المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : الصراع العربي الإسرائيلي – من وجهة نظر ألمانية


محمد بن سعيد الفطيسي
26/04/2010, 07:19 PM
عودة التاريخ – العالم بعد الحادي عشر من أيلول " سبتمبر " وتجديد الغرب – عنوان كتاب صدرت طبعته العربية الأولى بتعاون بين مؤسسة العبيكان وهيئة أبوظبي للثقافة والتراث "كلمة " في العام 2009م للسياسي الألماني المخضرم , ووزير الخارجية الألمانية السابق في عهد الرئيس الألماني السابق غيرهارد شرودر في الفترة من 1998م - 2005م , والأستاذ حاليا في جامعة برنستون الاميركية يوشكا فيشر 0
هذا الكتاب الذي تناول فيه مؤلفه الأستاذ السياسي الكبير يوشكا فيشر العديد من الأحداث والتطورات التاريخية الجيوسياسية الدولية الهائلة التي سبقت وتلت البداية الحقيقية للقرن الحادي والعشرين , - ونقصد بذلك – أحداث العام 2001م بالولايات المتحدة الاميركية من وجهة نظر صاحب الكتاب , وبالطبع فان هذا الكتاب يحمل بين طياته الكثير من الفكر والتحليل والنقد والاستشراف المستقبلي الذي يستحق التقدير والتمعن والاحترام , بالرغم مما حواه في كثير من فصوله السبعة من مغالطات تاريخية وجب الوقوف عندها لمزيد من التمحيص والنقد والتحليل الدقيق 0 – من وجهة نظرنا الشخصية بالطبع – 0
وتجاوزا لمئات الأوراق القيمة التي تستحق الوقوف عندها , فإننا سنقف تحديدا عند الفصل السادس منه , والذي عنونه المؤلف بـ" التحول الكبير , والشرقان الادني والأوسط " , وتحديدا عند النقطة التي تناول فيها الأستاذ يوشكا فيشر لب حزام الأزمات في الشرق الأوسط , - أي – الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين ,( الصفحات 247- 259 ) من هذا الفصل تحديدا , بالرغم من انه وللاماته قد طرح هذه القضية في أكثر من مكان في الكتاب 0
- وللأسف الشديد - , فان حال الأستاذ الكبير في رؤيته لهذا الصراع من منظور شامل , لم يتجاوز الرؤية السياسية والتاريخية الضيقة , وهو ما يقلص مساحة الصراع إقليميا , وينقص من قيمته الجيوسياسية الدولية , ويختصر سنوات طويلة من الكفاح والنضال السياسي والعسكري والثقافي الإقليمي مع إسرائيل في مساحة صغيرة لا تتجاوز المساحة الجغرافية الفلسطينية السليبة أصلا من قبل إسرائيل منذ الانتداب البريطاني , كما انه يؤكد افتقار الباحث المخضرم الى الحيادية في تناوله العديد من القضايا المطروحة في كتابه , وخصوصا تلك التي تدور حول الصراع العربي مع إسرائيل , وهو حال الكثير منا حين يتناول بالنقد والتحليل بعض الأحداث , وخصوصا تلك التي لا تتماشى وما يؤمن به من أفكار وتوجهات , أو يخالف رؤيته الثقافية والفكرية في كثير من الأحيان , وهو ما يجعل الباحث منا يفتقر الى ابسط أسس التحليل السياسي والنقد التاريخي للأحداث , ونقصد الحيادية 0
وقد تأثر فكر السياسي المخضرم هنا – من وجهة نظري – عاطفيا بالعديد من النظريات والأساطير والميثولوجيا الصهيونية التي روج لها من قبل الصهيونية العالمية خلال فترات تاريخية متفاوتة , هذا بالإضافة الى قوة اللوبي الصهيوني في ألمانيا متمثلا في " رابطة الحاخامات الألمان ", والتي كان لها الكثير من الأدوار في التأثير ثقافيا وفكريا وسياسيا على العديد من السياسيين والمثقفين الأوربيين ومن ضمنهم الألمان , نحو توجيههم نفسيا لتقبل مجمل الدعاوي والقضايا الإسرائيلية التاريخية والسياسية على أسس من الظلم والضعف 0
كما أننا لا يجب ان ننسى ما أحيط بالتاريخ الألماني من دعاوي من قبل الصهيونية , وهو ما جعل أعظم السياسيين الألمان في العصر الحديث يخضعون لتأثير تلك الفترة ولو بالتعاطف والميول النفسي , ويتجهون لتحمل بعض تبعاتها التاريخية والسياسية , وان كان ذلك بطريقة قلب الحقائق وتزييف التاريخ ونشر المغالطات والأباطيل 0
وربما أكون واحدا من تلك الأقلام التي كانت ولازالت فاقدة لهذه القاعدة في البحث العلمي في بعض الأوقات , وخصوصا عند تناول مثل هذه الأطروحات والأفكار التاريخية تحديدا , والتي تخضعني في بعض الأحيان الى الانجذاب للعاطفة الوطنية والقومية التي لا أتصور ان أجد باحثا دوليا يستطيع التملص منها ولو حاول بطريقة أو بأخرى , وهي تحديدا ما شد انتباهي لسبر أغوار تلك الفقرات في كتاب السياسي الألماني الكبير يوشكا فيشر , لذا فأنني حاولت اللجوء الى أسلوب التوثيق التاريخي والسياسي بقدر الإمكان تجنبا لهذا الخلل الذي قد يحسب على أي باحث سياسي 0
ففي بداية الأمر يقول ص 248 متحدثا عن الأحداث التي تلت قرار التقسيم وتأسيس دولة إسرائيل في 14 / 5 / 1948م بأنه وفي ذلك اليوم الذي انتهى فيه الانتداب البريطاني , وتحديدا بتاريخ 15 / 5/ 1948م ( بدأت الجيوش العربية هجومها على إسرائيل لإزالة هذه الدولة القومية اليهودية الوليدة من الخارطة ) , والحقيقة أن إسرائيل هي من انهمكت في إعداد خطط الحرب في اليوم الذي تلا قرار إقرار خطة الأمم المتحدة للتقسيم في 29 / 11 / 1947م , حيث صدرت أوامر لكافة اليهود الذين بلغت أعمارهم من 17 – 25 سنة بتسجيل أسمائهم للخدمة العسكرية 0
ففي 5 / نوفمبر – أمر الزعيم اليهودي ديفيد بن غوريون بالعمل العسكري الفوري لتوسيع المستوطنات اليهودية في ثلاث مناطق خصصت للدولة العربية في خطة الأمم المتحدة , كما أننا لا ننسى تاريخيا وفي هذا العام تحديدا , وهو العام الذي يسبق العام 1948م الذي تحدث عنه يوشكا فيشر كانت بداية العمل العسكري اليهودي ضد العرب في فلسطين ,وذلك من خلال تفعيل خطة " جيمل " العسكرية , وتأسيس جيش الهاغانا اليهودي السري 0
وفي في 19 / 12 / 1947م , أمر بن غوريون القوات اليهودية أن تضرب بروح أشد عدوانية , إذ قال : ينبغي في كل هجوم أن توجه ضربة حاسمة تؤدي الى تهديم المنازل وطرد السكان " وفي هذا السياق يقول عضو الكونجرس الاميركي السابق بول فندلي بأنه : عندما دخلت الجيوش العربية فلسطين في 15 / 5 / 1948م , كان اليهود قد قطعوا شوطا كبيرا في تنفيذ خططهم الحربية0
كما لم تخلو نظرة فيشر في هذا الجانب من نظرة التعصب الديني " الصليبي " , وتأثره بنظرية " صدام الحضارات " والتي اتضحت في بعض العبارات كقوله ( كان هذا الصراع آنذاك جزءا من المرحلة الأخيرة من مراحل الاستعمار الأوربي – وقوله : استمر هذا الصراع وتحول منذ خمسينيات القرن العشرين الى جزء من المواجهة بين الشرق والغرب ) 0
وبينما وصف في الصفحة 249 التصرفات الإسرائيلية تجاه العرب والفلسطينيين بالنضال الوجودي القومي والفردي, وليس فقط بالنضال السياسي , وهو ما دفعهم لتبني خيار القوة العسكرية والحربية , زج بتصرفات الطرف الآخر الإقليمي والفلسطيني في دائرة الإرهاب , والتهديد العسكري المستمر لوجود دولة إسرائيل , والجوار المعادي , وان كان ذلك بطريقة غير مباشرة ولكنها مفهومة , وذلك من خلال قوله : ( وبدأ في سنوات ما يسمى بتوزيع أرباح السلام , بعد انتهاء الحرب الباردة أنه اقترب من اللحظة التاريخية للحل السلمي , ليصبح الآن جزءا من الحرب ضد الإرهاب ) 0
وبالرغم من انه وفي الصفحات 251 – 252 وصف النشاط الاستيطاني الإسرائيلي المستمر في المناطق المحتلة بالعقبة أمام عملية السلام , إلا انه – وللأسف الشديد – حمل الطرف العربي والفلسطيني المسؤولية الأكبر عن تعثر عملية السلام تلك , مدعيا نزاهة الطرف الإسرائيلي في مساعيه السلمية , مشيرا الى ان الجانب الإسرائيلي كان على استعدادا دائم لمناقشة السلام مع جيرانه العرب بشكل عام والفلسطينيين تحديدا , وحول مجمل المسائل المتعلقة بذلك 0
والحقيقة بأنه وعند أي تدقيق في سجل إسرائيل التاريخي يظهر جليا خطأ ما أكده السياسي الألماني الكبير يوشكا فيشر , فإسرائيل كانت ولا زالت وستظل دائما تفضل الأرض على السلام , وترفض تقديم أي تنازلات في هذا الجانب , وليس أدل على ذلك مما سجله بن غوريون نفسه في يومياته عن نظرته للسلام بقوله : أن الهدنة تكفينا , فإذا سعينا وراء السلام سيطالبنا العرب بثمن يشمل الحدود أو اللاجئين أو كليهما 0
هذا بخلاف العديد من التصرفات الإسرائيلية السياسية والعسكرية منذ العام 1947م وحتى يومنا هذا , ولا ننسى الاعترافات الرسمية الإسرائيلية بهذا الخصوص , والتي تفضل الأرض والمماطلة كإستراتيجية بديلة للسلام حتى الساعة , هذا بخلاف الاعترافات الرسمية الاميركية التي تقر برفض إسرائيل لمبدأ الأرض مقابل السلام منذ تأسيسها , وعلى مستوى القيادات العليا , وذلك في فترة كل من الرؤساء ترومان وإيزنهاور ونيكسون وفورد وكارتر على سبيل المثال لا الحصر 0
وليرجع الى التاريخ كل من يشاء , وليسال نفسه من يشاء حول الطرف الذي رفض كل خطط السلام التي طرحت منذ ذلك الحين , بداية من مهمة مبعوث الأمم المتحدة الدبلوماسي السويدي غونار يارينغ , ومرورا مشروع روجرز في العام 1969م , وخطة كارتر للسلام في العام 1977م , وخطة الأمير فهد للسلام في العام 1981م , وليس انتهاء بخطة ريغن في 82 , وفاس العربية في 82 وخطة منظمة التحرير الفلسطينية في 1988م , وخطة بوش في العام 1989م , وغيرها الكثير بالرغم من ان بعض من تلك الخطط كانت تخدم المصالح الإسرائيلية أكثر من المصالح العربية 0
كما انه من الغريب أن ينظر يوشكا فيشر الى نضال شعب بأكمله ضد محتل غاصب لأرضه على انه إرهاب مسلح وعنف راديكالي , في وقت يتفهم فيه العديد من القادة العسكريين والسياسيين والكتاب والمثقفين الإسرائيليين ذلك التصرف فلا يسمونه بتلك التسمية , وعلى رأسهم دايفيد بن غوريون نفسه , ففي الكلمة التي ألقاها في العام 1938م أمام لجنة ماباي السياسية قال معلقا على ما يسمى اليوم " بالإرهاب " العربي بقوله : ( 0000 لسنا في مواجهة إرهاب , ولكننا أمام حرب , إنها حرب وطنية أعلنها علينا العرب , والإرهاب إحدى وسائل الحرب , إنها مقاومة ناشطة من جانب الفلسطينيين لما يعتبرونه اغتصابا لوطنهم من قبل اليهود , ولهذا يقاتلون ) نقلا عن كتاب السلام الغامض – دراسة للمشكلة الصهيونية العربية , لجون 0هـ 0 دايفيس , ص 141 – 142 0
وفي الصفحة 248 يقول معلقا على نتائج فشل الجيوش العربية في هجومها على إسرائيل , والذي هدف كما يشير لإزالة هذه الدولة القومية اليهودية الوليدة عن الخارطة ان تلك المحاولة الفاشلة أدت الى ( هجرة جماعية للشعب العربي الفلسطيني ) , ويعني بذلك الهجرة الطوعية , أو الهروب الطوعي الناتج عن انتهاء الحرب 0
والحقيقة أن ذلك كذلك من المغالطات التاريخية التي ألصقت كرها وزروا بتاريخ شعب عظيم كالشعب الفلسطيني , ولمن أراد أن يتعرف على حقيقة ذلك فليعود لبعض الدراسات الإسرائيلية المتعمقة والمنصفة لتلك الفترة الزمنية المغيبة , وننصح هنا على سبيل المثال لا الحصر بالكتب التالية : كتاب حرب 1948 العربية الإسرائيلية لادغار أوبالانس الصادر في لندن بالعام 1956م , وكتاب الضحايا الإبرار – الصورة الحقيقية في الصراع الإسرائيلي العربي لبني موريس , وكتاب السلام الغامض سالف الذكر 0
وفي هذا السياق يقول أ 0ف0ستون , وهو صحفي يهودي أمريكي , حاز سنة 1948م على وسام تقدير من أيرغون , وهي منظمة صهيونية سرية متطرفة : أن الحجة القائلة بان اللاجئين هربوا طوعا أو لان قادتهم حثوهم على ذلك حتى ما بعد انتهاء القتال , ليست قائمة على خرافة فحسب , ولكنها واهية أيضا , كما يمكن الرجوع في هذا السياق الى شهادة جون 0هـ0 دافيس , الاميركي الذي كان مفوضا عاما للانوروا لخمس سنوات , الى السبب الذي من اجله هرب هذا العدد من الفلسطينيين العرب من بيوتهم 0 انظر كتاب السلام الغامض ص 121 0
هذا بخلاف تسليمه بيهودية الدولة الإسرائيلية , بالرغم مما يترتب على ذلك من إجهاض لحقوق الفلسطينيين في إسرائيل , وان دولة إسرائيل هي وطن قومي لليهود , وإقراره بضرورة التفوق العسكري والاقتصادي الإسرائيلي , وضرورة ضمان وجودها ولو بوسائل القوة العسكرية , وذلك كضمان لنفسها ضد جوارها المعادي – بحسب وجهة نظره 0


باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية – رئيس تحرير صحيفة السياسي التابعة للمعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

الوطن العمانية - الاثنين 26 /4 / 2010

تلميذة افلاطون
26/04/2010, 07:24 PM
كلام رائع , لي تعقيب للمقال لاحقا
لكن خمن الان من اكون؟:):)

ابو معمر
26/04/2010, 07:24 PM
حاليا العرب يواجهون عدوين هم الكيان الصهيوني والكيان الايراني

محمد بن سعيد الفطيسي
26/04/2010, 10:38 PM
كلام رائع , لي تعقيب للمقال لاحقا
لكن خمن الان من اكون؟:):)

شكرا للمرور
في الانتظار مع خالص التقدير

تلميذة افلاطون
26/04/2010, 10:57 PM
شكرا للمرور
في الانتظار مع خالص التقدير

لا امزح معك

تذكر اسلوبي واحكم;)