المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : العــــــــــــــــــــــ ــار


افاق الغد
12/01/2009, 08:37 AM
العار
الدول كالأفراد يختلف سلوكها في المحن والملمات كما في الحروب والأزمات. ولأن الأوقات الصعبة هي التي تظهر المعادن الحقيقية للبشر، أناسا عاديين كانوا أم قادة وزعماء سياسيين، فمن الطبيعي أن ينتقى كل صانع قرار ما يلائمه من خيارات وبدائل متاحة، وذلك وفق معايير للمفاضلة تختلف بالضرورة من حالة إلى أخرى.

وعلى الرغم من أنه يمكن القول بصفة عامة إن كل صانع قرار ينحاز دوما إلى الخيارات أو البدائل التي يرى أنها تحقق مصالحه بشكل أفضل، فإن رؤية كل منهم لماهية هذه المصالح ولأنسب الوسائل المتاحة لتحقيقها تتشكل وفقا لعوامل عديدة، بعضها مادي وبعضها الآخر قيمي أو معنوي. فالشخص السوي يدخل في اعتباره، عند المفاضلة بين الخيارات والبدائل المتاحة، قيما عامة نبيلة كالسمعة والكرامة واحترام النفس.. إلخ، أما الشخص غير السوي فلا يقيم عادة أي وزن لمثل هذه القيم، وبالتالي يميل إلى اختيار الحلول التي يعتقد أنها تحقق له أكبر منفعة مادية أو حسية مباشرة. وعلى سبيل المثال فعندما يواجه الشخص السوي ضائقة مالية نجده يفكر على الفور في ضغط نفقاته إلى أقصى حد ممكن كي لا يضطر إلى سؤال اللئيم»، أما الشخص غير السوي فقد لا يجد حرجا من استجداء العون من أي شخص، أو اللجوء إلى السرقة أو الرشوة، وربما يذهب إلى حد التغاضي عن شرف زوجته أو ابنته!. وما يصدق على الأفراد في أوقات المحن والشدائد يصدق على الدول في أوقات الأزمات والحروب، لا فرق هنا بين كبير وصغير، قوي أو ضعيف، غني أو فقير. فبينما تتصرف دول في أوقات الأزمات بشموخ يستحق الإكبار، تتصرف أخرى بخسة تستدعي الاحتقار. وقد تردد أن بعض الدول وصل استهتارها بسمعتها حدا دفعها أحيانا لبيع صوتها في مجلس الأمن!.

كانت هذه المعاني تسيطر على مشاعري خلال متابعتي أحداث الحرب القذرة والوحشية التي شنتها إسرائيل على غزة منذ أكثر من أسبوعين، والتي كشف سلوكها الهمجي فيها عن نوازع شريرة وعنصرية لا تليق إلا بشيطان تجرد تماما من كل معاني الشرف والأخلاق والفضيلة. ولأنني لا أستبعد أبداً على هذه الدولة اللقيطة أن تقوم بأي تصرف، مهما كان منافيا لكل القيم السامية، فلم يشكل سلوكها أي مفاجأة بالنسبة لي.

المفاجأة الحقيقية جاءت هذه المرة من مصر الرسمية، والتي بدا سلوكها منحازا لإسرائيل على نحو فاضح. ولا أخفي على القارئ أنني أحسست بأن مصر الرسمية بدت لي في هذه الأزمة دولة أخرى صغيرة ولا تشرف أحداً. لقد سبق لي أن اختلفت كثيراً مع مواقف رسمية مصرية سابقة لكنها كانت مواقف تعكس سياسة أو رؤية تحتمل الاختلاف أو الاتفاق معها.

أما هذه المرة فلم أحس أبدا أن لدى مصر الرسمية سياسة أو رؤية قابلة للدفاع، وبدت فاقدة لإرادتها ومنقادة على نحو مخجل. ورغم تحفظاتي السابقة فلم أكن أتصور مطلقا أن تصل الأمور يوماً إلى ما وصلت إليه وأن تتجاوز هكذا كل الخطوط الحمراء.

اعتراضي على موقف مصر الرسمي من الأزمة الراهنة، بل وإدانتي له، لا يعني أبدا تأييدي المطلق لمواقف الدول والأطراف العربية الأخرى، بما في ذلك موقف حزب الله، أو حتى للسياسة التي انتهجتها حماس منذ فوزها في الانتخابات التشريعية الأخيرة. فلم أتردد في توجيه انتقادات مسجلة بالصوت والصورة لمواقف وسياسات دول عربية أخرى، بما في ذلك مواقف وسياسات ما تسمى بدول الممانعة»، وتمنيت لو لم يقع رجل أكن له كل الاحترام، كالسيد حسن نصرالله، في الخطأ الذي وقع فيه حين وجه خطابه إلى الجيش المصري.

وحين سئلت في قناة المنار» نفسها عما إذا كانت زيارة ليفني لمصر قبل الأزمة تشكل دليلا على وجود تواطؤ من نوع ما مع إسرائيل، استبعدت ذلك ورجحت أن تكون مصر قد سعت لمنع حرب تجمعت لديها معلومات مؤكدة عن قرب وقوعها، لكنني اعترفت في الوقت نفسه بأن إخفاق مصر في كبح جماح إسرائيل يعد في حد ذاته دليلاً على استهتار إسرائيل بالموقف المصري، وهو ما كان يفرض على مصر أن تستخلص دروسه الصحيحة.

لكن عندما يذهب الأستاذ هيكل إلى حد التأكيد على أن الرئيس مبارك عبر لساركوزي في لقائهما الأخير بالقاهرة عن رأيه بضرورة عدم السماح لحماس بالانتصار في هذه الأزمة، يصبح الأمر في حاجة إلى إعادة نظر. فإذا صح هذا القول، ولا أظن أن شخصاً بوزن هيكل يمكن أن يجازف بتصريح على هذه الدرجة من الخطورة إلا إذا كان واثقا من صحته إلى درجة اليقين. وليس لذلك سوى معنى واحد وهو أن مبارك تصرف في الأزمة من منطلق أن حماس وليس إسرائيل، هي العدو.. وهذا أمر جلل.

أفهم أن تكون هناك تعقيدات في علاقة مصر بحماس لأسباب تتعلق بانتماء هذه الأخيرة إلى تيار إسلامي، تعتبره مصر امتدادا لجماعة الإخوان المسلمين. غير أن حماس ليست فصيلا من فصائل المعارضة المصرية، ولا يجب أن تعامل على هذا الأساس، بل تعامل باعتبارها جزءاً لا يتجزأ وامتداداً لحركة وطنية فلسطينية يؤثر مصيرها تأثيراً مباشراً على أمن مصر الوطني، وتعد - دون أي نوع من المبالغة- حصناً متقدماً للدفاع عن أمن مصر الوطني يتعين الحفاظ على مناعته بكل السبل والوسائل الممكنة.

لكن كيف تحول خلاف أيديولوجي مشروع بين مصر وحماس، يتعين العمل على احتوائه والتخفيف من ضرره، إلى قطيعة ثم إلى عداء على هذا النحو؟. هذا هو اللغز الذي يتعين العمل على فك أسراره وطلاسمه.

فمصر تعلم يقينا تفاصيل ما جرى في غزة، والذي أدى إلى ما تسميه بعض الأوساط الفلسطينية بالانقلاب، ولديها معلومات كاملة عما حدث هناك سواء من خلال فريقها الأمني، الذي ظل متواجداً في غزة حتى وقت قريب أو من خلال صلتها المباشرة بطرفي الأزمة. ولا جدال في أن مصر الرسمية أخطأت خطأ جسيماً بانحيازها الكامل للفريق الآخر، والأرجح أن هذا الانحياز إلى طرف فلسطيني ظاهر كان يخفي في حقيقته انحيازا لإسرائيل، المحرك الحقيقي للأزمة!.

لم يطلب أحد من مصر أن تعلن الحرب على إسرائيل أو أن تتحلل من التزاماتها بموجب معاهدة السلام»، لكن من حقنا كمواطنين أن نطالب صانع القرار المصري بالدفاع عن استقلال مصر وصيانة كرامتها، فليس في المعاهدة ما يفرض على مصر أن تفرج عن جاسوس إسرائيلي أدانه القضاء في مصر، بينما يقبع في سجونها عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين، وليس في المعاهدة ما يجبر مصر على أن تبيع إسرائيل الغاز بسعر يقل كثيرا عن سعر السوق، بينما لا يجد ملايين الفقراء المصريين ممن يعيشون في المقابر وفي الأحياء العشوائية أنبوبة غاز بسعر يناسب دخولهم الهزيلة.

والحرص على حسن العلاقة مع الولايات المتحدة ليس معناه إجبار مصر على التزام الصمت تجاه ما تقترفه إسرائيل من جرائم، سواء في حق الفلسطينيين أو في حق المصريين أنفسهم. وأظن أن الطيب رجب أردوجان قدم درساً بليغاً في الطريقة التي يمكن بها لدولة تحترم نفسها أن تحافظ على استقلال قرارها، رغم ارتباطها بعلاقات خاصة ليس فقط مع الغرب ولكن مع إسرائيل نفسها. فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وتبدو على استعداد لفعل أي شيء مقابل انضمامها للاتحاد الأوروبي، بل وترتبط بعلاقات متينة بإسرائيل وصلت إلى حد القيام بمناورات عسكرية مشتركة. لكن موقف أردوجان صنع الفرق بين دولة تدير علاقاتها الخارجية من منطلق الحرص على استقلالها، وأخرى لم تعد تملك من أمرها شيئا وتتصرف كدولة تابعة ومستجدية.

فما الذي تستجديه مصر الرسمية يا ترى؟ وهل يُقبل أن تتخذ موقفاً محايداً، ناهيك عن أن يكون منحازاً، في أزمة كهذه. هذا هو العار بعينه.
د. حسن نافعة