المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : الانتخابات العراقية: جسر العبور وقناطره المتأرجحة


قياسي
01/04/2010, 07:51 AM
: ماجد أحمد السامرائي

اذا كان العرب السنة قد انتخبوا شيعياً فهذا يعني انهم ليسوا طائفيين مثلما هم اخوانهم الشيعة، فالقضية هي قضية تمثيل سياسي، وان شعار تمثيل الطائفة قد سقط على مذبح الانتخابات الأخيرة في العراق.

ميدل ايست اونلاين


ابتداء، فأن التوصيفات الطائفية التي ترد في هذا المقال لا تعبر عن انحياز للتقسيم السياسي الطائفي الذي غمرت موجته بلادنا بعد الاحتلال أي بعد أن تسّيد الطائفيون المشهد السياسي، فقد كنت ومازلت إلى جانب كثير من السياسيين الذين شخصوا أسباب الأزمة العراقية بكونها تعود إلى مخاطر تحالف الطائفية والاحتلال، وشعورنا انه اذا كان خطر الاحتلال وجرائمه بحق شعب العراق سيزول بعد رحيله وفق التزامات الادارة الأميركية الحالية، رغم مخلفاته الكارثية الحالية والمستقبلية، فان مخاطر الطائفية السياسية وبوجود زعمائها في الحكم لن تدمر البنيات السياسية في البلد حسب، وانما ستفكك كيان المجتمع العراقي الواحد وتحوله إلى طوائف واثنيات متناحرة يبحث كل منها عن حصصه في السلطة السياسية تحت ذرائع وتبريرات متعددة.

الملاحظة الثانية والمهمة هي ان الحاكم العسكري بريمر وبسبب أوهامه التي لقنها له المتعاملون معه من السياسيين العراقيين وبعضهم من "المحتالين" الذين لا تربطهم صله بمصالح الوطن والشعب العراقي، قد أدخل العراق في حقل من الألغام وتحت سماء معتمة حينما قرر وبمباركة الطائفيين دستوراً مدمراً لوحدة العراق وأهله وزارعاً للطائفية السياسية وضامناً لانفراد زعاماتها في الحكم. ولعل الظرف الاستثنائي الذي مر به البلد عامي 2003 و2004 والأخطاء التاريخية باجتهاد المقاطعة الكلية للعملية السياسية من قبل العرب السنة في محافظات الانبار وصلاح الدين ونينوى وديالى والقسم الأعظم من العاصمة بغداد واجزاء كبيرة من المحافظات الوسطى والجنوبية، قد وفر الفرصة الذهبية للاحزاب الدينية الشيعية وحلفائها من المنافقين السياسيين للاستفراد بالحكم تحت حماية قوتين عسكريتين واستخباريتين (الأميركية والايرانية) وجحافل المليشيات المسلحة التي نفذت أكبر مجزرة في التاريخ بعد مجازر الهولوكست في ألمانيا وصبرا وشاتيلا في لبنان ودير ياسين وغزة في فلسطين والبوسنة في يوغسلافيا، وذلك لتمهيد الطريق أمام الانتخابات الأولى عام 2005 والحصول على ما يسمى "بالشرعية الدستورية والديمقراطية ومحاربة الارهاب" ثم للقيام بأكبر عملية تهجير جماعي لأهل العراق إلى كل من الاردن وسوريا ومصر ولبنان حيث بلغ تعدادهم قرابة الخمسة ملايين حرم غالبيتهم من حق الانتخابات الأخيرة، حتى وكأن الدستور العراقي قد أعطى شارة التنفيذ للتهجير الجماعي حينما نص على "أن عرب العراق هم جزء من الأمة العربية" وليسوا هم البناة الأوائل واصحاب الرسالة الاسلامية التي ادخلت النور بعد الأصنام والنار في نفوس العرب والأعاجم. وما رافق صدوره من قوانين للانتخابات والاجتثاث لتتحول إلى قنابل موقوتة في أية لحظة مشاركة سياسية من خارج "المظلة الطائفية".


أروقة الحكومة


وقبل الحكم على ما جرى خلال الأربع سنوات الماضية من سلطة حزب الدعوة وحكمه العراق وما حصل خلال هذه السنوات في أروقة الحكومة من فساد مالي تحدثت عنه بصراحة ارقام المفتشين الأميركان والهيئات الرقابية العراقية رغم خضوعها للسلطة ومن تفشي للبطالة وانعدام الخدمات وهدر الثروة العراقية النفطية وتصاعد العنف الطائفي وقتل آلاف الكوادر العلمية والكفاءات العسكرية والمدنية العراقية، ومن تفريط بسيادة العراق وحدوده والسكوت أمام تجاوز القوات الايرانية واحتلالها لبئر الفكة الحدودي وعدم الاصغاء إلى صوت الشعب العراقي في محافظاته الجنوبية الذي خرج بالمظاهرات الكبيرة ضد هذا العدوان. حيث كانت هذه الحصيلة بمجموعها، اضافة إلى أن أولى أحكام الديمقراطية ومعاييرها "الاعتراف بالفشل" وتجبر الحكومة ورئيسها مكاشفة الشعب العراقي والاعتذار له وعدم تجديد أية ولاية ثانية لهذا الحزب.. مع ذلك فان هناك نقطتين جوهريتين في مجال الفكر السياسي لا بد من التنبيه اليهما في خضم الدخول في تفصيلات آليات العملية الانتخابية وما أفرزته من نتائج كشفت جزءاً من الهزيمة السياسية لحزب الدعوة. وهاتان النقطتان هما:

أولاً - ان حزب الدعوة ليس حزباً ديمقراطياً ليبريالياً وانما هو حزب ديني مذهبي آمن بالدعوية الشيعية واستند بناته الأوائل وفي طليعتهم المرحوم باقر محمد الصدر والحائري والآصفي ومحمد حسين فضل الله في لبنان.. على حكم الشريعة (الشيعية) وكانت "ولاية الفقيه" هي الأداة السياسية لهذا النوع من السلطة رغم التجديدات التي حصلت على مر تاريخه في التحول والخروج من عباءة ولاية الفقيه قادها فضل الله نفسه.

ولعل ما حصل في السنوات الأخيرة من انشقاقات متوالية وخروج أبرز الكوادر المثقفة كان آخرها خروج ابراهيم الجعفري وتأسيسه لحزب الاصلاح دليل على ذلك. بل ان حزب الدعوة ظل يؤمن خلال الثلاثين سنة الأخيرة بمبدأ الوصول الى الحكم عبر الثورة الشعبية الاسلامية على طريقة خميني في ايران ولا يؤمن بالتداول السلمي للسلطة أو المشاركة الوطنية أو المصالحة. ولعل حزب الدعوة رغم ما يتحدث عن نفسه من امتداد تاريخي لحركته، لم تذكر له تحالفات مع القوى العراقية الوطنية الناشطة في الخمسينيات والستينيات حيث سبق وان تأسست "الجبهة الوطنية" من أطراف معروفة (حزب البعث والحزب الشيوعي والاستقلال والحزب الديمقراطي الكردستاني والوطني الديمقراطي) أو فيما بعد بجبهة المعارضة ضد حكم صدام، وقد التحق في الأيام الأخيرة قبيل الاحتلال بأيام حين عرضت أميركا عليهم وعلى المجلس "هدية التاريخ": السلطة في العراق. وما شاهده المراقب من استجابة وتكييف مع الاحتلال في رفع شعارات الحكم الديمقراطي والتحالفات، هي استجابة ووفاء للأميركان لهذا العطاء السخي، قبل كونها تحولات جدية. ولعل ما نشاهده من خلافات سياسية مع حلفاء "الطائفة" في المجلس الأعلى دليل على ذلك مما يتطلب من طهران النافذة في العراق التدخل عبر تخويف الجميع من ضياع سلطة الشيعة.

كان هذا الحزب صاحب ثقافة المفخخات والتفجيرات في العراق التي سادت خلال الحرب العراقية الايرانية وحكم صدام، تحت أحكام "نظرية الكفاح الشعبي المسلح" وان تحالفه المرحلي مع المجلس الاسلامي الاعلى رغم خلافاتهما كان لصالح هذا الهدف، مع ان المجلس الاسلامي ليس حزباً سياسياً وانما نخبة من العلماء الأفاضل من عائلة الحكيم المعروفين تاريخيا بوطينيتهم ضد الاستعمار والاحتلال. وكانت هجرتهم إلى طهران خلال الحرب العراقية الايرانية تحت ظروف التصفيات الجسدية غير المبررة لتلك العائلة الكريمة من قبل نظام صدام. اضافة إلى قيام منظمات دعوية اخرى (كمنظمة العمل الاسلامي.

ولعل ما منح حزب الدعوة مكانته السياسية مع محدودية جماهبريته هو حملة التصفيات الجماعية التي نفذها النظام السابق ضده تحت ذريعة العمالة لايران في حربها ضد العراق. ولعل من الحقائق التاريخية ان من بين الأسباب الرئيسية الشخصية لمعارضتي لنظام صدام كانتا قضية "احتلال الكويت" وقضية وجوب توفير الأجواء الديمقراطية والحرية للأحزاب المعارضة في العراق بمن فيها حزب الدعوة بالعمل وفق دستور يقرره الشعب، لسبب مهم هو ان الحرية السياسية هي الأرضية السليمة وليست المزيفة لمعرفة حجوم الأحزاب الحقيقية لدى المواطن العراقي. فمن يثق بنفسه ومكانته بين الجمهور لماذا يخاف الآخرين؟ وهذا الخطأ التاريخي كرره حزب الدعوة نفسه في حملته الشعواء ضد البعثيين.


النتيجة المنطقية


النقطة الثانية.. ان انحسار الموجة العاطفية "المذهبية" بعد سبع سنوات على الاحتلال وعلى سقوط شعارات تمثيل الطائفة كان متوقعاً، وكانت النتيجة المنطقية هي تحمل الأحزاب الحاكمة استحقاقات تلك المحنة العراقية.. لأن الاحتلال العسكري أعلن عن رحيله، كما ان الوصول إلى قطعاته ليس يسيراً الا على حركة المقاومة العراقية الشريفة التي سيسجلها التاريخ كرمز أول للوطنية العراقية. وكان الخطأ التاريخي الآخر لأحزاب السلطة وفي مقدمتها حزب الدعوة وصفها ووصف من يتعاطف معها من العراقيين "بالارهاب" تيمناً بحكم المحتلين الأميركان.

ولهذا كان من الطبيعي أن تحدث المواجهة السياسية بين المواطن والحاكم، وتتحقق لحظة الحساب التاريخي.. لأن المسؤولية الوطنية ليست ورقة سهلة على طاولة المقامرين. وكانت أمام المالكي فرصة للخروج من صندوق الطائفية والتحول الصادق إلى مشروع وطني وبمشاركة واسعة دون تهميش أو اقصاء. وسبق لي أن نبهته الى ذلك في مقالات عدة في جريدة الزمان.

ان عدم حصول مواجهة دراماتيكة كان ناتجاً للوعي التدريجي الصادق للمواطن وهو الذي انفكت عنه - وخصوصاً مثقفوه - العزلة عن العالم الخارجي الذي سبق لصدام أن فرضها لاسباب أمنية فاشلة، وبأن العالم الجديد يؤمن بأن حكم الشعب يتحقق عبر الديمقراطية وليس بالكفاح المسلح ضد السلطة المدنية مهما بلغت شراسة دكتاتوريتها. وهناك سبب لوجستي آخر قد أبعد المواجهة الحادة وهي تأثير سلطة الحكم بجميع امكانياتها المدنية والعسكرية وهي حقيقة لا يمكن تجاهلها في الحالة العراقية كبلد من بلدان العالم الثالث ما زال الحاكم فيه يعتقد بأنه "جاء ليبقي" وسبب آخر هو ان حزب الدعوة يرى ولظروفه التعبوية والتنظيمية والجماهيرية وما أفرزته نتائج حكم الأربع سنوات ويظن ان فقدان السلطة لا يمكن تعويضه بالعودة إلى الشارع الذي قال كلمته في انتخابات مجالس المحافظات برفضه للطائفية ولرموزها.

لا تنفع الشعارات الاستهلاكية المتناقضة التي رفعها السيد المالكي في الأشهر القليلة الماضية سواء في شعار "الوطنية ورفض الطائفية" الذي اعتبره خصمه علاوي منهجاً لمشروعه منذ وقت ليس قصيراً أو في "المصالحة مع البعثيين" الذي انقلب عليه بعد نقد شديد من مريديه واعوانه داخل حزب الدعوة نفسه. ولهذا كان السلاح التكتيكي الأخير هو: استثمار المعطيات المدبرة في القوانين والاجراءات التي كان مستحضراً لها للجولة الأخيرة. وهذا ما يحصل حالياً في المشهد الأخير للانتخابات سواء في استخدام شعار "محاولة البعثيين التسلل بانقلاب أبيض تدعمه السعودية وعبر اقحام مجموعة من منتسبي البعث للبرلمان المقبل" والاتهامات الجاهزة وغير المنصفة ضد دول عربية كان لها دورها المعروف في دعم حزب المالكي وغيره للوصول الى الحكم. وكانت الخطة هي محاولة تقليل خسارة المالكي للحد الأدنى، وهو ما حصل فعلاً. ولعل المراقبين العارفين باللعبة وبطونها يدركون حقيقة ان فوز علاوي قد تحقق

- ليس لكونه بعثياً، لأنه لو كان كذلك ، فهذا يعني حتى لو كانت المساهمة البعثية جزئية بأن حزب البعث لديه جماهير واسعة وهي حقيقة مرة لا يستطيع حزب الدعوة أو غيره قبولها، وهو ما يعني ان مخطط الاجتثاث فاشل.

- ليس لكونه شيعياً فهو لم يطرح نفسه على هذا الأساس في حياته السياسية كلها. بل دائماً ما طرح نفسه كوطني عراقي مثله مثل الزعامات الوطنية النابذة للطائفية.

- الحقيقة الأخرى هي انه اذا كان العرب السنة قد انتخبوا شيعياً فهذا يعني انهم ليسوا طائفيين مثلما هم اخوانهم الشيعة فالقضية هي قضية تمثيل سياسي. وان شعار تمثيل الطائفة قد سقط على مذبح الانتخابات الأخيرة في العراق.

ان الحقيقة التي ربما لا يعرفها المالكي أو غيره أولا يريدون مواجهة مرارتها هي ان العراقيين جميعاً كانوا يبحثون عن مشترك خاص ينقذهم من مخاطر الطائفية التي حلت بالعراق وعزلته العربية غير المبررة، والخلاص من محنتهم وتشريدهم خارج الوطن، ولو كان غير علاوي قد التزم بها وطرحها كمشروع سياسي لانتخبوه.. وجدوا في هذا المشترك الطريق الوحيد والجسر الذي أرادوا عبوره للخلاص. وهذه هي المعطيات الحقيقية لفوز قائمة علاوي رغم مشهد الآليات التي ستسير وفقها لعبة الحفاظ على السلطة.

ولا أريد الدخول بسينوريوهات لا مجال لها الآن سواء ما يقال عن غياب القرار الأميركي القائل بتحجيم الدور الايراني رغم ما شهدته الساحة العراقية من تحولات أو سيناريو قرار ايراني بتدبير لعبة السلطة والاتفاق عل زعيم يحكم الموازنة من دون أن تفقد هي نفوذها الكبير لمنع وقوع كارثة فقدان السلطة التي قد يصفونها "بسلطة الشيعة" وهو وصف غير حقيقي، لأن الشيعة هم عراقيون أصلاء مشكلتهم كما مشكلة السنة والعرب والاكراد والتركمان والمسيحيين وغيرهم هي تخلصهم جميعا من "التهميش" بسلطة تمثلهم جميعاً ونظام يحافظ على هويتهم ووحدتهم.

مهما كانت سيناريوهات زعيم السلطة المقبلة، فان الخط الليبرالي النابذ للطائفية قد أختاره الشعب العراقي، رغم المخاوف التي كانت سائدة بين الأوساط العراقية، وأخذ طريقه في الصعود إلى مكانة المسؤولية. وتلك مرحلة مهمة في انهيار بنيان الطائفية في العراق.