سويري
17/10/2008, 11:59 AM
يقالُ إنـّك عدوّ
عائشة السيفي
لم تفاجئني كثيراً ردود الفعل المتفاوتة التي صدرت عمّن قرؤوا مقالي الأخير للأسبوع الماضي الذي عنونتهُ بـ (رسالة إلى قارئ لا أعرفه) وهو الأمر الذي لم يفاجئني لمعرفتي كما ذكرتُ سابقاً بمزاجيّة القارئ .. لماذا أردت أن أعقب هذا الأسبوع على المقال؟ لأنني ببساطة أشعر أن القارئ ينبغي أن يكون ضليعاً فيما كنت أقوله ولا يزال .. أكثر من ردٍ جاء "يوبخني" لقولي"أنني أعود في بعض الأحيان إلى مقالاتٍ سابقةٍ كتبتُها وأشعر برغبة في التقيّؤ "وقالها لي أحد الاخوة بأنني إذا لم أحصد الاحترام الذاتي لنفسي فكيف سيحترمني القارئ؟ وحين كنت أقرأ ذلك ما كتب كنتُ أفكر أنني لم أقل سوى الحقيقة.. ألا يمر الكاتب بمقالٍ قديم له فيشعر أنه من السخف لدرجة أنه يخجل من نفسه بسببه؟
كانت أهم نقطة لفتتني هي حديث أحدهم لي تعقيباً على هذا المقال بقوله إني حاولت في المقال السابق استمالة القارئ إليّ .. جذبهِ نحوي ..ثم أكمل قائلاً إن ذلك يذكره بكتابٍ للناقد المغاربي عبدالفتاح كليطو يرصد فيها العَلاقة بين القارئ والكاتب فيقول إن الكاتب صديق القارئ بينما القارئ عدو الكاتب وأن - كليطو- رصد في كتابهِ متابعة لكتّابٍ قدماء أبرزهم الجاحظ الذي كان يطري القارئ بين جملةٍ وأخرى قائلاً وأنتَ - حفظك الله- .. أيها القارئ - أعزك الله- .. والتي صنفها كليطو بأنها محاولة ليست غريبة على عالم الكُتّاب في استمالة القراء نحوهم ..
حين سمعتُ ذلك شعرتُ أن كليطو فسّر تماماً هذه العلاقة .. القطبين الرئيسيين الكاتب والقارئ ..
مرةُ قررت أن أسأل كاتبة عمود في مجلة إن كانت تتلقى ردوداً على مقالاتها فردت علي بسرعة : لا يهمني .. وفهمت من ردها ذلك أنها لا تتلقى أي ردود وتفهّمت تماماً إحباطها ..
فيْ عُمان تحديداً وعبر رصدي لردود الفعل حول ما أكتب وسؤالي لأكثر من زميل من كتّاب الأعمدة أجمع كل من سألتهم أنهم لا يتلقون أي رسائل تعقيبية إلا في النادر (قد يمتد ذلك لأشهر) وهو ما يحبطهم .. إن أي كاتب لا يجد من يكترث لما يكتُبه هو خنجرٌ في الصميم .. لأنه لا يمكن إطلاقاً أن نكتب ونخرج ما نكتب للعالم دون انتظار ردة فعل .. هذا التجاهل قاتلٌ للغاية ..
إن شعورهم تماماً كشعوري حين أفتح بريدي لأجده فارغاً من أي تعليق .. ممتلئاً بعشرين رسالة من قراء أضافوني لقائمة المرسل إليهم ليحولوا لي رسائل عامة مع 100 مرسل إليه.. لا علاقة لهم لا بقريب أو بعيد بما أكتب ..
فكيف ندّعي أننا لا نهتم إن كان القارئ يتفاعل معنا أو لا؟
في مقالٍ لمحمد عبدالملك بجريدة الوطن البحرينية تحدث عن آثار انفصال القارئ والكاتب وكيف يتحول الكاتب إلى كائن انعزالي حين يصبح خالياً من قرّائهِ ..
وحدة الكاتب هي أولى علامات انهيار ذات الكتابة داخلهُ لأنه لولا الشعور بهذه الوحدة لما أحرق أبوحيان التوحيدي كتبه التي أفنى فيها عمره.. ولما انعزل كافكا على نفسه ليتخيله حشرة محبوسة في سرير إلا لأنه عدم من يقرأ له ولم يكن يعلم أن كتبه ستباع بعد موته بالملايين..
وحين يشعر أي كاتب بهكذا شعور فإنه يهاجر بقلمه إلى أنحاء أخرى يقرأ فيها قرّاء آخرون ما يكتب ويتفاعلون معهُ ..
مرةً سألتُ كاتباً خليجياً يكتب في صحيفة بدولة أخرى غير بلده .. لماذا تكتب في صحيفة خارج وطنك فأجابني قائلاً .. هرباً من قسوة الصحيفة والقارئ، وحين استفهمته عن معنى ذلك أجاب أن قسوة الصحيفة كانت تكمن في رقابتها الزائدة وتهميشها المادي والمعنوي لما يكتب .. أما قسوة القارئ فكانت بتجاهله .. أكمل قائلاً: (أردت أن يفتقدني أحدهم إن غبت أسبوعاً فلم أجد .. أن يعلق أحدهم على قضية طرحتها فلم أجد .. أن يعارض أحدهم رأياً أبديتهُ فلم أجد .. إذن ما جدوى كتابتي؟) قلت له : وماذا عن قرّاء الصحيفة الأخرى؟ قال لي: (لا أستطيع أن أقول لك أنني أصبحت أتلقى مئات الردود .. لكن 20 رداً كل أسبوع ليس قليلاً .. إنه مبعث 20 فكرة لعشرين مقالا..).
ومن المصادفة أني بعدها بأيام طرحت نصاً في صحيفة عُمانية ومن ثم نشرتهُ في صحيفة خارج عُمان .. أما اليوم الذي طرحت النص فيه داخل عُمان فلم أجد ولا ربع تعليقٍ عليه .. سلباً أو إيجاباً وأما اليوم الذي طرحته في الصحيفة العربية فإنني أصبتُ بالرعب حين فتحت بريدي ذلك اليوم لأجد الصفحة الأولى من بريدي قد تحولت إلى اللون الأحمر لوجود الرسائل غير المقروءة بها واتضح أنها من قراء تلك الصحيفة.. لم تكن الردود إيجابية جميعها بشأن النص لكنها أشعرتني بالراحة لأن هناك من استجاب لما كتبتُ .. أياً كانت ردّة فعله!
في بعض الأحيان حين لا أجد أي تعليق أذهب إلى عائلتي وأفراد أسرتي .. إلى أمي تحديداً كي أسألهم عن آرائهم .. ففي النهاية تظل كتابتنا خاوية إذا لم تجد من يخلق حولها رأياً .. صائباً يحتمل الخطأ أو خاطئا يحتمل الصواب..
تقول لي أمي: مقالك اليوم لا أحبه .. أسألها لماذا؟ فتقول لي: كله لغة .. غير مفهوم .. أو تمنحني أسباباً أخرى .. ويخرجُ نقاشٌ جيدٌ لحظتها .. وربما لأجل ذلك شعرتُ عبرَ أمّي وعبر قراءٍ آخرين تفاعلوا معي أن القارئ العامّ لا يحبّ أن نستعرض ثقافتنا اللغوية والكلماتية عليه ولأجل ذلك قررت الابتعاد عن كتابة النصوص الأدبية اللغوية البحتة في ردهات لأن القراء أنفسهم هم من أخبروني أنها لا تروقهم .. إذن لم أكن لأعرف أنها كذلك لو لم يستجب القراء من حولي لما أكتب..
فإذن كيف سيصنع الكاتب لنا شيئاً جميلاً إذا لم نتفاعل معه؟ ألسنا بذلك نظلمه ونظلم تجربته؟
في عُمان وأتحدث هنا عن محيطي وأسرتي ومن أعرفهم .. يكتفي أغلبنا بقراءة الجريدة والمقالات الموجودة بها ثم نتركها .. حتى وإن كنا نحمل آراء معيّنة تجاه تلك المقالات نودّ إيصالها للكاتب .. أغلبنا لا يكترث لما يكتبهُ الكتّاب .. ولا أبرّئ نفسي من هذه التهمة بل أجدني ضليعة فيها تماماً إذ كثيراً ما راقني نصٌ قرأته لزميلٍ كاتبٍ أو شاعر أو قاصّ ولا أتكلّف عناء نقل عنوانه البريدي وإرسال رسالة قصيرة من بضع كلمات .. أقول .. يا لنا من بخلاء!
ليس غريباً أن يُحبَط كتّابنا .. وأن يبحثوا عن شعوبٍ مجاورةٍ تقرأ لهم .. ليس لأنهم لم يجدوا من يقرأ لهم .. بل هنالك الآلاف ممن يقرؤون لهم في دوائر العمل والشركات والمدارس والمستشفيات والبيوت وغيرها .. بل لأننا نبخل برسالة قصيرة لهذا الكاتب .. ليس لنمتدحه بل لنبدي رأينا الصريح ففي النهاية نظلّ قراءً لا يعرفهم هذا الكاتب وبالتالي ليس مهماً أن نكترث إن كان هذا الكاتب سيأخذ موقفاً منا لأننا ببساطة مجهولون بالنسبة لهُ..
الكاتب الجميل - كما يقال- يحتاج قارئاً جميلاً ينصفهُ .. لأن أي نص روائياً كان أم شعريا أم قصصياً لن يقال إنه جميل إلا لأن هناك من قرأه فرآه جميلاً .. أقلب الصحف وقد اصفرّت .. أجد مقالاً جميلا في صحيفة عمانية وأحزن كثيراً لأنني بخلفية معرفتي بكتّاب هذه المقالات أعرف أنهم يفتحون بريدهم فلا يجدون من يستقبلهم من القرّاء..
إذا لم يكن هنالك من يقرأ فإنه لن يكون هناك قراء حقيقيون .. لأنه وكما يقول الطيب صالح .. لابد من قراءٍ حقيقيين كي يكون هنالك كُتّابٌ حقيقيون وإلا فحينما لا يبقى هنالك من يقرأ بشكل جميل .. سيتحول الجميع للكتابة فيصبح الحال مثل من تحولوا جميعاً إلى الغناء في زمنٍ لم يعد هنالك مستمعون حقيقيّون..
اقرؤوهم جيداً يا أصدقائي .. تفاعلوا معي ومع كاتب العمود في الصفحة المجاورة والتي تليها .. وصاحب المقال الفلاني في الجريدة الأخرى .. واقرؤوا القصيدة تلك في الملحق الآخر .. وحينها في المقال ستجدونَ من الكاتبِ نصوصاً أجمل ومقالاتٍ أروع لأنه يعرف أن هناك من يستجيب لجمالِ ما يكتب ويتفاعل مع ردودكم المستمرة ..
أما حين تغيبونَ عن الكاتب .. يغيب الكاتب الحقيقي ، لأنه يعبّر حين يكتب عن نفسيته قبلَ فِكره وحين تسوء نفسيتهُ فلا تتوقعوا شيئاً جميلاً منه ..
اكتبُوا لنا .. نكتُبْ لكم .. صدّقوني سيخرجُ حينها شيءٌ جميلٌ إلى النور!
جريدة الوطن
15/10/2008
عائشة السيفي
لم تفاجئني كثيراً ردود الفعل المتفاوتة التي صدرت عمّن قرؤوا مقالي الأخير للأسبوع الماضي الذي عنونتهُ بـ (رسالة إلى قارئ لا أعرفه) وهو الأمر الذي لم يفاجئني لمعرفتي كما ذكرتُ سابقاً بمزاجيّة القارئ .. لماذا أردت أن أعقب هذا الأسبوع على المقال؟ لأنني ببساطة أشعر أن القارئ ينبغي أن يكون ضليعاً فيما كنت أقوله ولا يزال .. أكثر من ردٍ جاء "يوبخني" لقولي"أنني أعود في بعض الأحيان إلى مقالاتٍ سابقةٍ كتبتُها وأشعر برغبة في التقيّؤ "وقالها لي أحد الاخوة بأنني إذا لم أحصد الاحترام الذاتي لنفسي فكيف سيحترمني القارئ؟ وحين كنت أقرأ ذلك ما كتب كنتُ أفكر أنني لم أقل سوى الحقيقة.. ألا يمر الكاتب بمقالٍ قديم له فيشعر أنه من السخف لدرجة أنه يخجل من نفسه بسببه؟
كانت أهم نقطة لفتتني هي حديث أحدهم لي تعقيباً على هذا المقال بقوله إني حاولت في المقال السابق استمالة القارئ إليّ .. جذبهِ نحوي ..ثم أكمل قائلاً إن ذلك يذكره بكتابٍ للناقد المغاربي عبدالفتاح كليطو يرصد فيها العَلاقة بين القارئ والكاتب فيقول إن الكاتب صديق القارئ بينما القارئ عدو الكاتب وأن - كليطو- رصد في كتابهِ متابعة لكتّابٍ قدماء أبرزهم الجاحظ الذي كان يطري القارئ بين جملةٍ وأخرى قائلاً وأنتَ - حفظك الله- .. أيها القارئ - أعزك الله- .. والتي صنفها كليطو بأنها محاولة ليست غريبة على عالم الكُتّاب في استمالة القراء نحوهم ..
حين سمعتُ ذلك شعرتُ أن كليطو فسّر تماماً هذه العلاقة .. القطبين الرئيسيين الكاتب والقارئ ..
مرةُ قررت أن أسأل كاتبة عمود في مجلة إن كانت تتلقى ردوداً على مقالاتها فردت علي بسرعة : لا يهمني .. وفهمت من ردها ذلك أنها لا تتلقى أي ردود وتفهّمت تماماً إحباطها ..
فيْ عُمان تحديداً وعبر رصدي لردود الفعل حول ما أكتب وسؤالي لأكثر من زميل من كتّاب الأعمدة أجمع كل من سألتهم أنهم لا يتلقون أي رسائل تعقيبية إلا في النادر (قد يمتد ذلك لأشهر) وهو ما يحبطهم .. إن أي كاتب لا يجد من يكترث لما يكتُبه هو خنجرٌ في الصميم .. لأنه لا يمكن إطلاقاً أن نكتب ونخرج ما نكتب للعالم دون انتظار ردة فعل .. هذا التجاهل قاتلٌ للغاية ..
إن شعورهم تماماً كشعوري حين أفتح بريدي لأجده فارغاً من أي تعليق .. ممتلئاً بعشرين رسالة من قراء أضافوني لقائمة المرسل إليهم ليحولوا لي رسائل عامة مع 100 مرسل إليه.. لا علاقة لهم لا بقريب أو بعيد بما أكتب ..
فكيف ندّعي أننا لا نهتم إن كان القارئ يتفاعل معنا أو لا؟
في مقالٍ لمحمد عبدالملك بجريدة الوطن البحرينية تحدث عن آثار انفصال القارئ والكاتب وكيف يتحول الكاتب إلى كائن انعزالي حين يصبح خالياً من قرّائهِ ..
وحدة الكاتب هي أولى علامات انهيار ذات الكتابة داخلهُ لأنه لولا الشعور بهذه الوحدة لما أحرق أبوحيان التوحيدي كتبه التي أفنى فيها عمره.. ولما انعزل كافكا على نفسه ليتخيله حشرة محبوسة في سرير إلا لأنه عدم من يقرأ له ولم يكن يعلم أن كتبه ستباع بعد موته بالملايين..
وحين يشعر أي كاتب بهكذا شعور فإنه يهاجر بقلمه إلى أنحاء أخرى يقرأ فيها قرّاء آخرون ما يكتب ويتفاعلون معهُ ..
مرةً سألتُ كاتباً خليجياً يكتب في صحيفة بدولة أخرى غير بلده .. لماذا تكتب في صحيفة خارج وطنك فأجابني قائلاً .. هرباً من قسوة الصحيفة والقارئ، وحين استفهمته عن معنى ذلك أجاب أن قسوة الصحيفة كانت تكمن في رقابتها الزائدة وتهميشها المادي والمعنوي لما يكتب .. أما قسوة القارئ فكانت بتجاهله .. أكمل قائلاً: (أردت أن يفتقدني أحدهم إن غبت أسبوعاً فلم أجد .. أن يعلق أحدهم على قضية طرحتها فلم أجد .. أن يعارض أحدهم رأياً أبديتهُ فلم أجد .. إذن ما جدوى كتابتي؟) قلت له : وماذا عن قرّاء الصحيفة الأخرى؟ قال لي: (لا أستطيع أن أقول لك أنني أصبحت أتلقى مئات الردود .. لكن 20 رداً كل أسبوع ليس قليلاً .. إنه مبعث 20 فكرة لعشرين مقالا..).
ومن المصادفة أني بعدها بأيام طرحت نصاً في صحيفة عُمانية ومن ثم نشرتهُ في صحيفة خارج عُمان .. أما اليوم الذي طرحت النص فيه داخل عُمان فلم أجد ولا ربع تعليقٍ عليه .. سلباً أو إيجاباً وأما اليوم الذي طرحته في الصحيفة العربية فإنني أصبتُ بالرعب حين فتحت بريدي ذلك اليوم لأجد الصفحة الأولى من بريدي قد تحولت إلى اللون الأحمر لوجود الرسائل غير المقروءة بها واتضح أنها من قراء تلك الصحيفة.. لم تكن الردود إيجابية جميعها بشأن النص لكنها أشعرتني بالراحة لأن هناك من استجاب لما كتبتُ .. أياً كانت ردّة فعله!
في بعض الأحيان حين لا أجد أي تعليق أذهب إلى عائلتي وأفراد أسرتي .. إلى أمي تحديداً كي أسألهم عن آرائهم .. ففي النهاية تظل كتابتنا خاوية إذا لم تجد من يخلق حولها رأياً .. صائباً يحتمل الخطأ أو خاطئا يحتمل الصواب..
تقول لي أمي: مقالك اليوم لا أحبه .. أسألها لماذا؟ فتقول لي: كله لغة .. غير مفهوم .. أو تمنحني أسباباً أخرى .. ويخرجُ نقاشٌ جيدٌ لحظتها .. وربما لأجل ذلك شعرتُ عبرَ أمّي وعبر قراءٍ آخرين تفاعلوا معي أن القارئ العامّ لا يحبّ أن نستعرض ثقافتنا اللغوية والكلماتية عليه ولأجل ذلك قررت الابتعاد عن كتابة النصوص الأدبية اللغوية البحتة في ردهات لأن القراء أنفسهم هم من أخبروني أنها لا تروقهم .. إذن لم أكن لأعرف أنها كذلك لو لم يستجب القراء من حولي لما أكتب..
فإذن كيف سيصنع الكاتب لنا شيئاً جميلاً إذا لم نتفاعل معه؟ ألسنا بذلك نظلمه ونظلم تجربته؟
في عُمان وأتحدث هنا عن محيطي وأسرتي ومن أعرفهم .. يكتفي أغلبنا بقراءة الجريدة والمقالات الموجودة بها ثم نتركها .. حتى وإن كنا نحمل آراء معيّنة تجاه تلك المقالات نودّ إيصالها للكاتب .. أغلبنا لا يكترث لما يكتبهُ الكتّاب .. ولا أبرّئ نفسي من هذه التهمة بل أجدني ضليعة فيها تماماً إذ كثيراً ما راقني نصٌ قرأته لزميلٍ كاتبٍ أو شاعر أو قاصّ ولا أتكلّف عناء نقل عنوانه البريدي وإرسال رسالة قصيرة من بضع كلمات .. أقول .. يا لنا من بخلاء!
ليس غريباً أن يُحبَط كتّابنا .. وأن يبحثوا عن شعوبٍ مجاورةٍ تقرأ لهم .. ليس لأنهم لم يجدوا من يقرأ لهم .. بل هنالك الآلاف ممن يقرؤون لهم في دوائر العمل والشركات والمدارس والمستشفيات والبيوت وغيرها .. بل لأننا نبخل برسالة قصيرة لهذا الكاتب .. ليس لنمتدحه بل لنبدي رأينا الصريح ففي النهاية نظلّ قراءً لا يعرفهم هذا الكاتب وبالتالي ليس مهماً أن نكترث إن كان هذا الكاتب سيأخذ موقفاً منا لأننا ببساطة مجهولون بالنسبة لهُ..
الكاتب الجميل - كما يقال- يحتاج قارئاً جميلاً ينصفهُ .. لأن أي نص روائياً كان أم شعريا أم قصصياً لن يقال إنه جميل إلا لأن هناك من قرأه فرآه جميلاً .. أقلب الصحف وقد اصفرّت .. أجد مقالاً جميلا في صحيفة عمانية وأحزن كثيراً لأنني بخلفية معرفتي بكتّاب هذه المقالات أعرف أنهم يفتحون بريدهم فلا يجدون من يستقبلهم من القرّاء..
إذا لم يكن هنالك من يقرأ فإنه لن يكون هناك قراء حقيقيون .. لأنه وكما يقول الطيب صالح .. لابد من قراءٍ حقيقيين كي يكون هنالك كُتّابٌ حقيقيون وإلا فحينما لا يبقى هنالك من يقرأ بشكل جميل .. سيتحول الجميع للكتابة فيصبح الحال مثل من تحولوا جميعاً إلى الغناء في زمنٍ لم يعد هنالك مستمعون حقيقيّون..
اقرؤوهم جيداً يا أصدقائي .. تفاعلوا معي ومع كاتب العمود في الصفحة المجاورة والتي تليها .. وصاحب المقال الفلاني في الجريدة الأخرى .. واقرؤوا القصيدة تلك في الملحق الآخر .. وحينها في المقال ستجدونَ من الكاتبِ نصوصاً أجمل ومقالاتٍ أروع لأنه يعرف أن هناك من يستجيب لجمالِ ما يكتب ويتفاعل مع ردودكم المستمرة ..
أما حين تغيبونَ عن الكاتب .. يغيب الكاتب الحقيقي ، لأنه يعبّر حين يكتب عن نفسيته قبلَ فِكره وحين تسوء نفسيتهُ فلا تتوقعوا شيئاً جميلاً منه ..
اكتبُوا لنا .. نكتُبْ لكم .. صدّقوني سيخرجُ حينها شيءٌ جميلٌ إلى النور!
جريدة الوطن
15/10/2008