سيف السنة
21/05/2010, 06:13 PM
بقلم الشيخ الدكتور محمود أحمد الزين
العفو خلق إنساني كريم يدعو الناس في كثير من الأحيان ـ حين تذهب عنهم العصبية ـ إلى أن ينضموا إلى أهل هذا الدين ويدخلوا في نطـاق هـذا الدين الإنساني النبيل دين الإٍسلام .
العفو من أخلاق الفضل لا من أخلاق العدل فقط ، فالعدل أن تأخذ حقك من الآخرين والفضل أن تهب الناس ما لا يجب لهم عليك وتتنازل عن حقك لهم رحمةً وتفضلاً وإحساناً .
وقد حثنا الله عز وجل على العفو فقال تعالى : ( وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) وهذه الآية جاءت في مناسبة الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سمعة زوجته يوم حادثة الإفك وهو أمر قد يحسبه الناس هيناً وهو عند الله عظيم بل إن الله سبحانه وتعالى أمر بالعفو والصفح عن أهل الكتاب الذين كانوا يرغبون في أن يردوا المسلمين عن دينهم حسداً من عند أنفسهم فقال سبحانه وتعالى : ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير ) ولم يأمر بعقابهم إلا بعد أن تمادوا في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونقضوا عهده وتحالفوا مع أعدائه وحتى في حالة الحرب والتي اشتد فيها أذى المشركين أهل الأوثان يوم غزوة أحد حيث قتلوا من أصحابه سبعين رجلاً ومثلوا بهم أسوأ التمثيل أمر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم بالعدل عند الانتقام ثم حثهم على الصبر والعفو والتسامح فقال سبحانه : ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير الصابرين )
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته كلها يعامل الناس بالعفو والتسامح والإحسان فكان العفو عنده خلقاً دائماً إلا أن يجد أن الإنسان الذي عفا عنه لا يتعامل معه معاملة من يعترف بالعفو ويعترف بالحق بل يعامل النبي صلى الله عليه وسلم معاملة من يريد أن يستغل عفوه ويستغل رحمته حينئذٍ يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم معاقبة الحق لا معاقبة الظلم معاقبة العدل ـ الذي هو ميزان الله عز وجل ـ إذا لم ينفع الفضل مع ذلك الإنسان و كان على هذا الخلق مع الناس جميعاً منذ بعثه الله عز وجل إلى أن لقي الله تبارك وتعالى كان يعامل الأفراد بذلك وكان يعامل الجماعات بذلك وكان يسأل الله عز وجل للناس الرحمة مع أنهم قد ظلموه وهذا من أعظم أنواع العفو التي يمكن أن يأتي بها إنسان صاحب خلق إنساني رفيع .
رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه الله تعالى وأعلن دعوته للناس آذاه قومه إيذاءً شديداً وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما كان ساجداً عند البيت جاءه رجل من قريش فأخذ أقذار ذبيحة كانت قد ذبحت فألقاها على ظهره صلى الله عليه وسلم ومع ذلك ما نالهم من النبي صلى الله عليه وسلم إلا العفو و إلا الصفح .
كثير منهم آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إيذاءً شديداً وأظهر ما يُرى هذا في موقفه صلى الله عليه وسلم يوم الطائف سلط عليه أولئك الكافرون الرفضون دعوته سلطوا عليه سفهاءهم ومجانينهم وصبيانهم أن يرموه بالحجارة وأن يشتموه وخرج صلى الله عليه وسلم من الطائف والحجارة تصيب عقِبيه ـ أي قدميه من خلف ـ فتدمى أقدامه صلى الله عليه وسلم حتى إذا انتهى إلى خارج البلد جلس يدعو الله عز وجل فيقول صلى الله عليه وسلم في دعائه :
( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي اشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُحِلّ بي غضبك أو تُنْزل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ) يأتيه حينئذٍ ملك الجبال فيقول له : ( إن الله عز وجل أمرني أن أطيعك فيهم فإن شئت أن أطبق عليهم الجبال فعلت ) فما يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يقول : ( لا يا أخي عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله )
وهذا كثر منه صلى الله عليه وسلم كلما آذاه قومه كان يقول : ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون )
نعم ، الله تبارك وتعالى حث رسوله صلى الله عليه وسلم وحث أمة رسوله صلى الله عليه وسلم على العفو وبذلك كانوا يعاملون الناس وكانت هذه المعاملة سبباً لدخول كثيرين منهم في الإسلام .
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أصحابه وجاءه وفد من الأعراب قال سيدهم : يا رسول الله إن قومي قد أسلموا وإنه جاءتهم هذه السنة سنة قحط ولا نبات في بلادنا وإني أخشى أن يتشاءموا ويقولوا ما أصابنا هذا إلا من هذا الدين فلو أعطيتني شيئاً أنفقه عليهم خشية أن يتركوا هذا الدين ويتشاءموا به ولم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ شيء فإذا برجل يهودي يقال له : زيد بن سُعْنَة أو زيد بن سعية حسب اختلاف الروايات ، زيد هذا عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرضه مقداراً من التمر كبيراً على أن يعطيه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم القادم فأخذ منه النبي صلى الله عليه وسلم ليعطي أولئك المحتاجين .
يتبع باذن لله
العفو خلق إنساني كريم يدعو الناس في كثير من الأحيان ـ حين تذهب عنهم العصبية ـ إلى أن ينضموا إلى أهل هذا الدين ويدخلوا في نطـاق هـذا الدين الإنساني النبيل دين الإٍسلام .
العفو من أخلاق الفضل لا من أخلاق العدل فقط ، فالعدل أن تأخذ حقك من الآخرين والفضل أن تهب الناس ما لا يجب لهم عليك وتتنازل عن حقك لهم رحمةً وتفضلاً وإحساناً .
وقد حثنا الله عز وجل على العفو فقال تعالى : ( وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) وهذه الآية جاءت في مناسبة الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سمعة زوجته يوم حادثة الإفك وهو أمر قد يحسبه الناس هيناً وهو عند الله عظيم بل إن الله سبحانه وتعالى أمر بالعفو والصفح عن أهل الكتاب الذين كانوا يرغبون في أن يردوا المسلمين عن دينهم حسداً من عند أنفسهم فقال سبحانه وتعالى : ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير ) ولم يأمر بعقابهم إلا بعد أن تمادوا في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونقضوا عهده وتحالفوا مع أعدائه وحتى في حالة الحرب والتي اشتد فيها أذى المشركين أهل الأوثان يوم غزوة أحد حيث قتلوا من أصحابه سبعين رجلاً ومثلوا بهم أسوأ التمثيل أمر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم بالعدل عند الانتقام ثم حثهم على الصبر والعفو والتسامح فقال سبحانه : ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير الصابرين )
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته كلها يعامل الناس بالعفو والتسامح والإحسان فكان العفو عنده خلقاً دائماً إلا أن يجد أن الإنسان الذي عفا عنه لا يتعامل معه معاملة من يعترف بالعفو ويعترف بالحق بل يعامل النبي صلى الله عليه وسلم معاملة من يريد أن يستغل عفوه ويستغل رحمته حينئذٍ يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم معاقبة الحق لا معاقبة الظلم معاقبة العدل ـ الذي هو ميزان الله عز وجل ـ إذا لم ينفع الفضل مع ذلك الإنسان و كان على هذا الخلق مع الناس جميعاً منذ بعثه الله عز وجل إلى أن لقي الله تبارك وتعالى كان يعامل الأفراد بذلك وكان يعامل الجماعات بذلك وكان يسأل الله عز وجل للناس الرحمة مع أنهم قد ظلموه وهذا من أعظم أنواع العفو التي يمكن أن يأتي بها إنسان صاحب خلق إنساني رفيع .
رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه الله تعالى وأعلن دعوته للناس آذاه قومه إيذاءً شديداً وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما كان ساجداً عند البيت جاءه رجل من قريش فأخذ أقذار ذبيحة كانت قد ذبحت فألقاها على ظهره صلى الله عليه وسلم ومع ذلك ما نالهم من النبي صلى الله عليه وسلم إلا العفو و إلا الصفح .
كثير منهم آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إيذاءً شديداً وأظهر ما يُرى هذا في موقفه صلى الله عليه وسلم يوم الطائف سلط عليه أولئك الكافرون الرفضون دعوته سلطوا عليه سفهاءهم ومجانينهم وصبيانهم أن يرموه بالحجارة وأن يشتموه وخرج صلى الله عليه وسلم من الطائف والحجارة تصيب عقِبيه ـ أي قدميه من خلف ـ فتدمى أقدامه صلى الله عليه وسلم حتى إذا انتهى إلى خارج البلد جلس يدعو الله عز وجل فيقول صلى الله عليه وسلم في دعائه :
( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي اشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُحِلّ بي غضبك أو تُنْزل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ) يأتيه حينئذٍ ملك الجبال فيقول له : ( إن الله عز وجل أمرني أن أطيعك فيهم فإن شئت أن أطبق عليهم الجبال فعلت ) فما يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يقول : ( لا يا أخي عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله )
وهذا كثر منه صلى الله عليه وسلم كلما آذاه قومه كان يقول : ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون )
نعم ، الله تبارك وتعالى حث رسوله صلى الله عليه وسلم وحث أمة رسوله صلى الله عليه وسلم على العفو وبذلك كانوا يعاملون الناس وكانت هذه المعاملة سبباً لدخول كثيرين منهم في الإسلام .
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أصحابه وجاءه وفد من الأعراب قال سيدهم : يا رسول الله إن قومي قد أسلموا وإنه جاءتهم هذه السنة سنة قحط ولا نبات في بلادنا وإني أخشى أن يتشاءموا ويقولوا ما أصابنا هذا إلا من هذا الدين فلو أعطيتني شيئاً أنفقه عليهم خشية أن يتركوا هذا الدين ويتشاءموا به ولم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ شيء فإذا برجل يهودي يقال له : زيد بن سُعْنَة أو زيد بن سعية حسب اختلاف الروايات ، زيد هذا عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرضه مقداراً من التمر كبيراً على أن يعطيه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم القادم فأخذ منه النبي صلى الله عليه وسلم ليعطي أولئك المحتاجين .
يتبع باذن لله