يكون هنا مختلفا نوعا ما ، إلا أنه لم يكن كذلك ، أغصان النخل القليلة التي زرعناها حين سكنا المنزل في تسعينات القرن الماضي كان تفقد أهم ما يميزها عن سائر الأشياء المحيطة بها "الحياة" وحينها أدركت لماذا كان الشعراء يبدأون بالمقدمات الطللية في أشعارهم سواء أكانت غزلا أم حربا !

لا أعلم هل للمسؤلين في بلادنا علاقة بالجفاف والقحط الذي عم جميع أرجاء السلطنة تقريبا إلا أني أذكر أني قرأت قصة عن نبي الله موسى يوما ، في أنه منع عنهم المطر أياما طوال بسبب رجل كان يعصي الله في سره ، ثم أتفكر في الحال الآن ؛ لم يعد من الغريب أن نرى الفتيات يمشين بـ"أنصاف الأكمام" (هؤلاء محتشمات بالنسبة لغيرهن) في الأسواق أو الطرقات أو مجتمع الشباب الكبير "كارفور" والغريب أنك إذا تفوهت بكلمة استنكار قوبلت بالضحك والاستهزاء والسخرية ، وتبدأ الأخبار تتوالى عل مسامعك مما يهون عليك ما ترى أمامك ، فالخمر بعد أن كان لا يوجد إلا نادرا (في العلن على الأقل) يباع في كل مكان تقريبا وبصورة رسمية ولا يملك أحدنا أن يتفوه بكلمة في وجه صاحب المحل ورداه ، والدعارة انتشرت بشكل كبير جدا ، فبعد أن كانت خفية لا تكاد تظهر على السطح أصبحت رسيمة أيضا بشكل أو بآخر فكثرت النوادي الصحية وكثرت النسوة من الجنسيات الشرق آسيوية و المغرب العربي بل وما يثير الضحك تلك الإعلانات في الجرائد اليومية حول الأدوية والعلاجات "الجنسية" (قوة الحصان ، وبأس الجبل وغيرها .. ).

ربما أكون متشائما جدا حيال الوضع الحالي إلا أن ذاك كان على الصعيد "الاجتماعي" فقط ، ولا غرابة في أن تسمع وبشكل شبه يومي عن الفساد الإداري والمالي في كافة كافة أجهزة الدولة ، وانتشار المحسوبيات و الوساطات والمصالح الشخصية المقدمة على المصالح العامة ، وكثرة المناقصات والمشاريع التي يحسب الناس أنها خير إلا أنهم لم يرو شيئا من ذاك الخير إلى يومهم فدخلهم بقي على حاله وليت السلع والاحتيجات كذلك إلا أنها زادت بالضعف وأكثر (حتى المشروبات الغازية لم تسلم) والخدمات التي يحسب الجميع أنها تتحسن لم تعد كذلك بل تخطو يوميا خطوات حثيثة إلى الأسوء طبعا ولا نعلم متى يتوقف مسلسل الانحدار هذا.

لا أعلم هل العلاقة بين منع المطر والفساد المستشري في المجتمع والأجهزة الإدارية في الدولة على علاقة وثيقة أم أني أهول الأمر وأعطيه أكبر من حجمه ، إلا أني متيقن تماما أن الله إذا غضب على قوما منع عنهم المطر وحبس عنهم الزرع وابتلاهم بجنود لا يروها ، وبناء على ما تقدم أجد أن الأمر إنذار من الله سبحانه وتعالى وعلينا أن نتدارك الأمر قبل أن يتفاقم ويسوء أكثر ، فيكفينا المزارع والحيوانات والأموال التي خسرنا نتيجة الجفاف والقحط ، لذا أتوجه بالخطاب إلى مولانا قائلا: "رجاء .. لا تمنع المطر" .
مضافة في غير مصنف
الزيارات 779 تعقيبات 0
مجموع التعقيبات 0

تعقيبات

 


جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 12:41 PM.

سبلة عمان :: السنة 13، اليوم 296

لا تمثل المواضيع المطروحة في سبلة عُمان رأيها، إنما تحمل وجهة نظر كاتبها