المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : المتبقي في الفكر ... الأستاذ خميس العدوي


البلوشي2008
03/11/2008, 08:13 PM
"المتبقي في الفكر"


"المتبقي" مصطلح أستعيره من جان جاك لوسيركل في كتابه "عنف اللغة"، الذي طرح فيه نظريته اللغوية التي عُني فيها باللغة التي لا تدخل ضمن السياق اللغوي المتواضع عليه أثناء الحديث، وإنما يظهر على هيئة سقطات اللسان...
وهو يدافع في نظريته هذه عن هذا المتبقي؛ بأنه هو الآخر له تأثيره على المتكلم والسامع، بل يمكن أن يشكّل بنفسه نسقاً لغوياً خارج النسق اللغوي العام.
إذن عندما أتكلم عن المتبقي في الفكر فإنما أقصد تلك الكائنات الفكرية التي لا تظهر مباشرة ضمن المنظومة العقلية للإنسان، وحتى يتضح الأمر دعوني أقربه بمثال:
عندما تدخل محلاً تجارياً تجد النظام ساكناً كل ربوعه؛ قُرنة للملبوسات، وأخرى للمطعومات، وثالثة للمشروبات، وهناك رَبْعة للمنظفات، وتقابلها أخرى للأدوات المنزلية، العمال بلباس موحد، تجد فيهم حسن المعشر في التعامل، والبضاعة بأسعار معتدلة، وهكذا...
لكنك قد تجد مادة على وشك الانتهاء، ونوعاً من الغذاء عالي الجودة يتميّز عن بقية المواد، ونوعاً آخر أرخص مقارنة بسعر السوق العام، وقد تلاحظ انحرافاً في ترتيب بعض المبيعات، وتلمح غباراً في زاوية، وهكذا...
وحينها ربما تقول: ما أجمل نظام المحل؛ لولا هذه الهنات. وقد يقول غيرك: جميل رخص هذا المادة وجودة تلك، ليت كله كذلك. وقد يأتي ثالث ولا يبصر هذا المختلف من النظام العام.
إذن ما نراه قد خرج عن النظام العام هو المتبقي، وطبعاً قد لا نراه، أو لا نرى أكثره.
والسؤال: هل هذا المتبقي لا يحويه نظام عام؟ هل هو مجرد فوضى عارمة تنهش النظام خلسة؟ أو هو فوضى خلاّقة؟ وأسئلة أخرى قد ترد علينا ونحن نحلل هذا الموقف.
نأتي إلى الفكر والمتبقي فيه؛ كل إنسان يفكر، وتنتظم عقله مجموعة من الأفكار، تدفعه للسير في الحياة، والفكر ليس صخرة صلدة تكبس تفكير الإنسان بنمط جامد منذ ميلاده وحتى وفاته، بل التفكير نهر جارٍ لا يمكن أن تستقر مياهه عند نقطة واحدة، ولذلك الإنسان بكونه كائناً مفكراً اليوم ليس هو نفسه في الأمس، ولا هو كذلك في الغد، ولذا تجده يطور منظومة تفكيره بيولوجياً باستمرار، ونحن هنا لا يعنينا التطور إيجاباً أو سلباً، وإنما أقصد أن التفكير في حركة دائبة.
والإنسان وهو يفكر لا يفعل ذلك خبط عشواء، بل يحكمه منهج واعٍ، والسؤال: هل كل الكائنات الفكرية التي يحويها دماغه تدخل نظامه الفكري الواعي؟.
طرح سجموند فرويد نظريته في العقل؛ بأن الإنسان يوجد فيه عقل ظاهر وعقل باطن، وأن ما يتحرك به في الحياة بشعوره هو العقل الظاهر، هذا ما يبدو، ولكن في الحقيقة أن للإنسان عقلاً باطناً له تأثيره القوي عليه، يظهر في سقطات اللسان والأحلام والاضطرابات النفسية والعصبية، وقد يكون هذا العقل أخطر أثراً على حياة الإنسان؛ من جهة أنه لا يدركه، فضلاً أن يسيطر عليه، بل العقل الباطن قد يوجهه في أحيان كثيرة وأوقات حاسمة.
خرج فرويد في نظريته هذه أن العقل الباطن عشوائي وغير نظامي ولا مرئي، بيد أنه حتماً يتدخل في تسيير السلوك الإنساني.
ثم جاء بعده جاك لاكان ليطوِّر هذه النظرية فيقول: إن العقل الباطن هو الآخر منظم ويتحرك بانسجام مع كائناته، ويمكن أن يكون مرئياً بدراسته وتحليله.
[انظر مقدمة محمد بدوي على "عنف اللغة" لجان لوسيركل، طبعة المنظمة العربية للترجمة، 2005]
مرة أخرى نقول: إن الإنسان كائن مفكر وفق منظومة شعورية، إلا أن خلفها تقبع كائنات فكرية أخرى لا يشعر بها الإنسان مباشرة، هذه المنظومة اللاشعورية هي ما أسميها هنا بالمتبقي.
وبعيداً عن مناطق الشعور واللاشعور الفرويدية نعيد ترتيب المسألة كالآتي:
الإنسان يفكر وفق محددات فكرية ينتظمها منهج معيّن مُدرَك يقوم بتحريك الفعل الإنساني، هذا الإنسان يشعر تماماً بطبيعة تفكيره، ويكون مسؤولاً أدباً عن اتخاذ قراراته في الحياة.
بيد أنه يوجد خلف هذا المنهج متبقٍ من الكائنات الفكرية تسلك طرائق عدة في البروز والتخفي لكنها مؤثرة، وأحياناً مزعجة، هذا المتبقي في رأينا لا يمكن أن نتبنى فيه نظرة فرويد وحدها، ولا نظرة لاكان وحدها، بل تتوزعه مجموعة لانهائية من البروز والتخفي، والشعور اللامنتظم واللاشعور، ومنه ما ينتظمه –مع خفائه– منهج، ومنه ما يعيش طليقاً تتقاذفه الأنواء الذهنية، فبينما هناك ما لا يحصى من الكائنات الفكرية التي تنخر عقولنا دون أن نشعر بها، نجد في المقابل كائنات نكاد نمسك بها، إلا أننا لا نستطيع إليها طولاً، ويتردد بين هذين الطرفين ما لا يحصى من الكائنات الفكرية أحب أن أسميها بالأشباح الفكرية، هي ليست أشباحاً وهمية بل هي كائنات قائمة، وإنما تتبدى لنا في صور لا نكاد نستطيع أن نمسك بها.
والسؤال: كيف ينتج هذا المتبقي؟.
إنه ثمرة المعارف التي تدخل من نفس منافذ الشعور، بل ومنذ اللحظات الأولى للإنسان التي قد تسبق لاشعوره، فالإنسان يتغذى بالمعلومات كل لحظة، هذه التغذية يقوم بصفها في قالب شعوري منهجي يُقْدِرُه على فهم الحياة حوله، لكن الزخم الهائل من المعلومات تفوق كثيراً مقدرة الإنسان على صفها في قالب منهجي واحد متكامل في وقت واحد، كما أن كل معلومة تدخل ذهنه ليست بريئة تماماً، بل هي تحمل قدراً كبيراً من المضامين اللاشعورية التي لا يحسّ بها الإنسان مباشرة.
ولذلك يملك الإنسان جهاز صف ومراجعة بيولوجي في عقله، يقوم كل حين بإعادة تدوير المعلومات وفق منهج شعوري، هذا الجهاز فوري وذو مقدرة هائلة في عمله.
لكن هل يقوم بإعادة تركيب كلية كل لحظة؟.
لا، لا يقوم بإعادة كلية، لأكثر من سبب، أولاً: لأن المعلومات تتجدد كل حين، وثانياً: لأن هذه المعلومات من طبيعتها قد لا تؤثر مباشرة؛ بل تختمر لفترة من الزمن، وثالثاً: لأن كل معلومة أو مجموعة معلومات لا تعطي منظومة مكتملة وإنما هي الأخرى ناقصة، ورابعاً: لأن هذه المعلومات قد تتمحور في منهج خفي لا يسهل كشفه، وإن اكتشفه الإنسان فيصعب عليه دمجه في منهجه الشعوري، لأنه يحتاج إلى طاقة فكرية هائلة ليصنع من منهجين منهجاً واحداً منسجماً مع مجموع مفرداته الجديدة.
لكل هذا يوجد دائماً متبقٍ.
وأخيراً: لو افترضنا هذه الإعادة الكلية لما كان هناك متبق أصلاً.
والأهم من كل هذا أنه كثيراً ما توجد خطوط ممانعة لإعادة الصف والمراجعة في المنهج الشعوري تنشأ من أعراف اجتماعية أو قصور معرفي أو تصورات دينية، ونحو ذلك.
إن كان هذا المتبقي وجوده حتماً في الإنسان؛ فهل يمكن أن يهمشه جانباً، ثم يتحرك وفق منهج شعوري ثابت؟.
في الحقيقة؛ لا يملك الإنسان تثبيت هذا المنهج، لأنه آلة ذهنية تقوم بعملها في المراجعة والصف لاإرادياً؛ لتعطي كل مرة منهجاً محسوساً، إن أي عملية تهميش قد يقوم بها الإنسان اتجاه بعض كائنات متبقيه تؤدي في النهاية إلى التراكم وفق منهج خفي قد يقوم في لحظة ما بقلب المنهج الشعوري الذي عليه الإنسان عادة إلى منهج آخر، وإن ضغط ليحول دون هذا الانقلاب فإنه سيعيش حياة قلقة فكراً ونفساً، أو يُجبَر على الانسحاب من المعترك الفكري في الحياة؛ ليعيش حياة باردة لا لون لها ولا طعم ولا رائحة.
وبما أن هذه المراجعة هي ذاتية، أي تخص كل إنسان بذاته، وعند ظهورها قد تبدو متقاطعة أو حتى نافرة عن المنظومة الاجتماعية الكلية –سنتكلم عن ذلك في حلقة لاحقة– وهذا قد يتهدد الذات الاجتماعية أو الدينية، فإن الإنسان لجأ إلى التثبيت الخارجي، ونقصد بذلك إنشاء مناهج ثابتة لمعارفه، كالمنطق والنحو والفلسفة وأصول الفقه والقانون وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد، ونحوها.
طبعاً نحن لا ننكر أن هذه المناهج قد خدمت الإنسان كثيراً، واختصرت له المسافات المعرفية، وضبطت له بوصلة معارفه، إلا أن كثيراً منها ثبّط إعادة البناء المنهجي الذاتي للتفكير الإنساني، وهذا لم يحلّ الإشكال ولم يحسم المسألة، بل أدى إلى التناقض بين الذات وخارجها.
عند عدم فسح المجال لظهور قراءات مستمرة لمنظوماتنا الفكرية، أي تغييب التركيب المنهجي العلني الذي يمنح الفرصة لكشف الخلل وإعادة تركيب دائمة، فإن المتبقي لا يختفي بل يعمل عمله في النفس الإنسانية، وهذا ما قد يظهر على هيئة انفصام بين الأجيال، أو تناقض فكري أو اضطراب عقلي أو قلق نفسي.
إن الإنسان ولو حاول جهده أن يزيح هذا المتبقي عندما تظهر له أشباحه فإن لا يملك ذلك، بل تستمر منظومته في التشكّل من جديد، فإذا كُبِت فإنه ينفجر بطريقة أو أخرى، وربما بمنظومة بعيدة كلياً عن نسق المنظومة الاجتماعية العامة.
ومن هنا فعلى الإنسان أن لا يخجل من إبراز متبقيه الفكري إلى العلن مهما كان نوعه، بل عليه أن يعرضه على العقول الأخرى، إذ يمكن أنها قد وصلت إلى حلٍّ فلسفي أو معرفي يفيده، بل عليه أن يتصيّد أشباحه الفكرية فيقوم بوضعها في موقعها من منظومته، وعليه أيضاً أن يفتش عن تلك الكائنات الفكرية المختبئة في لاوعيه، ويقوم بترويضها داخل منهجه الواعي، حتى لا تفريه من الداخل وهو لا يدري، أو تحوله إلى كائن ذي شخصيتين؛ إحداهما: يعيشها مع نفسه، يخجل بها من الناس، وأخراهما: يتعايش بها مع مَن حوله، ولو كان غير مقتنع بها.
وعلى المجتمع أيضاً أن يعطي فرده مساحة واسعة من التفكير العلني حتى يعينه على المراجعة الواعية لمنهجه فيستطيع من خلاله فهم شتات متبقيه، ويتمكن من إعادة صفه دورياً بسلاسة، وبصورة أقرب إلى النجاح، وتخطي العثرات والمزالق الفكرية التي قد تترك عليه آثاراً لا تحمد.
إن من المآزق الفكرحضارية التي تعاني منها شعوبنا عدم تربيتها على إعادة صياغة منهجها الشعوري الفوري صياغة سليمة مُدْرَكة، وإنما جلّ مناهجنا –لاسيما الدينية منها– تعمل على التثبيت الخارجي للمناهج، أو التربية على المناهج الثابتة، دون تقدير صحيح لتغيّر الزمان، إن هذا التثبيت كما أنه يعني جمود عند لحظة ماضية كابحة عن الانطلاق نحو مستقبل أفضل؛ يقوم كذلك بعمله السيء في الانفصام المعرفي والفكري، وكثيراً ما يؤدي إلى القلق النفسي والاضطراب العصبي، الإنسان بطبيعته مفطور على تجاوز هذه الحواجز، لكنه عندما يجد التركيبة الفكرية من حوله تشدّه نحو مركزية رافضة المراجعة، فإن أقل ما يصيبه هو موت آلة الإبداع، والتمرغ بلذة على تراب التقليد، وعدم القدرة على السعي نحو الأفضل.
وأخيراً: لو حذفنا –جدلاً– المتبقي فإن المنهج الشعوري سيكون معلَّقاً، يمكن لأدنى ريح تهب عليه أن تقتلعه من جذوره، وذلك لأن المتبقي يكوِّن أعمدة غير مرئية يقف عليها المنهج الشعوري، والفراغ الناشئ من الاقتلاع لا يعني سكون النفس وهدوء البال، بل مناهج أخرى تحل محله وتملأ فراغه، فالحياة لا تؤمن بالفراغ، ثم تبدأ دوره جديدة من المنهج الشعوري ومتبقيه.
ولذلك على الإنسان أن لا يخاف من هذا المتبقي، بل هو فرصة لإعادة تطوير منهجه الشعوري بطريقة مُرْضِية وسليمة، وليس من وسيلة أنجع في ذلك من القراءة والبحث والحوار والمصارحة الفكرية وطرح سيل من الأسئلة على النفس والآخرين مهما كانت محرجة في نظرنا، وصدق الله العظيم القائل: ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيـمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَـئِنَّ قَلْبِي)).

المصدر http://www.arab-rationalists.com/forums/showthread.php?t=214

البلوشي2008
03/11/2008, 08:17 PM
أدعوا أعضاء سبلة الثقافه والفكر الأعزاء الى مناقشة هذا المقال الفكري الجميل .
وتحياتي لكم جميعا .

سرب
03/11/2008, 08:19 PM
فعلا موضوع رائع..شجعتني سيدي للقراءة للعدوي اذ لم أقرأ له سابقا .

شاكرة لك.

يحيى الراهب
03/11/2008, 09:17 PM
"المتبقي في الفكر"



ومن هنا فعلى الإنسان أن لا يخجل من إبراز متبقيه الفكري إلى العلن مهما كان نوعه، بل عليه أن يعرضه على العقول الأخرى، إذ يمكن أنها قد وصلت إلى حلٍّ فلسفي أو معرفي يفيده، بل عليه أن يتصيّد أشباحه الفكرية فيقوم بوضعها في موقعها من منظومته، وعليه أيضاً أن يفتش عن تلك الكائنات الفكرية المختبئة في لاوعيه، ويقوم بترويضها داخل منهجه الواعي، حتى لا تفريه من الداخل وهو لا يدري، أو تحوله إلى كائن ذي شخصيتين؛ إحداهما: يعيشها مع نفسه، يخجل بها من الناس، وأخراهما: يتعايش بها مع مَن حوله، ولو كان غير مقتنع بها.
المصدر http://www.arab-rationalists.com/forums/showthread.php?t=214

أعجبتني فكرة المتبقي الفكري و حقيقة
هي فكرة عميقة

كثيراً ما يعتقد البعض أن إطاره الفكري الذي
سعى الى تحصيله هو الصواب ضارباً عرض
الحائط بكل الأطر الأخرى التي تحوي لآخرين

من هنا تتوالد لدى بعض العقول أوهام و خرافات
الصواب و الحق دائماً..و يتمّ التمسك بالمعتقد
الذي اُلتقِفَ أساساً عن طريق المتقدمين بدون
الحاجة الى النقد الواعي أو أعادة النظر في
المضمون

عدم إتاحة الفرصة لإطلاق البحث الفكري و
الفلسفي يجعل التمسك بالموروث تمسكاً
عصبياً بل و يحيطه بهالة من التقديس التي
تمنع الآخرين من مجرد التفكير في الإقتراب
من منطقة الموروث

يجب أن نعي دائماً أن الحقيقة ليست مطلقة كما
يتصور البعض..و ما يراه الآخرون قد يحمل في
جنباته بعض الصواب

البلوشي2008
03/11/2008, 09:33 PM
فعلا موضوع رائع..شجعتني سيدي للقراءة للعدوي اذ لم أقرأ له سابقا .

شاكرة لك.
شكرا على مرورك الأخت سرب .
:)

البلوشي2008
03/11/2008, 09:39 PM
أعجبتني فكرة المتبقي الفكري و حقيقة
هي فكرة عميقة

كثيراً ما يعتقد البعض أن إطاره الفكري الذي
سعى الى تحصيله هو الصواب ضارباً عرض
الحائط بكل الأطر الأخرى التي تحوي لآخرين

من هنا تتوالد لدى بعض العقول أوهام و خرافات
الصواب و الحق دائماً..و يتمّ التمسك بالمعتقد
الذي اُلتقِفَ أساساً عن طريق المتقدمين بدون
الحاجة الى النقد الواعي أو أعادة النظر في
المضمون

عدم إتاحة الفرصة لإطلاق البحث الفكري و
الفلسفي يجعل التمسك بالموروث تمسكاً
عصبياً بل و يحيطه بهالة من التقديس التي
تمنع الآخرين من مجرد التفكير في الإقتراب
من منطقة الموروث

يجب أن نعي دائماً أن الحقيقة ليست مطلقة كما
يتصور البعض..و ما يراه الآخرون قد يحمل في
جنباته بعض الصواب
كل أنسان محبوس في أطار فكري معين
أو قل بشكل أصح حبس نفسه في ذلك الأطار
وهو يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة التي لا تقبل النقاش
جاهلا أن الأخرين أيضا يعتقدون بنفس أعتقاده
والحل هو التحرر من هذا الأطار
والأنطلاق الى فضاء البحث الحر
للتوصل الى الحقيقة التي ينشدها الجميع
والتي لا توجد ألا في خيال من يعتقد بها
لأن الحقيقة دائما نسبيه
وشكرا على مرورك أخي الراهب
والمقال بحاجه الى بحث أوسع
لأنه يطرحات مفاهيم فكريه عميقه .

عاشق الفلسفه
04/11/2008, 09:06 AM
الأخ البلوشي ناقل الموضوع الجميل والأخ يحيي الراهب والأخت سرب أقدم لكم هذه القراءة لمقالة
الأستاذ العدوي وهي من الشاعر عبد الله المعمري .

كائنات العدوي الفكرية : اقتراح النموذج

عبدالله المعمري





في عدد شرفات السابق رقم (285) نشر المفكر العماني خميس بن راشد العدوي مقالا بعنوان "المتبقي في الفكر"، المقال المكتوب أدناه لا يأتي من قبيل مقالات الرد بل هو مقال معاضد للفكرة ، مشدد عليها.



غابة الكائنات

الأفكار هي تلك الكائنات البيولوجية التي تتحرك وفق محددات لينة مرنة، داخل الدماغ على الأرجح، ليس الإنسان من يفكر إن نحن ابتغينا الدقة، إنها تلك الغابة من الكائنات المتفاعلة داخليا، والتي تستمد طاقتها البيولوجية من الجسد، وسلوكها من طبيعة العلاقات الداخلية فيما بينها، وتمارس تغيرا دائما مع الزمن من خلال هذا التفاعل الداخلي من جهة ومن خلال التغذية الراجعة في اتصالها بالمحيط عبر قنوات الحس من جهة أخرى. سأقترح هنا نموذجا قابلا للتعديل بالطبع، التعديل من قبل آخر حتى لا أقع تحت شرك المتبقي الذي لا أبصره، يصور هذا النموذج التفكير على أنه منظومة مفتوحة، والمنظومة المفتوحة هي مجموعة من العناصر أو الكائنات التي تربط بينها علاقات، وتستهلك المدخلات فيما تنتج بدورها مخرجات خلال عملية التطور الداخلي.



منظومة التفكير / البنية الداخلية

أ) وحدات التفكير : تتكون منظومة التفكير من وحدات أساسية، هي الكائنات الفكرية، مثل فكرة القلم وفكرة الجري( إن لهذه الفكرة تركيبتها الداخلية أيضا كما أنها لا يجب أن تتطابق مع الواقع إنما يفترض بها الاتساق مع علاقات أو قوانين منظومتها).

ب) العلاقات: تتفاعل هذه الكائنات من خلال علاقات محددة قابلة للتغير كما هو حال الوحدات الأولية، تحدد هذه العلاقات السلوك أو لنقل ناتج الاتصال بين وحدتين.

ج) المنظومات الجزئية : تتجمع الكائنات الفكرية في عناقيد مترابطة، لتشكيل منظومات تفكير جزئية، مثل الخرافات والأخلاق والمنطق والنحو وأصول الفقه ونحوها، تترابط هذه المنظومات بدورها لتكوين منظومة التفكير الكلية،وقد تعيش هذه المنظومات الجزئية متجاورة في سلام رغم التعارض المنهجي بينها مثل المنظومة التي تجمع الخرافات وتلك التي تعنى بالمنطق أو علم الأحياء مثلا، وهو ما يفسر جزئيا وجود علماء ذرة أو فيزياء ناجحين وهم في الوقت نفسه مخلصين مصدقين بالبوذية مثلا، ذلك ما يسميه البعض بالازدواجية.





منظومة التفكير / البنية الخارجية

أ) الاستقبال: يتعرض الإنسان لعمليات ضخ مستمرة للبيانات من البيئة المحيطة، تدخل من قنوات خاصة هي قنوات الحس، تكون على هيئة شفرات خاصة تتوافق مع طبيعة القناة، أمواج صوتية (ميكانيكية) فيما يتعلق بالأذن أو كيميائية فيما يتعلق بالأنف، ما يحدث لاحقا لهذه الشفرات هو عملية ترجمة، تحويل إلى طبيعة تتوافق مع منظومة التفكير، وبالتالي يمكن معالجتها من خلال العلاقات باعتبارها كائن فكري.

ب) الإرسال: بالطريقة ذاتها لكن في طريق عكسي يتم توليد كائنات فكرية، تترجم إلى طبيعة تتوافق مع القناة الخارجية مثل الحركة أو الكلام.





منظومة التفكير /آلية العمل

يخضع كل كائن فكري يدخل المنظومة إلى عملية قراءة أو تأويل تتحدد من خلاله أي منظومة جزئية ستعالجه، فالجلوس في صف الرياضيات مثلا يستدعي منظومة مختلفة عن تلك التي تستحضر عند الاستماع إلى عضة مهيبة من شيخ وقور، وإذا كانت هاتان المنظومتان من طبيعة متشابهة قابلة للتراسل المشترك والتأثر والتأثير فيما بينها فإن رؤية كلب عقور وأنت على قدميك تستدعي منظومة مختلفة تماما.

بعد دخول الكائن الفكري تتم عملية استدماج، يُضم إلى المنظومة أو يحل محل كائن سيتم استبعاده،وبالتالي يحدث نمو أو تغير في بنية المنظومة الجزئية كمّاً ونوعا، تقرأ المنظومة الكائن الداخل حديثا من خلال كائناتها وعلاقاتها، ولذلك تحدث عمليات الفهم المختلفة، فكائنات كل فرد مختلفة عن الفرد الآخر عادة، ومن هنا يحدث سوء الفهم أيضا. وللسبب ذاته تقوم عمليات الحوار والتواصل الدائم بين أفراد الحارة الواحدة أو بين الأصدقاء أو الفرقاء على تعزيز الشبه بين هذه الكائنات.

تقوم المنظومة الجزئية بعملية رفض للكائن الفكري عند اكتشاف عدم التوافق، مثلا عندما تقول لطالب رياضيات أن واحد زائد واحد يساوي ثلاثة، أو تقول لأحد عُبّاد الشمس أنها مجرد كرة نار لا أكثر ويوجد منها الكثير في الكون، إن للمنظومة آليات دفاع تمنع من انهيارها، لا يفترض بها أن تكون منطقية، المهم أن تكون مقبولة ضمن قوانين المنظومة فقط لا أكثر.

عندما تعجز المنظومة عن الرفض ، بسبب وجود تعزيز من كائنات أخرى داخل المنظومة، يدخل الكائن الفكري إلى جسد المنظومة وإنْ في وضعية قلقة، إنه لا يلبث أن يصنع اهتزازات في بناء المنظومة أو ربما يفتح الباب السري لكائنات ستساهم لاحقا في عملية انهيار، المثال : من يبني إيمانا عميقا بشيء ما مستندا إلى قدوة ما، شخصية حية أو تاريخية، ثم يحدث ما يكشف له "خواء" تلك القدوة، إن ذلك ولا شك سيصيب منظومة إيمانه ذاك بانهيار ، وربما هزات لكل المنظومات الجزئية ذات الصلة، وإذا كانت تلك القدوة تشكل إحدى قواعد المنظومة فقط فإن كائنا فكريا صغيرا سينمو هناك، وسيجبر المنظومة على إعادة هيكلة ذاتها إما من خلال الاستغناء عن تلك القاعدة وتدعيم بقاءها أو من خلال نقل القلقة إلى بقية القواعد تهيئة لانهيار مستقبلي.



الانهيار وإعادة البناء

لا تلبث منظومة التفكير الكلية المتابعة للحدث من اكتشاف الفجوة الناتجة عن الانهيار، وبالتالي تحدث عملية بناء أو لنقل عملية ترميم فأي منظومة جزئية جديدة بديلة ستتخذ لذاتها نفس القواعد، أو أنها ستبدأ من حيث انتهى الانهيار، يعتمد ذلك على فداحة الانهيار. لا يحدث الانهيار لمنظومة التفكير الكلية، إن ذلك يعني الجنون الخالص، انفصال عن العالم كُليةً، أو الموت وتحلل الجسد الحاضن لهذه الأبنية البيولوجية.



حرب المنظومات

تتعايش المنظومات باعتبارها كائنات في المنظومة الكلية، لكن الفصل بينها ليس حديا كما يتبدى للذهن، إن بينها علاقات وبعضها ينبني على بعض، وقد تتشارك في بعض الكائنات الفكرية، وقد تجري على الكائن الفكري انسحابات وتغيرات ونمو واستقطاعات تبعا لتغيرات المنظومات الجزئية ونسب انهياراتها، تحدث أيضا عملية صراع بين المنظومات على تحديد المناطق المتنازع عليها في أرض الواقع ،مثل دوران القمر وموت الإنسان، هل يحدث لأسباب مادية أم غيبية مثلا، ونرى تمظهراتها الخارجية في ما يحدث بين المناهج المادية والغيبية والمناهج المزدوجة مثلا.



فناء المنظومات

إن هذا التغير المتكرر مع الزمن الطارئ على المنظومات في اتصالها المستمر بالواقع، وطبيعة التشويش التي تحدث عند انتقالها من كائن إلى آخر ، أو من جيل إلى جيل، سيؤدي حتما إلى فناء المنظومة بطريقة غير ملاحظة لتنشأ مكانها منظومات أخر، وذلك على مستوى الجماعة، مثلما نلاحظ في موت اللغات وتحور الأفكار الشديد عبر السنوات، ولذلك لا نجد مذهبا فكريا أو رؤية عقدية إلا وتحدث له تلك التغيرات التي تلغي بُنوّته للمصب المفترض، وأحسب أن ذلك من جماليات الوجود تلك الحركة الدائبة من الموت والحياة.



المتبقي

أين يقبع المتبقي فيما سلف من حديث؟ إنه هناك تستطيع رؤيته فيما أعجز أنا عن ذلك، لكن المتبقي الذي تبصره لن يبصره سواك، فهناك متبق لكل قارئ، أو هناك متبقيات بعدد القراء، والسبب أن لكل مفكر (إنسان أيا كان) منظوماته الخاصة المتكونة عبر الزمن كما أسلفت، ولأن الإنسان – وبلغة عدوية هذه المرة - لا ينتبه إلى أن متبقيه يسهم في قراءة متبقي الآخر، وذلك ما يجعل المتبقي بال التعريف غير موجود أصلا إلا كما توجد كلمة إنسان ، يتعدد تماما كما هي الحقيقة تتعدد بتعدد المحقين، رغم أننا نتفق على تسميتها بالحقيقة.

أسوق هنا تحيتي الخالصة للعدوي، في ذمه البواح للجمود، الذي هو آلية من آليات المنظومات في الدفاع عن مبانيها، وفي إدراكه الجميل لحركة الزمن التي لا تتوقف.

إن الحوار الجمعي الدائم - كما أعيد هنا ما فهمته من مقال العدوي - يسهم في اكتشاف المتبقي (البنية الشعورية التي تتحكم في التفكير)، لكن ذلك يعتمد على الصدق مع الذات في بحثها عن متبقيها، إلا أنه ولا شك يسهم في تجويع وضمور متبقي الجماعة، وبالتالي يمهد لعمليات الانهيار والترميم تلك العمليات الضرورية لا لنكون مستعدين للمستقبل بل لنسهم في صناعته.



المصدر :http://araek.page.tl

البلوشي2008
04/11/2008, 10:35 PM
شكرا الأخ عاشق الفلسفه على نقل هذا المقال الجميل وأفيدك بأن ملحق شرفات من جريدة عمان سوف
يستضيف غدا المفكر العماني خميس العدوي وسوف ينشر له أراء جريئه تنشر لأول مره .
وشكرا .

يحيى الراهب
04/11/2008, 10:49 PM
شكرا الأخ عاشق الفلسفه على نقل هذا المقال الجميل وأفيدك بأن ملحق شرفات من جريدة عمان سوف
يستضيف غدا المفكر العماني خميس العدوي وسوف ينشر له أراء جريئه تنشر لأول مره .
وشكرا .

كلنا شوق ُ ُ الى رؤية هذا الحوار
الجريء
و سوف نناقش حيثيات الحوار كالعادة

بوركت البلوشي 2008

البلوشي2008
04/11/2008, 10:53 PM
كلنا شوق ُ ُ الى رؤية هذا الحوار
الجريء
و سوف نناقش حيثيات الحوار كالعادة

بوركت البلوشي 2008
شكرا أخي الراهب وأن شاء الله سوف يكون الحوار ساخنا ودافعا للحراك الثقافي في عمان الى الأمام

pacodan
02/02/2010, 04:32 PM
موضوع رائع جدا ومفيد خاصة للباحث عن التطور للفكر الديني وعدم الركود والاتكال على آرآء المتقدمين

sabbr
14/02/2010, 05:25 PM
شكرا على المقال المميز - البلاغي الفلسفي

رغم أن قراءاتي لخميس العدوي قريبة عهد... إلا أن تصوري أنه لو اختصر تلك الفقرات القوية بلاغيا لأمكن لقارئ بسيط مثلي أن يخرج بثمرة تنفعه

كم تحتاج ساحة المثقفين لمثل هذا العقل المفكر.. لو أنه يكاشفنا أفكاره بطرق سهلة ،..

ذكرني بموجات الفلاسفة العرب قبيل عهود سقوط الدولة الإسلامية عن ركب التقدم العلمي والفكري..

والخلاصة.. سنظل في دوائر مغلقة إذا تتبعنا هذه الأساليب الفلسفية للتفكير والحوار الثقافي - العقيم
ولو تتبعنا مقالات وكتب المفكرين الذين ارتقو بالفكر الإنساني.. لوجدنا غالبيتها بسيطة واضحة صريحة
تستعمل مصطلحات واضحة المعنى والهدف..

كما أن اقتباساته واهتماماته بما اهتم به من قبله مفكري مصر والشام.. يجعله نسخة منهم " وهو الذي ينادي لعدم التقليد "!!

وأخيراً..

هل (المتبقي في الفكر) هي الأفكار الخاطئة التي نحملها -منذ ولادتنا إلى يومنا هذا- ولا نشعر بها؟