سويري
09/11/2010, 11:15 AM
صورةُ الرسام في "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي
منير العبيدي
منير العبيدي
مقدمة
http://www.myelaph.com/elaphweb/Resources/images/Culture/2010/11/week1/1(10).jpgي
دخلُ خالد حاملاً علبةَ حلوى فتقولُ له (أمّا الزهرة)
- يعطيك الصحّة يا وليدي... و علاش عييت روحك يا خالد يا بني.. وجهك يكفينا"
كان خالد، قبل أن يصبحَ رساماً مشهورا، مقاتلاً في حربِ تحرير الجزائر تحت قيادة (سي الطاهر) و (أمّا الزهرة) هي أمُّ (سي الطاهر)، أحدِ قادة الثورة، و لم ترَ إبنَها منذ زمنٍ طويل و تحملُ في ثناياها شوقاً إليه و تلهفا لسماعِ أخباره و خوفاً على مصيرِه جعلها تستبشرُ لمقدمِ أحدِ رفاقه. أما زوجة (سي طاهر) التي بادرت لفتحِ الباب للطارق، فقد تنحت فوراً تكتم غصتَها و شوقَها لسماع أخبارٍ عن زوجها.
شوقُ الأمهاتِ للأبناء كان معلناً لا يستدعي لوما أو مؤاخذة، شوقُ الزوجاتِ للأزواج كان عيباً ينبغي أن يتوارى.
أرسمُ خطاً أفقيا الآنَ على خارطة العالم بين المكان الذي وُلدْتُ فيهِ و كوّنَ ثقافتي، شرقيَّ العراق، حتى قسنطينة في الجزائر، المكانِ الذي ولدتْ و ترعرعتْ فيهِ (أمّا الزهرة)، (سي الطاهر) و (خالد) و شخصياتُ الرواية، أجد أن المسافةَ أكثرُ من 3500 كيلومترا، رغم ذلك فإن استلام هذه الإشارة التي أطلقتْها (أمّا الزهرة) لم يكن بدون غصةِ تعاطفٍ توسطتِ الصدرَ ترافقتْ مع نفس القدْر من التعاطف مع الخِفر الذي منَعَ لهفةَ الزوجة.
نفس هذه الإشارة الدافئة التي تفوهت بها (أمّا الزهرة) من الممكن أن تقولها أمهاتُنا لمن يحملُ أخباراً عنا: لماذا كلفت نفسك يكفينا ان نراك...
لو رفعنا الخطَّ الذي رسمناه على خارطة العالم بين قسنطينة و شرقيِّ العراق بضعة سنتيمتراتٍ نحو الشمال لكانَ الخطُ يربط بين شرقي كازاخستان و باريس مرورا بأراضٍ روسيّة و لوتوانيّة و بولونيّة و ألمانيّة... لوجدنا ثمة لغاتٍ مختلفةً و ثقافاتٍ متباينة، عندئذ ربما لن يجدَ القارئُ هناك ما يجعله يغص لعبارة (أمّا الزهرة) فيمرّ عليها مرورا عابرا.
على أن ما يهمنا في رواية " ذاكرة الجسد" ليست تلك المقاربة الجيوـ ثقافية العابرة للمسافات، و ما تنطوي عليه من أمكانية مغرية للدخول في مقاربات سوسيو ـ ثقافية بين الشمال و الجنوب، و انما تهمنا، على وجه التحديد، صورةُ الرسام و ملامحُهُ التي رسمتها أحلام مستغانمي.
صورة الرسام
يقول الرسامُ مخاطبا " حبيبته ":
" فيا خرابي الجميلَ سلاماً. يا وردة البراكين، و يا ياسمينة نبتت على حارئقي سلاما. "
"يا ابنة الزلازل و الشروخ الأرضية! لقد كان خرابك الأجمل سيدتي، لقد كان خرابك الأفظع. "
" قتلتِ وطنا بأكمله داخلي، تسللتِ حتى دهاليز ذاكرتي، نسفتِ كلَّ شيءٍ بعود ثقاب واحدٍ فقط "
" من علّمَك اللعبَ بشظايا الذاكرة؟ أجيبي !"
من أين أتيتِ هذه المرة ـ أيضا ـ بكلِّ هذه الأمواج المحرقة من النار. من أين أتيتِ بكلِّ ما تلا ذلك اليوم من دمار؟ "
"افترقنا إذن..."
"لم تكوني كاذبةً معي.. و لا كنتِ صادقةً حقا. لا كنتِ عاشقة.. و لا كنتِ خائنةً حقاً. لا كنتِ ابنتي.. و لا كنتِ أمّي حقا. "
ثم نجد:
" كطفلٍ على حافّة البكاءِ أخبرته أمه أنها ستسافرُ دونَه. و كنت أنتِ تزفّين لي ذلك الخبرَ، بشيءٍ من الساديّة التي أدهشتني. و كأن عذابي يغريك بشيءٍ ما. "
" هل أمسك بأطراف ثوبك كطفل و أجهش بالبكاء؟ "
هكذا تضعُ احلامي مستغانمي على لسان رسامٍ مشهور و مقاتلٍ سابق في جبهة التحرير ما ينبغي أن يقولَه في مناجاة لحبيبةٍ ما احبته. ليس بوسعنا أن نغطي كامل الامثلة لهذا النوع من المناجاة، بل اكتفينا بمقتطفات منها، لأن من يرغب بالإستزادة منها لن يجدَ أمامه إلاّ أن يقرأ كاملَ الكتاب..
لم يكن بوسعي بعد فروغي من الرواية الا ان أتساءل: كيف يمكن لرسامٍ مثل هذا ان يرسم؟
******
الروايةُ بأكملها إذن هي ما يبوح به رسامٌ و مقاتلٌ سابق في حربِ تحرير الجزائر فقد ذراعَهُ في احدى المعارك من لواعج حبٍ و قع فيه لامرأة يلتقيها في افتتاح معرضٍ له أقيم في باريس حيث يقيم. الرواية كُّلها على لسانِه يروي لـ " حبيبته " ما تعرفُه تماما لأنه جرى بينهما و نحن كقراءٍ نقفُ في الوسط بينه و بينها لكي نسمعَ و "نشاهد"، و هو الذي التي سيكتشف بُعيد تعرّفه عليها أنها ابنةُ قائدِهِ و رفيقه السابق في حربِ التحرير (سي الطاهر) الذي استشهد في احدى المعارك. و الفرق بين عمرِهِ و عمرِها كبيرٌ، يقول: " ربعُ قرنٍ على أولِ لقاءٍ بين رجلٍ كان أنا، و طفلةٍ تلعبُ على ركبتي كانت أنتِ" ـ ص 99 "، فهو الذي كان قد عبرَ الحدودَ إلى تونس حين وُلدت لكي يتعالجَ من جرحه و يوصلَ إلى إمّها الاسمَ الذي تَسَمّت به حسب رغبة ابيها.
و لكن خالد نفسَه الذي اجلَسَها يوماً على ركبتِه و لاعبَها و هي طفلة ثم هام بها لاحقا، سيقول عن الرجل الذي اختارتْ دونَه و تزوّجَت منه إنه: " عجّل. يخلع عنها صيغتها دون كثيرٍ من الاهتمام و يركض نحو جسدها بلهفة رجل في الخمسين يضاجع صبية " !!. ص 362
تبادل الحب ـ و ليس الحب من طرف واحد على أية حال ـ بين رسامٍ و فتاةٍ تصغره كثيرا ليس بالامر الغريب، فقد أحبَّ بيكاسو نساءً كثيراتٍ اصغرَ منه سنا بكثير، احداهن كانت فرانسوا جيلو التي كتبت عنه فيما بعد كتابا مهما تُرجم إلى العربية تحت عنوان "حياتي مع بيكاسو ".
أوردت جيلو في الكتاب، ضمن اشياء اخرى، كيف أن بيكاسو انتقد ماتيس، الذي يكبرُه عمراً، لعلاقة حبٍ جمعته بإمرأة شابة! تضيف جيلو بأن بيكاسو لم ينتبه (أو ربما لم يرغب أن ينتبه) إلى أن الفارقَ بين عمرينا، أنا و هو، كحبيبين اكثرُ من الفارق بين عمر ماتيس و حبيبته !
لا تكمن هنا إذن أية غرابة في أن يحبَّ رسامٌ امرأةً صغيرة بعمر ابنته و تبادله الحب و تعيش معه لسنوات كما فعلت فرانسواز جيلو مع بيكاسو و كما يقدم لنا تاريخ الفن من أمثلة. لكن الصبيّة التي احبها خالد لم تُعره، حسبَ كامل مسيرة الرواية، اي انتباه و لا يوجد ما يقول لنا انها قد رضيت بهذا الحب، بل انها كانت، كما دلت الاحداث التي وردت، قد أسلمتْ جسدَها (تزوجت) من شخص لا تحبه ناظرةً إلى موقعة الاداري الرفيع والثراء الذي هبط عليه كما هبط على المقاتلين السابقين في حرب تحرير الجزائر من الذين تحولوا من مواقع الثورة الى مواقع الثروة.
مع ذلك يشعرُ خالد بفارقِ العمر كعيبٍ مسببٍ للهزيمة ازاء صديقه الشاعر الفلسطيني زياد:
" كيف يمكن أن أضعَ أمامكِ رجلا يصغرني باثنتي عشرة سنة، و يفوقني حضوراً و اغراء، و أحاول أن أقيس نفسي به أمامك؟" (ص203). هنا لا يجد خالد أن موهبتَه، ناهيك عن شخصيته المفترضة، و ليست المرسومة تعسفيا، كافيةٌ لردم فجوة العمر (هذا اذا كان ملزما بأن يفكر بها أصلا)، فيجد أن حضوره و اغراءه يتضاءل أمام حضور مبدع آخر (شاعر) لإعتبارات السن.
و حسب مسار السؤال، الذي جُعِل يسأله، كان عليه أن لا يعرّفها بزياد و يمنع عليها أن ترى شخصا يراه اكثر جاذبية منه، و هو نوعٌ من الشعور بالدونية غير مألوف لدى المبدعين.
بهذا و بغيره من الأمثلة نجد إن ما كتبته مستغانمي على لسانِ الفنان خالد الذي حقق قدرا كبيرا من الشهرة فيما يرويه من حب و هيامٍ، كان نوحا و بكاء و رثاء للذات، غطى القسمَ الأعظمَ من صفحاتِ الرواية. كلُّ ذلك من أجل امرأةٍ لم تحبه بل و جّهت له كلَّ الاشاراتِ على انها امرأة لعوب.
و اذا ما كان مخالفا للمنطق أن نطلب من الرسامين أن يكونوا بدرجة استخفاف بيكاسو بالمرأة و معامتله لها كعنصرٍ مكملٍ لشخصيته الطاغية (يقول بيكاسو: المرأة اما أن تكون ملاكا او ممسحة)، و اذا ما كنا لا نسأل خالدا أن يقطع أذنه من أجلها كما فعل فان كوخ، (قطعُ كوخ لأذنِه ليس سوى تظاهرة قوة ذاتية اكثر مما هي عشقٌ متهالكٌ بكّاء)، فإن من الصعب علينا مع ذلك أن نقبل صورةَ رسامٍ نائح يغطي نوحُه و تجليات هزيمتِه صفحاتٍ و صفحات. فالرسام النرويجي مونغ (1863 ـ 1944) الذي كان يخاف المرأة و لم يكن محظوظا ابدا معها لم يقم بالركوع أمامها بل جعل من إخفاقِه الدائم معها وسيلة لشحذ قوّتَه التعبيريةَ إلى اقصى مدياتها بما جعَلَ من لوحاته صرخةً مكابرة معتزة بعزلتها. و الامثلة على مثل هذا السلوك الإبداعي المعتد بالذات، و الانكفائي اذا لزم الأمر أكثر من وافرة.
يتبع
منير العبيدي
منير العبيدي
مقدمة
http://www.myelaph.com/elaphweb/Resources/images/Culture/2010/11/week1/1(10).jpgي
دخلُ خالد حاملاً علبةَ حلوى فتقولُ له (أمّا الزهرة)
- يعطيك الصحّة يا وليدي... و علاش عييت روحك يا خالد يا بني.. وجهك يكفينا"
كان خالد، قبل أن يصبحَ رساماً مشهورا، مقاتلاً في حربِ تحرير الجزائر تحت قيادة (سي الطاهر) و (أمّا الزهرة) هي أمُّ (سي الطاهر)، أحدِ قادة الثورة، و لم ترَ إبنَها منذ زمنٍ طويل و تحملُ في ثناياها شوقاً إليه و تلهفا لسماعِ أخباره و خوفاً على مصيرِه جعلها تستبشرُ لمقدمِ أحدِ رفاقه. أما زوجة (سي طاهر) التي بادرت لفتحِ الباب للطارق، فقد تنحت فوراً تكتم غصتَها و شوقَها لسماع أخبارٍ عن زوجها.
شوقُ الأمهاتِ للأبناء كان معلناً لا يستدعي لوما أو مؤاخذة، شوقُ الزوجاتِ للأزواج كان عيباً ينبغي أن يتوارى.
أرسمُ خطاً أفقيا الآنَ على خارطة العالم بين المكان الذي وُلدْتُ فيهِ و كوّنَ ثقافتي، شرقيَّ العراق، حتى قسنطينة في الجزائر، المكانِ الذي ولدتْ و ترعرعتْ فيهِ (أمّا الزهرة)، (سي الطاهر) و (خالد) و شخصياتُ الرواية، أجد أن المسافةَ أكثرُ من 3500 كيلومترا، رغم ذلك فإن استلام هذه الإشارة التي أطلقتْها (أمّا الزهرة) لم يكن بدون غصةِ تعاطفٍ توسطتِ الصدرَ ترافقتْ مع نفس القدْر من التعاطف مع الخِفر الذي منَعَ لهفةَ الزوجة.
نفس هذه الإشارة الدافئة التي تفوهت بها (أمّا الزهرة) من الممكن أن تقولها أمهاتُنا لمن يحملُ أخباراً عنا: لماذا كلفت نفسك يكفينا ان نراك...
لو رفعنا الخطَّ الذي رسمناه على خارطة العالم بين قسنطينة و شرقيِّ العراق بضعة سنتيمتراتٍ نحو الشمال لكانَ الخطُ يربط بين شرقي كازاخستان و باريس مرورا بأراضٍ روسيّة و لوتوانيّة و بولونيّة و ألمانيّة... لوجدنا ثمة لغاتٍ مختلفةً و ثقافاتٍ متباينة، عندئذ ربما لن يجدَ القارئُ هناك ما يجعله يغص لعبارة (أمّا الزهرة) فيمرّ عليها مرورا عابرا.
على أن ما يهمنا في رواية " ذاكرة الجسد" ليست تلك المقاربة الجيوـ ثقافية العابرة للمسافات، و ما تنطوي عليه من أمكانية مغرية للدخول في مقاربات سوسيو ـ ثقافية بين الشمال و الجنوب، و انما تهمنا، على وجه التحديد، صورةُ الرسام و ملامحُهُ التي رسمتها أحلام مستغانمي.
صورة الرسام
يقول الرسامُ مخاطبا " حبيبته ":
" فيا خرابي الجميلَ سلاماً. يا وردة البراكين، و يا ياسمينة نبتت على حارئقي سلاما. "
"يا ابنة الزلازل و الشروخ الأرضية! لقد كان خرابك الأجمل سيدتي، لقد كان خرابك الأفظع. "
" قتلتِ وطنا بأكمله داخلي، تسللتِ حتى دهاليز ذاكرتي، نسفتِ كلَّ شيءٍ بعود ثقاب واحدٍ فقط "
" من علّمَك اللعبَ بشظايا الذاكرة؟ أجيبي !"
من أين أتيتِ هذه المرة ـ أيضا ـ بكلِّ هذه الأمواج المحرقة من النار. من أين أتيتِ بكلِّ ما تلا ذلك اليوم من دمار؟ "
"افترقنا إذن..."
"لم تكوني كاذبةً معي.. و لا كنتِ صادقةً حقا. لا كنتِ عاشقة.. و لا كنتِ خائنةً حقاً. لا كنتِ ابنتي.. و لا كنتِ أمّي حقا. "
ثم نجد:
" كطفلٍ على حافّة البكاءِ أخبرته أمه أنها ستسافرُ دونَه. و كنت أنتِ تزفّين لي ذلك الخبرَ، بشيءٍ من الساديّة التي أدهشتني. و كأن عذابي يغريك بشيءٍ ما. "
" هل أمسك بأطراف ثوبك كطفل و أجهش بالبكاء؟ "
هكذا تضعُ احلامي مستغانمي على لسان رسامٍ مشهور و مقاتلٍ سابق في جبهة التحرير ما ينبغي أن يقولَه في مناجاة لحبيبةٍ ما احبته. ليس بوسعنا أن نغطي كامل الامثلة لهذا النوع من المناجاة، بل اكتفينا بمقتطفات منها، لأن من يرغب بالإستزادة منها لن يجدَ أمامه إلاّ أن يقرأ كاملَ الكتاب..
لم يكن بوسعي بعد فروغي من الرواية الا ان أتساءل: كيف يمكن لرسامٍ مثل هذا ان يرسم؟
******
الروايةُ بأكملها إذن هي ما يبوح به رسامٌ و مقاتلٌ سابق في حربِ تحرير الجزائر فقد ذراعَهُ في احدى المعارك من لواعج حبٍ و قع فيه لامرأة يلتقيها في افتتاح معرضٍ له أقيم في باريس حيث يقيم. الرواية كُّلها على لسانِه يروي لـ " حبيبته " ما تعرفُه تماما لأنه جرى بينهما و نحن كقراءٍ نقفُ في الوسط بينه و بينها لكي نسمعَ و "نشاهد"، و هو الذي التي سيكتشف بُعيد تعرّفه عليها أنها ابنةُ قائدِهِ و رفيقه السابق في حربِ التحرير (سي الطاهر) الذي استشهد في احدى المعارك. و الفرق بين عمرِهِ و عمرِها كبيرٌ، يقول: " ربعُ قرنٍ على أولِ لقاءٍ بين رجلٍ كان أنا، و طفلةٍ تلعبُ على ركبتي كانت أنتِ" ـ ص 99 "، فهو الذي كان قد عبرَ الحدودَ إلى تونس حين وُلدت لكي يتعالجَ من جرحه و يوصلَ إلى إمّها الاسمَ الذي تَسَمّت به حسب رغبة ابيها.
و لكن خالد نفسَه الذي اجلَسَها يوماً على ركبتِه و لاعبَها و هي طفلة ثم هام بها لاحقا، سيقول عن الرجل الذي اختارتْ دونَه و تزوّجَت منه إنه: " عجّل. يخلع عنها صيغتها دون كثيرٍ من الاهتمام و يركض نحو جسدها بلهفة رجل في الخمسين يضاجع صبية " !!. ص 362
تبادل الحب ـ و ليس الحب من طرف واحد على أية حال ـ بين رسامٍ و فتاةٍ تصغره كثيرا ليس بالامر الغريب، فقد أحبَّ بيكاسو نساءً كثيراتٍ اصغرَ منه سنا بكثير، احداهن كانت فرانسوا جيلو التي كتبت عنه فيما بعد كتابا مهما تُرجم إلى العربية تحت عنوان "حياتي مع بيكاسو ".
أوردت جيلو في الكتاب، ضمن اشياء اخرى، كيف أن بيكاسو انتقد ماتيس، الذي يكبرُه عمراً، لعلاقة حبٍ جمعته بإمرأة شابة! تضيف جيلو بأن بيكاسو لم ينتبه (أو ربما لم يرغب أن ينتبه) إلى أن الفارقَ بين عمرينا، أنا و هو، كحبيبين اكثرُ من الفارق بين عمر ماتيس و حبيبته !
لا تكمن هنا إذن أية غرابة في أن يحبَّ رسامٌ امرأةً صغيرة بعمر ابنته و تبادله الحب و تعيش معه لسنوات كما فعلت فرانسواز جيلو مع بيكاسو و كما يقدم لنا تاريخ الفن من أمثلة. لكن الصبيّة التي احبها خالد لم تُعره، حسبَ كامل مسيرة الرواية، اي انتباه و لا يوجد ما يقول لنا انها قد رضيت بهذا الحب، بل انها كانت، كما دلت الاحداث التي وردت، قد أسلمتْ جسدَها (تزوجت) من شخص لا تحبه ناظرةً إلى موقعة الاداري الرفيع والثراء الذي هبط عليه كما هبط على المقاتلين السابقين في حرب تحرير الجزائر من الذين تحولوا من مواقع الثورة الى مواقع الثروة.
مع ذلك يشعرُ خالد بفارقِ العمر كعيبٍ مسببٍ للهزيمة ازاء صديقه الشاعر الفلسطيني زياد:
" كيف يمكن أن أضعَ أمامكِ رجلا يصغرني باثنتي عشرة سنة، و يفوقني حضوراً و اغراء، و أحاول أن أقيس نفسي به أمامك؟" (ص203). هنا لا يجد خالد أن موهبتَه، ناهيك عن شخصيته المفترضة، و ليست المرسومة تعسفيا، كافيةٌ لردم فجوة العمر (هذا اذا كان ملزما بأن يفكر بها أصلا)، فيجد أن حضوره و اغراءه يتضاءل أمام حضور مبدع آخر (شاعر) لإعتبارات السن.
و حسب مسار السؤال، الذي جُعِل يسأله، كان عليه أن لا يعرّفها بزياد و يمنع عليها أن ترى شخصا يراه اكثر جاذبية منه، و هو نوعٌ من الشعور بالدونية غير مألوف لدى المبدعين.
بهذا و بغيره من الأمثلة نجد إن ما كتبته مستغانمي على لسانِ الفنان خالد الذي حقق قدرا كبيرا من الشهرة فيما يرويه من حب و هيامٍ، كان نوحا و بكاء و رثاء للذات، غطى القسمَ الأعظمَ من صفحاتِ الرواية. كلُّ ذلك من أجل امرأةٍ لم تحبه بل و جّهت له كلَّ الاشاراتِ على انها امرأة لعوب.
و اذا ما كان مخالفا للمنطق أن نطلب من الرسامين أن يكونوا بدرجة استخفاف بيكاسو بالمرأة و معامتله لها كعنصرٍ مكملٍ لشخصيته الطاغية (يقول بيكاسو: المرأة اما أن تكون ملاكا او ممسحة)، و اذا ما كنا لا نسأل خالدا أن يقطع أذنه من أجلها كما فعل فان كوخ، (قطعُ كوخ لأذنِه ليس سوى تظاهرة قوة ذاتية اكثر مما هي عشقٌ متهالكٌ بكّاء)، فإن من الصعب علينا مع ذلك أن نقبل صورةَ رسامٍ نائح يغطي نوحُه و تجليات هزيمتِه صفحاتٍ و صفحات. فالرسام النرويجي مونغ (1863 ـ 1944) الذي كان يخاف المرأة و لم يكن محظوظا ابدا معها لم يقم بالركوع أمامها بل جعل من إخفاقِه الدائم معها وسيلة لشحذ قوّتَه التعبيريةَ إلى اقصى مدياتها بما جعَلَ من لوحاته صرخةً مكابرة معتزة بعزلتها. و الامثلة على مثل هذا السلوك الإبداعي المعتد بالذات، و الانكفائي اذا لزم الأمر أكثر من وافرة.
يتبع