عرض الإصدار الكامل : لغز الخبرة الواعية
أوميجا
01/02/2009, 02:15 PM
لغز الخبرة الواعية (http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=1031)(*)
وأخيرا شرع علماء الأعصاب في سبر أغوار واحد من أعمق
أسرار الوجود. بيد أن معرفة الدماغ وحده قد لا توصلهم إلى كُنْهِهِ.
<J .D. تشالمرز>
تُعدّ الخبرة الواعية conscious experience أكثر الأمور المألوفة في الحياة، وأكثرها غموضا في آن معا. فلا شيء نعرفه معرفة مباشرة أكثر من الوعي، ولكن من الصعب التوفيق بينه وبين أي شيء آخر نعرفه. إننا نتساءل: لماذا يوجد الوعي؟ وما وظيفته؟ وكيف يتسنى له أن ينشأ عن سيرورات process عصبية في الدماغ؟ وتعدُّ هذه الأسئلة من أكثر الأسئلة أهمية في العلم.
يمكن فهم الدماغ نسبيا من وجهة نظر موضوعية. فحينما تنظرُ إلى هذه الصفحة، تجد الكثير من السيرورات: ضربُ فوتوناتٍ لشبكية عينك، ثم مرور إشارات كهربائية في عصبك البصري وخلال عدة مناطق من دماغك، وأخيرا فإنك قد تستجيب ببسمة أو بعبسة متحيِّرة أو بتعليق. وهناك أيضا جانب ذاتي؛ فحينما تنظر إلى هذه الصفحة فإنك تعيها لكونك تَخْبَر صورها وكلماتها كجزء من حياتك العقلية الخاصة. يكون لديك أيضا انطباعات جلية عن الأزهار الملونة والسماء المتقلبة، وفي الوقت ذاته قد تشعر ببعض الانفعالات وتكوِّن بعض الأفكار. إن هذه الخبرات جميعها تشكل الوعي: الحياة الداخلية الذاتية للعقل.
لقد تجنّب الباحثون الخوضَ في موضوع الوعي سنوات عديدة عند دراسة الدماغ والعقل. وكانت النظرة السائدة أن العلم الذي يعتمد على الموضوعية لا يستطيع استيعاب شيء بهذا القدر من الذاتية subjectivity مثل الوعي. فقد ركَّزت الحركة السلوكية في علم النفس ـ التي سادت في بواكير هذا القرن ـ على السلوك الخارجي، ولم تسمح بأي حديث عن السيرورات العقلية الباطنة. وبعدها أدى ظهور علم المعرفة (الاستعراف) cognitive science إلى تركيز الانتباه على السيرورات التي تجري داخل الرأس. أما الوعي فقد بقي ومازال خارج إطار التناول.
ولكن على مدى السنوات القليلة الماضية، تزايد عدد علماء الأعصاب وعلماء النفس والفلاسفة الرافضين لفكرة كون الوعي شأنا لا يمكن دراسته وحاولوا التنقيب عن أسراره. وكما هو متوقع في مجال جديد كهذا، هناك العديد من النظريات المختلفة والمعقَّدة التي غالبا ما تستَخْدِمُ مفاهيم أساسية بأساليب متنافرة. ومن أجل المساعدة على حل خيوط هذا التعقيد يبدو التفكير الفلسفي أمرا حيويا وأساسيا.
وتتراوح الآراء الكثيرة في هذا المجال ما بين نظريات الاختزاليين reductionist الذين يرون إمكانية تفسير الوعي بالطرائق المُقَنِّنة لعلم الأعصاب وعلم النفس ، وبين ما يدّعيه الغموضيون mysterians من استحالة فهم الوعي على الإطلاق. وأعتقد أنه بالاستناد إلى التحليل الدقيق يتبين خطأ كلا الرأيين وأن الحقيقة تحتل مكانا وسطا بينهما.
http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N2-3_H03_008599.jpgقد يكون التحديق في ذواتنا الداخلية أمرا مُحْبِطا
سأجادل ضد الاختزالية بأن أدوات علم الأعصاب لا تستطيع تقديم تفسير كامل للخبرة الواعية مع أنها تمتلك الكثير لتقديمه، كما سأتمسك ضد الغموضية بأن الوعي يمكن تفسيره بنظرية من نوع جديد. صحيح إن التفاصيل الكاملة لمثل هذه النظرية لاتزال بعيدة المنال؛ ولكن التفكير المتأنّي، إلى جانب بعض الاستدلالات المعرفية، يمكن أن يكشفا شيئا ما من طبيعتها العامة. فمثلا، ربما تتضمن هذه النظرية قوانين أساسية جديدة، وقد يؤدي مفهوم المعلوماتية دورا مركزيا فيها. وتوحي مثل هذه الومضات بما يكون لنظرية كهذه حول الوعي من عواقب مفزعة في شأن نظرتنا إلى الكون وإلى أنفسنا.
http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N2-3_H03_008600.jpg
يعرف عالم الأعصاب المنعزل في غرفة سوداء وبيضاء كلَّ شيء عن الكيفية التي يعالج بها الدماغ الألوان، ولكنه لا يعرف ماذا تشبه تلك الألوان لكي يراها. وتوحي هذه الخطة بأن معرفة الدماغ لا تعطي معرفة كاملة بالخبرة الواعية.
أوميجا
01/02/2009, 02:19 PM
المشكلة الصعبة
يستعمل الباحثون كلمة الوعي بأشكال مختلفة. وحتى تتضح الأمور، علينا أولا أن نفصل المشكلات التي غالبا ما تتجمع تحت هذا الاسم. ومن أجل هذا الغرض، أرى من المفيد أن نميز بين المشكلات السهلة» والمشكلة الصعبة» في الوعي. أما الأولى فليست تافهة على الإطلاق (إذ إنها تمتلك من التحدي في الواقع ما تمتلكه أكبر مشكلات علم النفس والبيولوجيا)، ولكن المشكلة الصعبة هي التي يكمن فيها الغموض المركزي.
تتضمن المشكلات السهلة للوعي ما يلي: كيف يستطيع الإنسان أن يميّز المنبهات الحسية، وأن يستجيب لها بشكل مناسب؟ وكيف يحقق الدماغ التكامل بين المعلومات الواردة من عدة مصادر مختلفة، ويستخدم هذه المعلومات للتحكم في السلوك؟ وكيف يستطيع الأفراد التعبير بالكلام عن حالاتهم الداخلية؟ ومع أن هذه الأسئلة تكون مصحوبة بالوعي، فإنها جميعا تخص الآليات الموضوعية للمنظومة المعرفية cognitive system. ومن ثم، فإننا نمتلك جميع الأسباب لأن نتوقع أن يجيب العمل المستمر في علم النفس المعرفي وعلم الأعصاب عن هذه الأسئلة.
http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N2-3_H03_008601.jpg
قد يبقى الوعي، الذي هو الخبرة الشخصية عن الذات الداخلية، ظاهرة خارج متناول علم الأعصاب إلى الأبد. وحتى الإلمام التفصيلي بآليات عمل الدماغ والقرائن العصبية للوعي قد يفشل في تفسير كيفية وسبب امتلاك البشر عقولا تعي ذاتها.
وعلى النقيض من ذلك، فإن المشكلة الصعبة هي السؤال عن الكيفية التي تقوم بها السيرورات الفيزيائية(1) في الدماغ لتكون السبب في الخبرة الذاتية. فعندما نرى، على سبيل المثال، نَخْبَر إحساسات بصرية مثل اللون الأزرق الزاهي؛ أو نفكر في صوت المزمار البعيد الذي يفوق الوصف أو كرب الألم المبرح أو بريق السعادة أو الخاصية التأملية للحظة الاستغراق في التفكير. إنها جميعا جزء مما أسميه الوعي. إن هذه الظواهر هي ذاتها التي تطرح السر الحقيقي للعقل.
لعل علم الأعصاب قادر على شرح الوعي وتفسيره
<F. كريك> ـ <Ch. كوخ>
إننا نعتقد في الوقت الحالي أن أفضل مدخل لمشكلة تفسير الوعي يتمثل في التركيز على اكتشاف ما يُعرف بالمتعلقات العصبية neural correlates للوعي، أي ما يجري في الدماغ من سيرورات تعتبر المسؤولة مباشرة عن الوعي. فإذا حددنا مواقع الخلايا العصبية في القشرة المخية التي ترتبط جيدا بالوعي، وتعرَّفنا أسلوب اتصالها بالخلايا العصبية الأخرى في أرجاء الدماغ، فقد نتوصل إلى الفهم الأساسي لما يدعوه <J .D. تشالمرز> المشكلة الصعبة»: ألا وهي الوصف الكامل للطريقة التي تنشأ بها الخبرة الذاتية انطلاقا من هذه السيرورات المخية.
إننا نُطْري على تشالمرز تعرُّفه الجسور وتركيزه على المشكلة الصعبة في هذه المرحلة المبكرة، وإن كنا غير متحمسين لبعض تجاربه الفكرية. وفي رأينا فإنه يمكن تقسيم المشكلة الصعبة إلى بضعة أسئلة: لماذا نَخْبَرُ الأشياء أصلا؟ وما الذي يقودنا إلى خبرة واعية معينة (مثل الزرقة» لما هو أزرق)؟ ولماذا يستحيل نقل بعض جوانب الخبرة الذاتية إلى الناس الآخرين (وبكلمات أخرى لماذا تكون هذه الجوانب خاصة)؟ نعتقد أننا نمتلك جوابا عن هذه المسألة الأخيرة مثلما نمتلك اقتراحا للمسألتين الأوليين يدور حول ظاهرةٍ تُعْرف بالتمثيل العصبوني الصريح(2).
ماذا نعني بالصريح» في هذا السياق؟ لعل أفضل طريق لتعريفه إنما يكون من خلال مثال عليه. فبالاستجابة لصورة وجه ما، على سبيل المثال، تنبعث الدفعات إلى الخلايا العقدية ganglion cells في أرجاء شبكية العين، على نحو يشبه جدا العنصورات (الپيكسلات) على شاشة التلفزيون، لتعطي وصفا ضمنيا للوجه. وفي الوقت نفسه تستطيع الخلايا العقدية أن تستجيب أيضا للعديد من المعالم الأخرى في الصورة (مثل الظلال والخطوط والضياء غير المتجانس وغيرها). وعلى النقيض من ذلك فإن بعض الخلايا العصبية العالية في سلم الترتيب للقشرة المخية البصرية تستجيب أساسا للوجه، أو حتى للوجه المشاهد من زاوية معينة. وتساعد مثل هذه الخلايا العصبية الدماغَ على تقديم الوجه بطريقة صريحة (ظاهرة). ويؤدي فقدان هذه الخلايا (بسبب سكتة دماغية أو أذية أخرى في الدماغ) إلى عَمَهِ تشخيص الوجوه prosopagnosia، الذي يعني عجز الفرد عن تعرُّف الوجوه المألوفة له بشكل واع، وحتى وجهه هو نفسه، وإن كان الشخص لايزال يستطيع تحديد الوجه كوجه. وعلى نحو مشابه، يمكن أن تؤدي الأذية في أقسام أخرى من القشرة المخية البصرية إلى فقدان قدرة المرء على خبرة اللون، في حين أنه لايزال يرى الأشياء في ظلال من الأسود والأبيض على الرغم من عدم وجود عيب في المستقبلات اللونية بالعين.
وفي كل مرحلة، يعاد تكويد المعلومة البصرية، تماما مثل الأصل في طريقة شبه مرتبة ترتيبا هرميا. وتستجيب الخلايا العقدية في الشبكية لبقعة من الضوء. إن العصبونات في القشرة المخية البصرية الأولية أكثر ما تكون براعة في الاستجابة للخطوط والحواف edges في حين تفضِّل العصبونات الأكثر علوّا من سابقتها الكفاف contour المتحرك؛ أما الخلايا العصبية الأكثر علوا من سابقتها، فهي تلك التي تستجيب للوجوه والأشياء المألوفة الأخرى. وتقع في القمة تلك الخلايا المسؤولة عن التركيب قبل الحركي pre-motor structure والحركي في الدماغ، حيث تنبعث الدفعات إلى الخلايا العصبية التي تبدأ منها أفعال مثل الكلام وتفادي حافلة مقتربة.
يعتقد تشالمرز، مثلما نعتقد نحن، أن الجوانب الذاتية للخبرة لا بد أن تكون على علاقة وثيقة بانبعاث الدفعات الموصلة للخلايا العصبية المقابلة لتلك الجوانب (المتعلقات العصبية). ويصف تشالمرز تجربة فكرية معروفة جيدا، تدور حول عالمة أعصاب مُفترَضة اسمها ماري، متخصصة في إدراك الألوان من دون أن يسبق لها رؤية لون ما. ولكننا نعتقد أن سبب عدم معرفة ماري ماذا يشبه رؤية لون ما، إنما يعود إلى كونها لم تمتلك يوما أي وصف عصبي صريح للون في دماغها، فكل ما تمتلكه في هذا الشأن الكلمات والأفكار المرتبطة بالألوان.
ومن أجل وصف خبرة ذاتية بصرية، لا بد من تحول المعلومات إلى مرحلة الخَرْج الحركي motor output stage للدماغ حيث تصبح متاحة للتعبير بالكلام أو الأفعال الأخرى. ويتضمن هذا التحول على الدوام إعادة تكويد المعلومات، لذا فإن المعلومة الصريحة المعبر عنها من خلال الخلايا العصبية الحركية ترتبط، لكن ليس بشكل تام، بالمعلومة الصريحة المعبَّر عنها من خلال الشحنة الموصلة للخلايا العصبية المرتبطة بخبرة اللون، في بعض مستويات التنظيم الهرمي البصري.
وهكذا فليس من الممكن أن ننقل بدقة بالكلمات والأفكار طبيعة الخبرة الذاتية، بل من الممكن نقل الفروق بين الخبرات الذاتية ـ بهدف التمييز بين الأحمر والبرتقالي مثلا. ويعد هذا ممكنا بسبب أن الفرق في منطقة القشرة البصرية العالية المستوى، سيظل مرتبطا بالفرق بين المراحل الحركية. ونصل من ذلك إلى أننا لن نستطيع إطلاقا أن نشرح للناس الآخرين طبيعة أي خبرة واعية، وإنما شرح علاقتها بالخبرات الواعية الأخرى.
أما بالنسبة للسؤالين الآخرين المتعلقين بلماذا نمتلك خبرات واعية، وما الذي يؤدي إلى خبرات محددة، فيبدوان أكثر صعوبة. ويقترح تشالمرز بهذا الصدد أنهما يتطلبان تقديم الخبرة على أنها معلم أساسي جديد للعالَم يتعلق بقدرة الكائن المتعضي على معالجة المعلومات. ولكن، أيُّ أنماطٍ من معلومات الخلايا العصبية يولد الوعي؟ وما الذي يجعل نمطا معينا من المعلومات يقابل زرقة الأزرق بدلا من خضرة الأخضر؟ إن مثل هذه المشكلات تبدو صعبة بقدر صعوبة أي مشكلة في نطاق دراسة الوعي.
إننا نفضل مدخلا بديلا يتضمن مفهوم المعنى. فإذا تساءلنا، بأي إحساس تستطيع الخلايا العصبية التي تكود الوجه بشكل صريح أن تنقل معنى الوجه إلى سائر الدماغ؟ إن مثل هذه الخاصية يجب أن تتعلق بالمجال الإسقاطي projective field للخلية، أي بنموذج مركز اتصالات الخلايا العصبية التي تكوِّد بشكل صريح الأفكار المرتبطة بها. وفي النهاية، تمتد هذه التوصيلات إلى الخرج الحركي motor output. فمثلا، قد تكون الخلايا العصبية التي تستجيب لوجه معين على اتصال بالخلايا العصبية التي تعبر عن اسم الشخص صاحب ذلك الوجه، وكذلك على اتصال بالخلايا العصبية المسؤولة عن صوته وعن الذكريات التي تحويها وغير ذلك. ويجب أن تكون هذه الارتباطات بين الخلايا العصبية مفيدة سلوكيا، أي إنها بكلمات أخرى، لا بد أن تكون متسقة مع تغذية راجعة من الجسم والعالم الخارجي.
إن المعنى الذي نستمده من نسق الرابطة بين هذه المتشابهات والأخرى التي تنتشر في أرجاء المنظومة القشرية في شبكة ارتباطية واسعة، يماثل القاموس أو قاعدة البيانات المترابطة. فكلما تنوعت هذه الاتصالات ازداد ثراء المعنى، فكما في مثالنا السابق عن عَمَه تشخيص الوجوه، إذا أعيقت مخرجات توصيلات الخلايا العصبية لهذا الوجه فستبقى الخلايا تستجيب لوجه الشخص ولكن لن يرافق الاستجابة معنى ولذلك تقل الخبرة إلى حد كبير. وهكذا يمكن رؤية الوجه ولكن لا يتم تعرفه.
وبالطبع، يمكن أن تتولى مجموعات الخلايا العصبية وظائف جديدة تسمح للدماغ بأن يتعلم أنماطا جديدة (ومنها الوجوه) وأن يربط أنماطا جديدة بتلك القائمة. وتعتبر بعض الارتباطات الأولية، مثل الألم إلى حد ما، فطرية. لكنها تُصْقل فيما بعد أثناء الحياة.
قد تكون المعلومات حقا هي المفهوم الأساسي حسبما يظن تشالمرز. ولكن تأكيد ذلك سيتطلب مراعاة مسارات متوازية بدقة من المعلومات تترابط معا مثل الخلايا العصبية في شبكات معقدة. وسيكون من المفيد أن نحاول تحديد المعالم التي ينبغي أن تتخذها الشبكة العصبية (أو غيرها مثل التضمين الحاسوبي computational embodiment) كيما تنتج معنى. ومن الممكن أن تقترح مثل هذه المجهودات الأساس العصبي للمعنى. وعندئذ قد تظهر المشكلة الصعبة للوعي بمنظور جديد تماما، أو حتى ربما تختفي.
كريك أستاذ أبحاث متميز في معهد سولك للدراسات البيولوجية بسان دييگو. أما كوخ فأستاذ الحاسوب والمنظومات العصبية في معهد كاليفورنيا للتقانة.
http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N2-3_H03_008602.jpg
ينبه مثلث كانيزا kaniza triangle الخلايا العصبية التي تكوِّد بشكل صريح حدود هذا الشكل الخادع.
ومن أجل إيضاح ذلك التمييز سندرس تجربة فِكْرٍ» ابتكرها الفيلسوف النمساوي <F. جاكسون>. لنفترض أن ماري هي عالمة أعصاب في القرن الثالث والعشرين وتتميز بكونها خبيرة عالمية رائدة في عمليات الدماغ المسؤولة عن رؤية الألوان. ولكن ماري أمضت عمرها كله في غرفة بالأبيض والأسود، ولم تر قط أي لون آخر. إنها تعرف كل شيء ينبغي معرفته عن السيرورات الفيزيائية في الدماغ (بيولوجيته وبنيته ووظيفته). إن هذا الفهم يمكِّنها من أن تستوعب كل شيء ينبغي معرفته عن المشكلات السهلة: الطريقة التي يميز الدماغ بها المنبهات، ويكامل بها المعلومات، وينتج بها التقارير اللفظية. ومن معرفتها برؤية اللون فهي تعرف الطريقة التي تقابل بها أسماء الألوان الأطوال الموجية في الطيف الضوئي. ولكن يبقى هناك أمر أساسي حول رؤية اللون تجهله ماري: ألا وهو ما عساها أن تشبه خبرة لون ما كالأحمر. وهذا يعني أن هناك حقائق عن الخبرة الواعية لا يمكن استنباطها من الحقائق الفيزيائية المتعلقة بوظائف الدماغ.
حقا، لا أحد يعرف مطلقا لماذا يصحب هذه السيرورات الفيزيائية خبرة واعية. لماذا تتملكنا خبرة الأرجواني القاتم حينما تعالج عقولنا ضوءا ذا طول موجة معينة؟ ولماذا نمتلك أي خبرة أصلا؟ ألم يكن في مقدور اللاوعي الذاتيِّ العملَ (الأوتوماتي) automaton أن ينجز المهام ذاتها كذلك؟ هذه هي الأسئلة التي نتمنى أن تجيب عنها نظرية الوعي.
أوميجا
01/02/2009, 02:23 PM
هل يكفي علم الأعصاب؟
إنني لا أنكر أن الوعي ينشأ عن الدماغ. فنحن نعرف، على سبيل المثال، أن الخبرة الذاتية للرؤية ذات صلة وثيقة بسيرورات تتم في القشرة المخية البصرية. ولكن هذه الصلة نفسها هي التي تحير أفكارنا. ومما يلفت الانتباه، أن الخبرة الذاتية ـ على ما يبدو ـ تنبثق من سيرورة فيزيائية ولكننا لا نمتلك أي فكرة عن كيفية ذلك وسببه.
وبالنظر إلى الفورة التي تشهدها البحوث الحديثة في علم الأعصاب وعلم النفس حول الوعي، فقد يفكر المرء أن هذا السر بدأ ينجلي. ولكن الفحص الدقيق يبين أن جميع البحوث التي تُجرى حاليا تتجه نحو المشكلات السهلة للوعي فحسب. إن الاطمئنان إلى آراء الاختزاليين يأتي من التقدم في المشكلات السهلة، ولكن ما من رأي منها يقدم شيئا ذا بال يتعلق بالمشكلة الصعبة.
دعونا نتناول الفرضية التي وضعها عالِما البيولوجيا العصبية <F. كريك> (من معهد سولك لدراسات علم الحياة في سان دييگو) و <Ch. كوخ> (من معهد كاليفورنيا للتقانة). فهما يقترحان أن الوعي يمكن أن ينشأ عن ذبذباتٍ في قشرة المخ تصبح متزامنة عندما تقوم الخلية العصبية (العصبون) بابتعاث 40 دفعة عصبية في الثانية. ويعتقد كريك وكوخ أن هذه الظاهرة قد تفسر كيف يمكن للصفات المختلفة لشيء واحد مُدرك (شكله ولونه مثلا)، والتي تتم معالجتُها في أجزاء مختلفة من الدماغ، أن تدمج في كلٍّ متكامل. وفي هذه النظرية يتم الربط بين معلومتين إحداهما بالأخرى بإحكام حينما تقدمهما الدفعات العصبية المتزامنة.
http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N2-3_H03_008603.jpg
تبين تغيرات التدفق الدموي في القشرة المخية الإبصارية كيفية استجابة دماغ الشخص المفحوص للنموذج الذي يشاهده ذلك الشخص. وتُظهر الألوان في هذه الصورة نشاط القشرة المخية الذي يقابل ما يشاهده الشخص المفحوص من كل من النصف الشاقولي أو النصف الأفقي للنموذج. وتوضح هذه التجربة المتعلقات العصبية للخبرة البصرية، وقد تكون مثل هذه الخبرات أساس الوعي.
http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N2-3_H03_008604.jpg
http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N2-3_H03_008604.jpg
تستطيع هذه الفرضية، في حدود التصور، أن تجلو إحدى المشكلات السهلة بشأن الكيفية التي يتم فيها تكامل المعلومات في الدماغ؛ ولكن لماذا تسبب الذبذبات المتزامنة خبرة بصرية مهما كان مقدار التكامل الذي يحدث؟ يتضمن هذا السؤال مشكلة صعبة لا تقدم تلك النظرية بشأنها أي شيء. وفي الواقع فإن كريك وكوخ لا يعرفان إن كانت هذه المشكلة الصعبة يمكن أن يحلها العلم في أي وقت. [انظر ما هو مؤطر في الصفحة 25 ].
يمكن أن ينطبق النقد نفسه على معظم البحوث الحديثة عن الوعي. ففي كتابه تفسير الوعي Consciousness Explained، الذي نشر عام 1991، وضع الفيلسوف <C. دينيت> نظرية متطورة حول كيفية ترابط السيرورات المستقلة العديدة في الدماغ لتنتج استجابة متماسكة تجاه الحدث event الذي يدركه. ويمكن لهذه النظرية أن تقدم الكثير لتفسير كيفية إخراجنا تقارير لفظية عن حالاتنا الداخلية، ولكنها لا تخبرنا إلا القليل عن سببية ضرورة وجود خبرة ذاتية وراء هذه التقارير. إن نظرية دينيت، شأنها شأن نظريات الاختزاليين الأخرى، هي نظرية للمشكلات السهلة.
إن السمة العامة بين هذه المشكلات السهلة أنها تتناول في مجموعها الطريقة التي يتم بها إنجاز الوظيفة السلوكية أو المعرفية. إنها جميعا أسئلة تدور في النهاية حول الطريقة التي ينفذ بها الدماغ بعض المهمات: كيف يميز المنبهات ويكامل المعلومات وينتج التقارير وغيرها. وما إن تحدد البيولوجيا العصبية الآليات العصبية الملائمة، مبينة الطريقة التي يتم بها إنجاز هذه الوظائف، حتى تكون المشكلات السهلة قد حُلَّت.
وعلى النقيض من ذلك فإن مشكلة الوعي الصعبة تقع بعيدا عن مشكلات كيفية إنجاز تلك الوظائف. فحتى لو نجحنا في تفسير كل وظيفة سلوكية ومعرفية للوعي، فإنه سيبقى هناك غموض آخر يتعلق بسببية إنجاز هذه الوظائف مصحوبا بخبرة الوعي. ولعل هذا اللغز الإضافي هو ما يجعل المشكلة الصعبة صعبة.
الهوة التفسيرية
ولحل المشكلة الصعبة اقترح عدد من الباحثين تقديم وسائل جديدة للتفسير الفيزيائي مثل الديناميك اللاخطي nonlinear dynamics أو المكتشفات الجديدة في علم الأعصاب أو الميكانيك الكمومي. ولكن هذه الأفكار تعاني تماما الصعوبة ذاتها. فلنأخذ اقتراحا تقدَّم به <R .S. هامروف> (من جامعة أريزونا) و<R. پنروز> (من جامعة أكسفورد)، حيث اعتقدا أن الوعي ينشأ عن سيرورات فيزيائية كمومية تحدث في الأُنَيْبيبات الميكروية microtubules التي هي بنى بروتينية داخل الخلايا العصبية (العصبونات). ويمكن ـ إن لم يكن من المحتمل ـ أن تقود مثل هذه الفرضية إلى تفسير كيفية اختيار الدماغ للقرارات أو حتى كيفية برهانه على القضايا الرياضياتية، حسبما يقترح هامروف وپنروز. ولكن حتى لو صح ذلك فإن هذه النظرية تصمت عما يتعلق بالكيفية التي يمكن لهذه السيرورات عبرها أن تسبب الخبرة الواعية. وفي الواقع، تنشأ المشكلة نفسها مع كل نظرية للوعي مبنية على السيرورات الفيزيائية فقط.
تكمن الصعوبة هنا في أن النظريات الفيزيائية هي الملائمة أكثر لتفسير سببية امتلاك الأجهزة بنيةً فيزيائية معينة. إن معظم المشكلات في العلوم لها هذا الشكل؛ فمن أجل تفسير الحياة، على سبيل المثال، نحتاج إلى وصف الكيفية التي تتنامى بها منظومة فيزيائية وتتلاءم وتقوم بسيرورات الهدم والبناء. ولكن الوعي مشكلة من نوع مختلف تماما لكونه يذهب إلى أبعد من مجرد تفسير البنية والوظيفة.
إن علم الأعصاب ليس بالطبع منقطع الصلة عن دراسة الوعي. فقد يكون أولا قادرا على كشف طبيعة المتعلقات العصبية للوعي، إذ إن السيرورات الدماغية ترتبط مباشرة بالخبرة الواعية. ويمكن لعلم الأعصاب أن يعطينا أيضا المطابقة التفصيلية بين سيرورات محددة في الدماغ وبين المكونات المتعلقة بالخبرة. ولكن إلى أن نعرف ذات يوم لماذا تسبب هذه السيرورات خبرة واعية، فلن نكون قد اجتزنا ما دعاه الفيلسوف <J. ليڤين> الهوّة التفسيرية بين السيرورات الفيزيائية والوعي. وسيتطلب تحقيق تلك القفزة نظرية من نوع جديد.
تبرز في نطاق البحث عن بديل ملاحظةٌ رئيسية تتمثل في أنه لا يمكن تفسير جميع كينونات العلم بلغة الكينونات الأكثر أساسية منها. ففي الفيزياء مثلا، يعتبر الزمان والمكان والكتلة والشحنة وغيرها معالم (سمات) جوهرية للعالَم، باعتبارها لا تُختزَل إلى أي شيء أبسط منها. وعلى الرغم من عدم قابلية الاختزال هذه، فإن هناك نظريات مفيدة ومفصلة تربط هذه الكينونات إحداها بالأخرى بلغة القوانين الأساسية. وتفسِّر هذه المعالم والقوانين معا التنوع الكبير للظواهر المعقدة والمراوغة.
ثمة اعتقاد واسع بأن الفيزياء تقدم فهرسا كاملا لقوانين ومعالم الكون الأساسية. وباعتباره أحد الفيزيائيين يقدم <S. واينبرگ> في كتابه الذي يحمل عنوان أحلام النظرية النهائية Dreams of a Final Theory، المنشور عام 1992، هدف الفيزياء على أنه نظرية كل شيء» بحيث يُشْتَقّ منها كل ما نريد معرفته عن الكون. ولكن واينبرگ يسلِّم بوجود مشكلة مع الوعي. وعلى الرغم من قوة النظرية الفيزيائية، فإن وجود الوعي لا يبدو أنه مشتق من القوانين الفيزيائية. فهو يدافع عن الفيزياء بمجادلته أنها يمكن أن تفسر في نهاية المطاف ما يدعوه المتعلقات الموضوعية للوعي (أي المتعلقات العصبية neural correlates)، ولكن قيامه بذلك لا يعني بالطبع تفسير الوعي نفسه. فإذا كان وجود الوعي لا يمكن اشتقاقه من القوانين الفيزيائية، فإن نظرية في الفيزياء لا تعد نظرية صالحة لكل شيء، وبذلك فإنه لا بد للنظرية النهائية من أن تحوي مكونا أساسيا إضافيا.
rorro
01/02/2009, 02:30 PM
موضوع جميل جدا ومفيد
جزاك الله الف خير صاحبي
أوميجا
24/04/2009, 01:26 PM
شكرا لك زميلي rorro على المرور
أوميجا
14/09/2009, 11:13 AM
لرفع لتعم الفائدة
فضائي
23/02/2010, 02:16 PM
موضع رائع وممتع للأخ اوميجا
Dr.Fatma
23/02/2010, 03:32 PM
موضوع جميل .,, شكرا للنقل :)
حسن الجديدي
28/04/2010, 10:38 PM
موضوع جميل
vBulletin إصدار 3.8.11، كافة الحقوق محفوظة ©2000-2026، مؤسسة Jelsoft المحدودة.