سعيد بوراشد
11/09/2008, 02:14 PM
)إنها موسكو يا عزيزي
بقلم:سعيد حمدان(زاوية موزاييك-جريدة الخليج/الامارات)
موسكو جميلة.. إنها واحدة من عواصم خالدة تستحق الزيارة، على الأقل لتأمل التاريخ ومشاهدة ساحة الأحداث: كيف كان العالم يوما؟ وكيف غيّرت موسكو المعادلات والقيم والثوابت والجغرافيا والاقتصاد والسياسة وقناعات المجتمعات ووجوه الناس وعقولهم أيضا، غيّرت كل شيء عندما سقطت وتغيرت.
موسكو اليوم تشعرك بالخوف والقلق يوحيهما لك ملامح الروسي الجامدة العابسة، ومطارها يعيد إلى الذاكرة ال (كي جي بي) وشراسة العسكر التي كانت في زمن الشيوعية وظلال الحرب الباردة التي شاهدتها في الأفلام الأمريكية. تفتيش دقيق وتحديق يبديه موظف الجوازات يجعلك تكره الوصول إلى أرضها، ولكن في الخارج عالم آخر، الناس هنا مشغولة بمعالجة الفقر أو زيادة الثراء، لا عليك منهم إنهم لا يهتمون بك، ابحث في رحلتك عن مجد روسيا القيصرية وقوة الاتحاد السوفييتي عندما كان. شاهد عظمة الجسور وبناء الطرقات وهياكل المباني المتزاحمة في كل اتجاه إنها غبراء قديمة تعبر عن زمن كان، لكنها صلبة مشحونة بطاقات الاسمنت والحديد، كيف استطاعوا صب هذه القوالب وهندسوا كل هذا البناء؟ تبرز لك القوة والضخامة وتعب البناء وجهد المال المهدور على البنية التحتية، لكن الجمال هناك تلمسه عندما تنزل طبقات تحت الأرض لتجرب استخدام (المترو) قد لا تحتاج إلى ركوبه، لكنك في حاجة إلى أن تشاهد عظمة روسيا في هذه المحطات، إنها سبقت الجميع ومنذ عشرات السنين في تشييد اكبر نظام مترو تحت الارض في العالم، وغلفوا هذه التقنية والريادة بأن جعلوا محطات القطار آيات من الجمال المرسوم في جوانب هذه الصالات، تنسى عندها حركة القطار ولماذا أتيت؟ تقف مشدوها يدور رأسك بين السقف والممشى والجدران، كيف صنعوا ورسموا هذا؟ معقول أن تلك الوجوه الجامدة الصارمة تملك هذه الروح المرهفة العاشقة للجمال والفن؟ تعبر منك آهات عند كل التفاتة، وعند كل محطة، فأينما تسير تجد عالما من الجمال لا يتكرر ولا يتشابه في تفاصيله. تذكّر ان هذا ليس كل موسكو إنها فقط محطات قطاراتها، وان هذا الذي تشاهده وتسير فيه هو ما تحت الأرض.
أين تجد التاكسي”؟
فوق الأرض لا تحتاج ان تبحث عن تاكسي، قد لا تجد إشارته التي تعرفها في كل مكان تقصده من هذا العالم، لكن أي سيارة تسير في شوارع موسكو هي تاكسي يمكنك ان تلوح له ويقف لك، وستشاهد في شوارعها تحفاً متحركة منقرضة في بلدان أخرى، كيف تسير مثل هذه السيارات والى أي حقبة تنتمي؟ دليلنا العربي اخبرنا أنها سيارات روسية بعضها يعود موديله” الى نهاية الخمسينات وجميعها تسير وتجد لها قطع غيار، وفي زمن الشيوعية كان من حق المواطن ان يركب مع أي رفيق مجانا، اليوم استمرت الحالة ولكن في الغالب عليك أن تدفع أجرة التوصيل وان تفاصل، ولكن لا تحاولوا الإشارة الى السيارات الفخمة، إنهم ليسوا رفاق الزمن الشيوعي ولن يقفوا لكم طبعا، وأثرياء المافيا كما يصفهم الدليل ما أكثرهم هنا، تجد أثرهم في الفنادق الفخمة وفي الكازينوهات وفي أغلى واحدث السيارات التي تصل الى موسكو قبل أي مكان آخر من العالم.
ولا يحلو فضاء موسكو الا عندما تسكن في الليل، وتخرج منها تلك الملايين التي تقصدها كل صباح للعمل فيها، راقبها في ظلال المساء إنها ساحرة، خاصة إذا شاهدتها من (تل الطيور) ذلك المرتفع الذي يمكّنك من رؤية المدينة في بانوراما تزينها الأضواء ويلفها السكون من بعيد، ورعشة باردة تصيب عظامك في بلاد تشتاق دائما الى الدفء، تخاف من موجات الصقيع تغزوها في الفجر او حتى خلال موسم الخريف.
من تلك الهضبة يمكنك ان تلمح عجائب موسكو في مبانيها السبعة المتشابهة، التي خصص واحد منها للخارجية وآخر كجامعة، يدخلها طفل الروضة ويخرج منها حاملا درجة الدكتوراه تعبيرا عن ضخامة وارتفاع مبناها، هذه العجائب التي بنيت من عشرات السنين وقيل ان روسيا سخّرت أسراها في الحرب العالمية لتشييدها، هي الأخرى آية في الفن والجمال وعظمة الهندسة والبناء ولا يمكن ان تجد لها شبيها في أي بقعة أخرى.
دليلنا في موسكو وهو زميل صحافي عربي هجر مثل غيره من المناضلين الرفاق أوطانهم حيث جذبهم المد الشيوعي، وجاء يبحث عن الفكر والحياة والثورة فعاش يدرس مستقرا في ظل النظام وعندما تغير العالم وسقط الجدار وانقلبت موسكو على نفسها أصبح هو وغيره في مهب الريح، لا وطن ولا مبادئ أعطاها عمره وفكره ولا يعرف أين يذهب أو يعود؟ أو كيف سيعيش وأين هو المستقبل؟!
في موسكو شوارع فيها أغلى واحدث الماركات العالمية، فيها الساحة الحمراء والكرملين وقباب الذهب، وضريح لينين ومسرح البولشوي ومتاحف تضم لوحات وكنوزاً فنية لا تقدر بثمن، فيها مطاعم من كل أنحاء العالم لا تجدها مجتمعة بهذا التنوع والفخامة الا هنا، وفيها عصابات وإجرام وخوف وفقراء يموتون من الجوع والبرد على طرف شارع الموضة.
لا تستغرب إنها موسكو الحاضر يا عزيزي- يقول الدليل.
بقلم:سعيد حمدان(زاوية موزاييك-جريدة الخليج/الامارات)
موسكو جميلة.. إنها واحدة من عواصم خالدة تستحق الزيارة، على الأقل لتأمل التاريخ ومشاهدة ساحة الأحداث: كيف كان العالم يوما؟ وكيف غيّرت موسكو المعادلات والقيم والثوابت والجغرافيا والاقتصاد والسياسة وقناعات المجتمعات ووجوه الناس وعقولهم أيضا، غيّرت كل شيء عندما سقطت وتغيرت.
موسكو اليوم تشعرك بالخوف والقلق يوحيهما لك ملامح الروسي الجامدة العابسة، ومطارها يعيد إلى الذاكرة ال (كي جي بي) وشراسة العسكر التي كانت في زمن الشيوعية وظلال الحرب الباردة التي شاهدتها في الأفلام الأمريكية. تفتيش دقيق وتحديق يبديه موظف الجوازات يجعلك تكره الوصول إلى أرضها، ولكن في الخارج عالم آخر، الناس هنا مشغولة بمعالجة الفقر أو زيادة الثراء، لا عليك منهم إنهم لا يهتمون بك، ابحث في رحلتك عن مجد روسيا القيصرية وقوة الاتحاد السوفييتي عندما كان. شاهد عظمة الجسور وبناء الطرقات وهياكل المباني المتزاحمة في كل اتجاه إنها غبراء قديمة تعبر عن زمن كان، لكنها صلبة مشحونة بطاقات الاسمنت والحديد، كيف استطاعوا صب هذه القوالب وهندسوا كل هذا البناء؟ تبرز لك القوة والضخامة وتعب البناء وجهد المال المهدور على البنية التحتية، لكن الجمال هناك تلمسه عندما تنزل طبقات تحت الأرض لتجرب استخدام (المترو) قد لا تحتاج إلى ركوبه، لكنك في حاجة إلى أن تشاهد عظمة روسيا في هذه المحطات، إنها سبقت الجميع ومنذ عشرات السنين في تشييد اكبر نظام مترو تحت الارض في العالم، وغلفوا هذه التقنية والريادة بأن جعلوا محطات القطار آيات من الجمال المرسوم في جوانب هذه الصالات، تنسى عندها حركة القطار ولماذا أتيت؟ تقف مشدوها يدور رأسك بين السقف والممشى والجدران، كيف صنعوا ورسموا هذا؟ معقول أن تلك الوجوه الجامدة الصارمة تملك هذه الروح المرهفة العاشقة للجمال والفن؟ تعبر منك آهات عند كل التفاتة، وعند كل محطة، فأينما تسير تجد عالما من الجمال لا يتكرر ولا يتشابه في تفاصيله. تذكّر ان هذا ليس كل موسكو إنها فقط محطات قطاراتها، وان هذا الذي تشاهده وتسير فيه هو ما تحت الأرض.
أين تجد التاكسي”؟
فوق الأرض لا تحتاج ان تبحث عن تاكسي، قد لا تجد إشارته التي تعرفها في كل مكان تقصده من هذا العالم، لكن أي سيارة تسير في شوارع موسكو هي تاكسي يمكنك ان تلوح له ويقف لك، وستشاهد في شوارعها تحفاً متحركة منقرضة في بلدان أخرى، كيف تسير مثل هذه السيارات والى أي حقبة تنتمي؟ دليلنا العربي اخبرنا أنها سيارات روسية بعضها يعود موديله” الى نهاية الخمسينات وجميعها تسير وتجد لها قطع غيار، وفي زمن الشيوعية كان من حق المواطن ان يركب مع أي رفيق مجانا، اليوم استمرت الحالة ولكن في الغالب عليك أن تدفع أجرة التوصيل وان تفاصل، ولكن لا تحاولوا الإشارة الى السيارات الفخمة، إنهم ليسوا رفاق الزمن الشيوعي ولن يقفوا لكم طبعا، وأثرياء المافيا كما يصفهم الدليل ما أكثرهم هنا، تجد أثرهم في الفنادق الفخمة وفي الكازينوهات وفي أغلى واحدث السيارات التي تصل الى موسكو قبل أي مكان آخر من العالم.
ولا يحلو فضاء موسكو الا عندما تسكن في الليل، وتخرج منها تلك الملايين التي تقصدها كل صباح للعمل فيها، راقبها في ظلال المساء إنها ساحرة، خاصة إذا شاهدتها من (تل الطيور) ذلك المرتفع الذي يمكّنك من رؤية المدينة في بانوراما تزينها الأضواء ويلفها السكون من بعيد، ورعشة باردة تصيب عظامك في بلاد تشتاق دائما الى الدفء، تخاف من موجات الصقيع تغزوها في الفجر او حتى خلال موسم الخريف.
من تلك الهضبة يمكنك ان تلمح عجائب موسكو في مبانيها السبعة المتشابهة، التي خصص واحد منها للخارجية وآخر كجامعة، يدخلها طفل الروضة ويخرج منها حاملا درجة الدكتوراه تعبيرا عن ضخامة وارتفاع مبناها، هذه العجائب التي بنيت من عشرات السنين وقيل ان روسيا سخّرت أسراها في الحرب العالمية لتشييدها، هي الأخرى آية في الفن والجمال وعظمة الهندسة والبناء ولا يمكن ان تجد لها شبيها في أي بقعة أخرى.
دليلنا في موسكو وهو زميل صحافي عربي هجر مثل غيره من المناضلين الرفاق أوطانهم حيث جذبهم المد الشيوعي، وجاء يبحث عن الفكر والحياة والثورة فعاش يدرس مستقرا في ظل النظام وعندما تغير العالم وسقط الجدار وانقلبت موسكو على نفسها أصبح هو وغيره في مهب الريح، لا وطن ولا مبادئ أعطاها عمره وفكره ولا يعرف أين يذهب أو يعود؟ أو كيف سيعيش وأين هو المستقبل؟!
في موسكو شوارع فيها أغلى واحدث الماركات العالمية، فيها الساحة الحمراء والكرملين وقباب الذهب، وضريح لينين ومسرح البولشوي ومتاحف تضم لوحات وكنوزاً فنية لا تقدر بثمن، فيها مطاعم من كل أنحاء العالم لا تجدها مجتمعة بهذا التنوع والفخامة الا هنا، وفيها عصابات وإجرام وخوف وفقراء يموتون من الجوع والبرد على طرف شارع الموضة.
لا تستغرب إنها موسكو الحاضر يا عزيزي- يقول الدليل.