المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : الأعمال صور قائمة و أرواحها وجود سر الاخلاص فيها >> لابن عطاء الله السكندري ..


سيف السنة
23/05/2010, 09:12 PM
قال ابن عطاء الله السكندري :-

(( الأعمال صور قائمة و أرواحها وجود سر الاخلاص فيها ))


لا بد لأدراك معنى هذه الحكمة و الوقوف على الصلة الدقيقة بينها وبين الحكمة التي تقول تنوعت أجناس الأعمال بتنوع واردات الأحوال لأن كل القربات التي ينال بها المسلم مرضات الله تعالى مؤلفة من عمل وقصد فلا قيمة للعمل مهما كان في مظهره مقبولاً ونافعاً إن لم يكن القصد الدافع إليه مجرد الحصول على مرضات الله ومثوبته ولا قيمة للقصد في أكثر الأحيان إن لم يتجل في العمل ولاحظ أن وجود العمل مفصولاً عن القصد السليم الذي يعبر عنه بالإخلاص لوجه الله لا قيمة له في ميزان الشرع وحكمه في كل الأحوال،ولا داعي إلى التذكير بالنصوص الدالة على هذا من الكتاب والسنة ولعلها محفوظة.

ولكن بالعكس لأن النية السليمة قد تغني عن العمل في بعض الأحيان ولك عندما يملك المسلم صفاء القصد وخلوص النية لله عز وجل في الاتجاه إلى عمل ما،ولكنه لا يملك القدرة على تحقيق ذلك العمل،كتوجه قصده إلى مد يد العون المادي إلى فقير محتاج أو العون المعنوي إلى ضعيف يحتاج إلى خدمة أو رعاية أو رد غائلة عدوان،ولكنه ينظر فلا يجد لديه القدرة على ذلك.

مما لا ريب فيه أن النية وحدها في هذه الحالة تكفي وقد دلت على ذلك أحاديث كثيرة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

غير أن هذا الانفكاك لا يتأتى في إنفراد العمل عن القصد السليم المتمثل في الإخلاص لله عز وجل،بل كلما كان العمل المنفذ مرتبطاً بقصد غير سليم فهو عمل لاغ وباطل فيميزان الله وحكمه وقرار الله في ذلك نافذ لا مرد له. ((وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً)) الفرقان 25

إذا تبين هذا ،فتعال نسقط هذه الحكمة بل هذه القاعدة على أمثلة من أرض الواقع.

- رجل ركبته ديون مالية حان وقت سدادها رأى صاحب أو أصحاب هذه الديون مقبلين إليه من بعيد فاتجه مسرعاً إلى أقرب مسجد وأخذ يصلي سلسلة من النوافل الكثيرة مما لاشك فيه أن ليس لهذا المصلي أن يتصور أنه يمارس من صلاته عملاً يتقرب به إلى الله.

إذ إن الله لم يقمه من الطاعات والقربات في هذه الصلاة ،ذلك لأن قصده ليس التقرب بها إلى الله ولكن التهرب من سداد الدين.

عامل يشتغل في معمل ، انتهز فرصة أذان الظهر فترك عمله بحجة التوجه إلى صلاة الظهر،وتوضأ فأطال ثم دخل الصلاة فأطال منها ما شاء أن يطيل،ثم أخذ مجلسه في ظل ظليل وأسند ظهره إلى مكان مريح وأخذ يتشاغل بالأوراد الكثيرة أو بقراءة القرءان.

من الواضح أن هذه الصلاة بهذا الشكل لا تدخل في أنواع الأعمال المقربة إلى الله، لأنه إنما ابتغى بها الابتعاد عن العمل الذي هو بصدده بحثاً عن الراحة.

واحد من هؤلاء الذين ينشطون في أعمالٍ حركيةٍ خدمةً للإسلام وللدعوة الإسلامية فيما يزعمون، يعلم في قرارة نفسه أنه يبتغي من أنشطته التي يقوم بها، فائدةً دنيويةً من زعامةٍ أو مال أو مركزٍ سياسيٍ، جاء من يعتب عليه بأنه مقصرٌ في عباداتهِ، لا يستيقظ لصلاة الفجر إلا مع الشمس أو قبيلها، لا يتعهد نفسه بشيءٍ من تلاوة القرآن، فأجابه قائلاً: إن الله أقامه في أعمال الدعوة وخدمة الإسلام، ولم يقمه في العكوف على العبادات وتلاوة القرآن والأوراد!....... مما لا ريب فيه أن دعواه باطلة إذ إن عمله الذي ينصرف إليه غير مقترنٍ بروح الإخلاص لله عز وجل.

ثلةٌ من الأصدقاء توجهوا إلى بيت الله الحرام، وقد تطاوعوا فيما بينهم أداء الخدمات ورعاية مصالحهم الشخصية، رأى أحدهم أن يهرب من أعمال الخدمة المتمثلة في غسل الأطباق وتهيئة الطعام وتنظيف المنزل، فاتجه إلى الحرم يطوف آناً ويتلو القرآن آناً آخر، تاركاً لإخوانه تلك المهمة التي فرَّ منها، لا شك أن عمله الذي اختاره لنفسه لا يدخل في قول ابن عطاء الله "تنوعت أجناس الأعمال بتنوع واردات الأحوال" حتى ولو رأى هذا الرجل نفسه متميزاً عن إخوانه بدرايةٍ فقهية ومركزٍ علمي وديني مرموق ذلك لأن هذه المزية لا تجعله أهلاً لما اختاره لنفسه من الطواف والصلاة والقراءات دون غيرها من خدمات المنزل.

قد تجد صاحب تجارةٍ أو مصنع يلهثُ مسرعاً إلى أعماله التجارية أو الصناعية وينشط لذلك نشاطاً يذهب براحته وينسيه أكثر وظائفه الدينية باستثناء الأركان والفروض الأساسيةِ منها، فإذا جاء من يذكره بالله تعالى وواجباته والوظائف الدينية المنسية من حياته قال ألستم تقولون: تنوعت أجناس الأعمال بقدر تنوع واردات الأحوال؟ وها قد أقامني الله من أجناس الأعمال في عملي التجاري هذا! إن كلامه هذا غير مقبول وعمله غير مقبول وعمله ليس من الأعمال الصالحة الداخلة في أجناس هذه الأعمال وشؤونها من حيث هي عبادة متميزة أقامه الله فيها فهو لا يمارسها إلا ابتغاء وجه الله عز وجل.

وإنما هو متهافت عليها سعياً وراء حظ نفسه ولحاقاً بأحلامه الواسعة،الذي يضحي في سبيلها بالكثير من أوامر الله وحدوده.

وصفوة القول هي أن علينا أن نعلم ولا ننسى أن الأعمال الصالحة التي يأمر الله بها في محكم تبيانه ليست محصورة في قائمة الفرائض والأذكار الأساسية بل تشمل كل ما يحقق مصلحة من مصالح الناس من حيث الأفراد ومن حيث التركيبة الاجتماعية.على أن يراعى في أنواعها الترتيب الذي جاء به كتاب الله عز وجل وهو وضع مصلحة الدين في رأس المصالح كلها تليها مصلحة الحياة فالعقل فالنسل فالمال.

ولو صفة القلوب وخلصت النيات من الشوائب وهيمن الإخلاص لوجه الله تعالى على أفئدة العاملين على اختلاف أنواعهم وفئاتهم لرأيت أن كلمة المسلمين اليوم واحدة ولرأيت أن أمرهم بأيديهم ولرأيت أن هيبتهم وقوتهم ملء أفئدة أعدائهم وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون)) .