المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : الحلم القديم - قصة مجزأة (3) -


خالد الشكيلي
27/04/2009, 02:31 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

(1)

"هيا يا محمد ، استيقظ" قالتها أم محمد بصوت دافئ وهي تتأمل ابنها الذي يكمل ربيعه التاسع عشر وهي تسترجع ذكريات مؤلمة وحزينة في الوقت ذاته ، فقد رحل أبو محمد عن الدنيا منذ عامين ولم يترك لهم سوى قطعة أرض صغيرة ودينا كبيرا قصم ظهره حيا ويكاد يهلك أولاده من بعده. محمد الفتى الأكبر من بين أربعة ، ذكران و وردتا المنزل التي تصبران محمد وأمه على الحياة وتكاليفه وهمومها.

من يرى محمد يكاد يجزم أنه قد تجاوز العشرين بعامين على الأقل ، فكيف لا يظهر ذلك على وجهه واقتد ابتلي ببلاء عظيم وعليه أن يتحمل قوت أهله جميعا ، فقد أصبح أبا دون أن ينجب وآمال أختيه معلقة عليه ، وعليه أن يسدد دين أبيه بانتظام كذلك وإلا فإن الدائنين لن يتورعوا عن سلبه آخر ما يملك.

"أصبحنا وأصبح الملك لله ، صباح الخير ، هل استيقظ عمر و عبدالله؟" قالها قبل أن ينحني ليقبل كف أمه وهي تجيب:"نعم قد سبقاك إلى المسجد ، إذهب كي لا تتأخر عن الجماعة" ابتسم محمد وهم بالخروج إلا أن أمه أضافت: "وأيضا لا تنسى ما أوصاك به جارنا أبا علي" ، قال محمد: "وكيف أنسى ، وهل يتركني هو أنسى؟" ثم ابتسم ابتسامة أخرى ومضى إلى المسجد .

لم يكن منزلهم بمنزل كبير ، فهو كأي منزل في حيهم غرفة للبنين وغرفة أخرى للبنات وسابقا عرفة للأب والأم إلا أنها أصبحت ضمن مكان الجلوس في المنزل والأم تنام بجانب ابنتيها الصغيرتين. لا يبعد البيت كثيرا عن المسجد وهو في وسط الحي تقريبا إلا أن بينهم وبين أقرب جار إليهم مسافة ليس من المعتاد فراغها في مثل هذه الأحياء القديمة لذلك فهم يعيشون في شبه عزلة عن جيرانهم.

بعد الصلاة خرج محمد وتبعه أخويه ، إلا أنه أوقفهما قائلا: "لا ، بل تمكثان ككل يوم وليس عليّ أن أذكركم بهذا دائما! وما إن تطلع الشمس فالحقا بي لنكمل ما بدأناه بالأمس" أطاعاه على مضض وتبرم إلا أنهم يحترمانه ويخشيان عقابه في الوقت ذاته! أما محمد فعاد إلى البيت وأخذ عدته ثم انطلق إلى منزل جاره أبا علي وانتظر أمامه قليلا حتى سمع قائلا يقول: "السلام عليكم ، باكرا كالعادة"، التفت محمد إلى صاحب الصوت ، فلم يكن سوى حسن أبو علي ، ولم يملك إلا أن يتفرس ملامحه كعادته دائما فجارهم هذا به من الملامح الشيء الغريب ، فهو قصير مقارنة بغيره وبه بعض البدانة ، جبهته كبيرة تلفت النظر أسفلها عينان صغيرتان تعتليهما حاجبان كثان وفي وسط وجهه الممتلئ أنفا حادة كأن بدانة صاحبها لا تعنيها وله فم كبير لم يبق الدهر فيه غير سن واحدة ، كل هذه الملامح تثير في نفس أحمد الضحك دائما إلا أن ضحكاته لا تخرج من فمه لكي لا يجلب على نفسه مصيبة أخرى إضافة إلى مصائبه ، أجاب أحمد: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، والأمر ينطبق علي كذلك يا سيدي ، فلم يسبق أن انتظرتك طويلا" ، قال حسن: "دعك من هذا الآن ، هل أحضرت عدة البناء؟" قال أحمد: "نعم وسيلحق بي عمر وعبدالله ما إن يفرغا من حلقة الذكر" ، تجهم وجه الجار وبدا عليه الضيق وقال: "ألا تعفيهما حتى تنتهي من عملي فأنا لا أحب الانتظار طويلا؟" ابتسم أحمد وقال: "لا تقلق ، إن هي إلا سويعات قليلة ، وأنا سأبدأ العمل من الآن وأعدك أن ننتهي في الوقت المحدد" ، قال حسن: "يحسن بك ذلك ، وإلا .. أنت تعرف ماذا" ، شحب وجه أحمد لوهلة ثم اشتعلت أعماقه غضبا وصمت لبرهة حتى هدأ قليلا وقال: "قلت لك لا تقلق ، فأنا لا أعطي وعدا لا أستطيع أن أفي به .. والآن لا تؤخرني عن عملي ولا أؤخرك عن عملك".

يتبع

منهل الرئيسي
27/04/2009, 04:53 AM
جميل جدًّا :):

متابع لك ...

ولكن، هل هذا مشروع رواية أم قصة قصيرة؟!

منهل الرئيسي
27/04/2009, 02:19 PM
للرفع ... :)

خالد الشكيلي
27/04/2009, 02:45 PM
جميل جدًّا :):

متابع لك ...

ولكن، هل هذا مشروع رواية أم قصة قصيرة؟!
سمها رواية قصيرة :كاشخ:

خالد الشكيلي
27/04/2009, 02:46 PM
للرفع ... :)
رفع الله قدرك أخي الفاضل :)

خالد الشكيلي
28/04/2009, 02:24 AM
(2)
ذهبت أم محمد لتوقظ (عائشة) أصغر بناتها والتي تبلغ من العمر ستة أعوام كعادتها كل صباح ، إلا أن هذه الفتاة تختلف عن أختها (مروة) كثيرا فالثانية تبدوا هادئة جدا أما هي بعكسها تماما ولا يعزى الأمر إلى فارق العمر فهو لا يتجاوز العامين ، ورغم أنه من المشهور أن المتأني في العادة يكون أذكى من المتعجل إلا أن هذا الأمر لا ينطبق على الصغيرة ، فمنذ صغرها عرفت بحدة ذكائها وحدة لسانها أيضا إلا أنها تطيع أمها طاعة عمياء عكس مروة التي تتمرد أحيانا عليها وعلى أخوتها مما يجعل الأمر متناقضا بعض الشيء بين الأختين! تأملت أم محمد عائشة قليلا وهمت أن توقظها إلا أنها عدلت عن ذلك وأيقظت أختها مروة بخلاف العادة قائلة: "مروة ، استيقظي" ، فتحت مروة عينيها بتكاسل وفغرت فاها لتتثاءب لولا أن قطعت عليها أمها بقولها: "استيقظي بسرعة!" ، انتبهت الصغيرة فجأة ونهضت من فراشها ثم قبلت يد أمها وقالت: "صباح الخير" ، قالت الأم: "صباح الخير ، اغسلي وجهك وخذي افطار إخوتك إليهم عند منزل جارنا أبو علي" قالت مروة: "ولكن هذا عمل عائشة وليس عملي" أجابت الأم بلهجة من يتصنع الغضب: "أنا أقرر عمل من هذا ، هيا بسرعة". لم تجادل الصغيرة طويلا وفعلت مثلما طلبت أمها .

خرجت الصبية من المنزل وهي تحمل زاد إخوتها وتدندن بلحن سمعته من إحدى الجارات ليس لأنها يعجبها ولكن لأنها لا تعرف غيره وهي تفكر بأبيها الذي رحل منذ فترة قريبة وكيف أنها لم تكن مجبرة على القيام بأي عمل في المنزل ، وثم تقارن بين أبيها وأخيها محمد فقد كان الأول أحن عليها من الثاني وكان نادرا ما يصرخ في وجهها أما محمد فمنذ توفي أبها تغير كثيرا ، فلم يعد ذلك الهادئ الذي لا يكاد يسمع صوته أبدا ، بل تحول على النقيض تماما فهو صارم جدا في كلامه لا يحب أن يجادله أحد أبدا ، إلا أنه ربما ينسى نفسه أحيانا فيعود محمد الوديع ولكن فترة النسيان هذه لا تطول كثيرا ما يلبث أن تعود الملامح الصارمة إلى وجهة وكأنما يحاول أن يخفي ملامحا حزينة تحت قناع الشدة! وبينما الفتاة غارقة في أفكارها هذه والتي تعاودها يوميا تسمع صوتا من بعيد يقول: "حتى متى نصبر؟ لا يبدوا أن الصبي مهتم بما عليه فعله ، بل ويماطلنا دائما ولا يعطينا شيئا أبدا متعللا بضيق الحال ، وأنا أعلم كم يدخل عليهم من أرضهم ومن بعض عملهم الآخر" وصوت آخر يرد عليه: "لعله الوقت المناسب في أن نعرض عليه ما اتفقنا عليه سابقا و .. " إلا أن صوتا ثالثا قاطعه قائلا: "أنت تعلم أنه لن يوافق فهو عنيد جدا" قال الصوت الأول: "وهل يملك خيارا آخر؟ سنذهب إليه اليوم ولنرى ما يكون منه".

بعد برهة من الوقت لمحت الصبية أخويها عبدالله و عمر في الطريق إلى منزل جارهم أبي علي فقال الأول بعد تحية الصباح: "وأخيرا ، مروة الكسولة تستيقظ باكرا" ثم أتبعه عمر قائلا: "ربما حملت على هذا حملا فلعل العصا أخرجتها من المنزل" ثم ضحكا معا ، فقالت مروة بغضب: "دعكما من هذا الآن ، خذا الفطور وأنا سأرجع إلى البيت" قال عبدالله: "إذا علم محمد بهذا فسيعاقبك عليه عقابا شديدا ، لأن عائشة كانت تأتي بالفطور إلى محمد فقط ولا تعطيه لأحد منا خشية أن يغضب عليها" قالت الفتاة وهي تسترجع ملامح أخيها :"أتراه يفعل حقا؟" أجاب عمر: "ما رأيك أن تجربي؟" إلا أنها أشاحت بوجهها عنه ومضت في طريقها والحوار الذي سمعته يدور في رأسها دون أن تفهم معناه ..

يتبع

منهل الرئيسي
28/04/2009, 11:10 AM
ما شاء الله عليك أخي العزيز :)


متابع لك بشغف

خالد الشكيلي
28/04/2009, 10:38 PM
(3)
منذ توفي أبو محمد و محمد يحاول جهده أن يحل مكانه في كل شيء ، العمل وإعالة الأسرة والقيام بالواجبات الاجتماعية ، وتربية أختيه وتوجيه أخويه ، ومع ذلك كلما اجتهد في هذا أحس أنه يبتعد عن الطريق الصحيح ويرى نفسه يبحر في بحر هائج الموج بقارب بدون شراع يكاد يقلبه البحر وهو لا يعرف السباحة ، إلا أنه دائما يفكر: "ماذا يمكن أن أفعل أكثر من هذا؟ توفي أبي وأنا صغير ومع ذلك عليّ القيام بجميع الأعمال ، وليت هذا فقط بل وعليّ تسديد كافة الديون التي خلفها والتي لا أعلم لما استدانها منهم أصلا!" ويرغب دائما أن يتوقف عند هذه النقطة إلا أنه يواصل تفكيره: "هل كل الناس فقراء؟ وهل سيكتب عليّ الفقر أبد العمر ، لو عاش أبي أطول لأصبحت فارسا ، عندها لن يجرؤ رجل من أمثال الخسيس عثمان أن يرفع صوته عليّ ، سأصبح فارسا يوما وسأنتقم منهم جميعا" ليستفيق بعد ذلك من أحلامه إلى الواقع فيجد نفسه كما هو بل وتنطلق لسانه لتسخر منه: "ليت الأحلام تعطيني ذهبا".

منذ فترة عرض عليه جاره أبو علي عرضا رأى محمدا فيه بعض الخلاص أول الأمر إلا أن تسرعه لم يترك له مجالا للتفكير ، فقد كان عرض الجار أن يقوم محمد وأخويه ببناء بيت بجانب بيته لقاء أن يسدد عنه بعض دين أبيه واتفقا على هذا أمام جمع من الناس ومحمد يمني نفسه بأن جارهم البخيل قد رق عليهم أخيرا ولم يدر أن جارهم البخيل هذا ما أراد إلا استغلال حاله وحال عائلته وحسب ولا يهمه يؤول إليه أمرهم بعد ذلك ، ووجد محمدا نفسه مرغما على بناء المنزل في عدة أيام مقابل أجر زهيد وإلا لو تأخر يوم أنقص منه بعضه ، ومحمد دائما ما يتوعد جاره هذا بالانتقام ولكنه لا يأبه له كما لا يأبه له أحدا آخر ، فما حيلته وكيف ينتقم وهو لا يجد قوت يومه !

انهمك محمد في عمله حتى طلعت الشمس ولم يقطع عليه ذلك سوى صوت أخته مروة تحييه ومن وراءها عمر و عبدالله ، فقال محمد: "مروة ، على غير العادة" ثم أضاف: "ولكن أين عائشة؟ أهي مريضة؟" قالت مروة:"كلا ليست مريضة ، ولكن أنا أصررت على أن أحضر الطعام اليوم" ابتسم محمد لولا أن قال عمر: "أصررت؟ أم دفعتي إلى هذا دفعا؟ هل اخبر محمد بما أخبرتنيه في الطريق؟" ثم ضحك فتابع عبدالله: "لا تخافي فلن أترك محمدا يمسك أبدا" تجهم وجه محمد قليلا وهو يستمع إليهم ثم قال: "دعكم من هذا الآن ، فأمامنا عمل كثير" ثم التفت إلى مروة قائلا: "وأنت عودي الآن إلى البيت وانظري طريقك" فهمت مروة أن ترجع لولا أن تذكرت فجأة أمرا كادت أن تنساه فقالت: "محمد ، من يسكن على جانب الطريق هناك؟" وأشارت بيدها إلى الموضع الذي سمعت عنده الحوار ، فأجاب محمد: "عثمان ، ولكن لماذا تسألين؟" قالت مروة:"لا شيء .. فقط أسأل" وهمت بالانصراف حينها نادها محمد: "انتظري!" ونهض خلفها: "لماذا تسألين يا مروة؟ اصدقيني القول؟" قالها محمد بصوت خافت ، فعاود طيف محمد الصارم عقل الفتاة وارتعشت رعشة خفيفة أجابت بعدها: "وأنا آتية سمعت من يتكلم بكلام لم أفهمه!" نظر إليها محمد قليلا وقال: "أي كلام؟" تنهدت الصغيرة وروت عليه الحوار الذي سمعته في طريقها ومحمد يصغي ووجه يزداد احمرارا مع كل كلمة تقولها وحين سكتت قال محمد: "ألم تميزي الأصوات؟ ألم يذكروا الوقت الذي سيأتون فيه؟" نفت الصغيرة ذلك وقالت: "هل تعرفهم يا محمد؟" تجاهل محمد سؤالها والتفت إلى عبدالله وقال: "اصحب مروة إلى البيت ولا ترجع إلى هنا ، فإذا جاء أحد يريدني فأسرع إلي بالخبر" أطاعه عبدالله دون أن يستفسر وذهب إلى البيت تاركا أخواه خلفه وسؤال واحد يدور في رأسه ، لماذا؟

يتبع

يحيى الراهب
28/04/2009, 10:39 PM
متابعون لهذا السرد.

كلكم بدأتم تميلون للسرد القصصي.

بوركتم.

خالد الشكيلي
28/04/2009, 10:42 PM
متابعون لهذا السرد.

كلكم بدأتم تميلون للسرد القصصي.

بوركتم.
أهلا أستاذي ..
هذا أسلوبي منذ زمن وليس وليد اليوم ، إلا أن هذه مشروع رواية أكثر مما هي قصة قصيرة ..

شكرا :)

منهل الرئيسي
29/04/2009, 09:52 AM
لا تتأخر في إنزال الفصل الرابع :كاشخ:

خالد الشكيلي
01/05/2009, 01:38 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجزء الرابع سيتأخر لعدة أيام بسبب الظروق ، ولكني أعدكم بأنه سيكون أطول من الأجزاء السابقة ..

بارك الله فيكم ..

بدر العبري
02/05/2009, 01:56 PM
حسناً يبدو أننا سنضطر للإنتظار حتى نُعلق على القصة.

لا تطل علينا يا ماستر. :)