سبلة عمان

العودة   سبلة عمان » سبلة السياسة والاقتصاد

ملاحظات \ آخر الأخبار

 
 
أدوات الموضوع البحث في الموضوع أنماط العرض
  #1  
قديم 14/06/2010, 03:27 PM
صورة عضوية بني تغلب
بني تغلب بني تغلب غير متصل حالياً
عضو مميز
 
تاريخ الانضمام: 15/07/2008
الإقامة: Muscat
الجنس: ذكر
المشاركات: 3,473
افتراضي مقال رائع من موقع آية الله خامنئي

قضايا فكرية > الإسلام والعروبة في مواجهة الهجمة الأمريكية الراهنة على الأمة

الإسلام والعروبة في مواجهة الهجمة الأمريكية الراهنة على الأمة

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

في إطار المؤتمر الذي تقيمه لجنة دعم الانتفاضة في نقابة المهندسين اللبنانيين، ولجنة دعم الانتفاضة في اتحاد المهندسين العرب لدعم الانتفاضة، وتحت عنوان: الإسلام والعروبة في مواجهة الهجمة الأميركية الراهنة على الأمة»، حاضر سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله بحضور النائب محمد الحجّار، والنائب السابق إسماعيل سكرية، رئيس اتحاد المهندسين العرب الدكتور حسن السند، ونائبه سمير ضومط، والأمين العام لاتحاد المهندسين العرب غسان رضوان ومستشاره ياسر الجنابي، رئيس اتحاد المهندسين اللبنانيين النقيب صبحي البساط، نقيب المهندسين في الشمال المهندس فؤاد ضاهر، والأمين العام المساعد لشؤون المشرق العربي في الاتحاد، والأمين العام المساعد لشؤون المغرب العربي نقيب المهندسين السوريين محمد فايز محفوظ، ورؤساء الوفود والنقابات العربية، ونائب رئيس الاتحاد العالمي للمنظمات الهندسية د.كمال العيادي، وحشد كبير من الفاعليات السياسية والتربوية والثقافية اللبنانية والعربية.

الواقع العربي والأيديولوجيات المستوردة:


استهلَّ العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله محاضرته قائلاً: "أن تكون إنسانيتك تنبض في عقلك وتعيش في قلبك وتتحرك في طاقاتك، معناها أن تكون الفعل، أن تصنع الفكرة، القضية، الحركة، الواقع، لا أن تكون رد الفعل، لأن الفعل أنت أما رد الفعل فهو الآخر، أن تكون الصوت لا أن تكون الصدى، ولعل منشأ كل هذه المأساة التي عشناها دينياً وثقافياً وسياسياً واجتماعياً، هي أن عناصر التخلف التي زحفت إلينا من هنا وهناك كانت الصوت، وكان تخلّفنا هو الصدى الذي امتد مع القرون، كنا رد الفعل، وحتى عندما كنا نحارب التخلف فلم نكن نصنع التقدم، بل انطلقنا لنكبت هذه الطاقة ونجمّد تلك...".

"وقيمة الانتفاضة أنها كانت الفعل، منذ عام 1948، أريد لفلسطين ومن خلفها للعرب وللمسلمين أن يكونوا رد الفعل، وأن يلاحقوا التفاصيل، ولاحقنا التقسيم مدة من الزمن حتى فرغناه من مضمونه بعيداً عما إذا كان سلبياً أو إيجابياً، ثم انطلقنا ونحن نستغرق في رد الفعل من أجل أن نجمع ونطلق كل الأيديولوجيات إلى ساحتنا، كنا نُحلّق في التجريد، التجريد السياسي الذي ينطلق من بلاد عاشت ثورات، ولكن في مناخ يختلف عن مناخنا. وحاولنا أن ننقل ما احتضنته المناخات المختلفة من أفكار وسياسات من دون المقارنة بين هذه المناخات، وأنتم تعرفون الغرسة التي تزرع في مناخ غير مناخها كيف تنشأ جدباء وتنتهي ميتة. شغلتنا كل الأيديولوجيات، وكانت مقاهي شارع الحمراء في بيروت تضج بالأيديولوجيات، وكانت فلسطين الواقع تعيش وحيدة أمام كل هذه الأيديولوجيات، وكانت العقول مستعارة، والوجوه مستعارة، وفي هذا المقام أستذكر بيتي شعر لشاعر لبناني مبدع عاش المأساة اللبنانية والعربية، وقتل حياته بيده، وهو خليل حاوي:

نحـن في بيـروت مأسـاة ولدنا بوجوه وعقول مستعارة

تولد الفكرة في السوق بغياً ثم تقضي العمر في لفق البكارة


وانطلقت المسألة، هناك واقع فاسد فرض نفسه على فلسطين، وعلينا أن نغيره، وكانت الانقلابات، وتبدلت البنادق من بريطانية إلى أميركية، واشتعلت الهتافات بالثورة.. والنتائج معروفة...".

"إنني لا أريد أن أتحدث عن السلبيات مُديناً ومتهماً، ولكن أسأل عن حقيقة كل الانقلابات العسكرية، ألم تعمل بكل قوة لإضاعة فلسطين حتى تتفرغ إسرائيل لترتيب أمورها، ومن أجل أن ينسى الناس فلسطين في ظلّ كل هذا الضجيج الانقلابي الثوري الأيديولوجي.. كنا رد الفعل، فالآخرون يخططون لنكون رد الفعل، ببراءة وربما بطهارة، ولكن قتلتنا البراءة الساذجة والطهارة الغبية.

وعلى هذا الخط، أُريد لفلسطين عندما بدأت تتنفّس، أن تدخل في كل هذا النظام العربي كمنظمة محسوبة على هذا النظام ومنظمة محسوبة على نظام آخر، وكنا في بيروت.. نعيش مع فلسطين كل تناقضات الأنظمة، كنا نعيش الصراع بين نظام يحمل لافتة فلسطينية في هذا الجانب، ولافتة فلسطينية في ذلك الجانب، وفلسطين غريبة عن ذلك كله.. وكانت الحرب اللبنانية الكيسنجرية من أجل أن تُدفن القضية الفلسطينية في لبنان، لم تكن حرب اللبنانيين أو بين المسلمين والمسيحيين، فالشعب اللبناني براء من هذه الحرب، والذين دخلوها هم الذين استغرقتهم اللعبة, أو أُريد لهم أن يتحركوا كمفردات في الخطة هنا وهناك.. ولو تمت تحت عناوين يسارية أو يمينة.

ولذلك عندما أريد للهدف الذي أُنشئت من أجله هذه الحرب، أن ينتهي، وخرجت البندقية الفلسطينية، بقطع النظر عما إذا كانت سلبية في واقعها اللبناني أو إيجابية، قيل للبنانيين انتهت الحرب، فتعالوا لاتفاق الطائف، الاتفاق الأميركي بعقال عربي وطربوش لبناني..

لقد كنا رد الفعل حتى تحركت الانتفاضة الأولى لتفعل، تفعل بالحجارة التي يحملها الطفل الفلسطيني بكل براءة المرحلة الابتدائية، حيث كان يفهم فلسطين في مدرسته عندما يفتقد في مدرسته حق حريته، كان يفهم فلسطين في ملاعبه عندما يرى ملاعبه مطوّقة بكل البنادق الصهيونية.. وبدأ الطفل الفلسطيني يفعل، وبدأت المرأة الفلسطينية تفعل، وهكذا امتد الفعل في الانتفاضة الأولى، وشعر العالم بأن فلسطين نهضت بعد أن كانت تعيش الغربة والغيبوبة، وأريد لهذه الانتفاضة أن تهدأ، وجاءت الأنظمة العربية لتطوقها ولينظّر المنظّرون، الحجارة وحدها هي التي يمكن أن تمنح فلسطين حريتها، صحيح الحجارة الفلسطينية حملت نبض القلب الفلسطيني، وحملت كلّ إحساس الشعور الفلسطيني، ولكن الجماعة استراحوا لهذه الحجارة. وانطلق التخطيط، وبدأت كل قصائد الشعر تتحدث عن طفل الحجارة، وأن تعطي الحجارة روحاً تسقط كل ما بنوه من حجارة واستراحوا لأنها انتفاضة وليست ثورة. وبعد ذلك قالوا إنّ انتفاضة بهذا الحجم لا يمكن أن تصل إلى نتيجة، لأن كواليس السياسة سوف تسترخي وترتاح، فالحجارة لا تزعج أحداً وإن أعطت شيئاً للإعلام، وما كانت إسرائيل تشعر إلا بمأزق إعلامي ولم تشعر بمأزق أمني أو سياسي، وكانت أميركا تشعر بمثل ما تشعر به إسرائيل".

"ثم انطلق التنظير العربي حذار من أن تتحول الحجارة إلى بندقية أو عبوّة، ليتحرك الإعلام ضدها ويحكي بسوء عن الشعب الفلسطيني، وبقيت فلسطين تعيش وحدها الانتفاضة، لأن العالم سوف يعتبرها حرباً وعندما تضعف الانتفاضة وتضعف فلسطين ينظرون، ونحن الذين عاشوا كلّ الأيديولوجيات، كانوا ولا زالوا عندما يجدون مشكلة سياسية أو يشعرون بوجود مشكلة أمنية في المسألة الفلسطينية، يقولون: ألم نقل لكم لتبقى الحجارة هي الانتفاضة في قضية التحرير والوقوف في وجه أمريكا، ولم نسمع من يتحدث عن سلبية السلاح في مسألة التحرير إلا في فلسطين، ولم نسمع ذلك لا في فيتنام أو فرنسا عندما احتلها الغازي، ولا حتى في قضية أفغانستان التي كانت تقودها أمريكا بطريقة وبأخرى ضد الاتحاد السوفياتي آنذاك.

نحن نعرف أننا ورثنا كلمة لا يزال الكثيرون يرددونها: "إن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"، ولكننا كنا نخاف من القوة، وهذه مشكلة عربية، وربما تكون مشكلة إسلامية وشرقية، إننا نخاف أن نكون أقوياء. لقد أدمنّا الضعف الذي فرضته علينا كل أجهزة المخابرات، وكل قوانين الطوارئ التي فرضها وكل هؤلاء الذين وظّفهم جهاز المخابرات الدولية، ليكونوا ملوكاً وأمراء ورؤساء جمهورية ووزراء لحراسة الأنظمة من شعوبها، فهم موظفون يحرسون الضعف..".

إن لسان الحال هو أن لا نستفز العدو، حتى لا يجرحنا، فإذا جرحنا فكرنا بالقوة، لأنهم يخافون من أن نحسّ بالجراح، ألسنا وحدنا في كل هذا العالم العربي أو العالم الثالث، نخاف أن يضبط بعضنا بعضاً وهو يفكر بحرية، لأنه يخاف أن تكون أجهزة المخابرات تملك كما يقال آلة لكشف التفكير على غرار آلة كشف الكذب، لقد أصبحنا نخاف أن نفكر، لأن التفكير بحرية ممنوع، فخطب الجمعة تكتب للمشايخ والكلمات هنا وهناك تكتب للنواب، ونحن نعرف في لبنان شيئاً اسمه كلمة السرّ أو "الوحي".

إنه ردّ الفعل، وعقلية ردة الفعل، لأن الفعل يُتعب والفعل يكلف الإنسان أن يخطط وأن ينفّذ، ويكلف أن يفقد الإنسان حريته. وهنا أنا أتحدث بشمولية، وإنما عن ظاهرة تعيش في كل واقعنا، فندور على إثرها في حلقة مفرغة.

المعنى الفعلي للجهاد:

وكانت الانتفاضة المسلّحة هي الفعل، وأنا لا أتحدث عن منظمة إسلامية أو علمانية أو قومية، فلأول مرة في عالمنا الإسلامي والعربي، الشعب هو القائد، هو الذي فرض على المنظمات أن تتوحّد، أن لا تدخل في الفتنة، وفرض عليها هذا التوحد الذي يمنعها من التحرك من خلال الأيديولوجيات هنا وهناك، فكان الصوت واحداً، فلتسقط كل الأيديولوجيات في المعنى الحركي أو معنى الساحة، ويبقى صوت المعركة..

إنني عندما أشاهد هذه الجماهير، الطفل، والشيخ، والشاب والمرأه، تسير خلف جنائز الشهداء وتهتف بكل إرادة وعزّة، وأرى الدموع التي لم تكن باردة، بل حارّة، حيث تشعر أن الدمع يثور، وكنت أشعر بأن الشعب الذي يقود المعركة، ليس مجرد شعب يتظاهر، ولكنه شعب يحرك قبضاته ويتحرك ليقول: إننا سنثأر، وقيمة هذا الثائر أنه ليس ثائراً عشائرياً يعمل من أجل أن ينفس الاحتقان، ولكنه ثائرٌ من أجل التحرير يتحرك ضد الذين يفرضون العبودية عليه.

فالانتفاضة أوحت لكل واقعنا العربي والإسلامي، أن المسألة الفلسطينية ليست مجرد مسألة تجتذب الهتافات، وليست المسألة مسألة الفلسطينيين، لأن معنى إسرائيل هو معنى يمتد في كل مفاصل العالم العربي، ثقافياً وسياسياً واقتصادياً وأمنياً واجتماعياً، وخطورة هذا أن هناك تداخلاً بين العاملين الإسرائيلي والأمريكي في مسألة المنطقة، وقد استطاعت أن تختصر كل تاريخ المنطقة. ولذلك لا بد لنا من أن ندرس فلسطين في كل جامعاتنا، لا أن ندرس أحداثها وآلامها، ولكن أن ندرس منهج الحركة، منهج الصمود، ومنهج الحرية والثورة. ولا بد للمرأة العربية والمسلمة في كل الجمعيات النسائية أن تدرس عمق المرأة الفلسطينية من الداخل لا من الخارج، ربما نتمثلها بدوية تلبس كما تلبس البدويات، وربما نتمثلها تقليدية تعيش في بيتها كما تعيش التقليديات لا تملك أن تتحدث هنا في لبنان بلغة فرنسية أو إنكليزية أو غيرها، إنها تتكلم بعفوية، ولكنها تقدمية في معنى التحرير، لأنها المرأة التي استطاعت أن تثبت أنها إنسانٌ يفعل.

لم تعد المرأة الفلسطينية مجرد إنسان على الهامش، لقد دخلت في قلب الساحة، وانطلقت تقود الساحة بطريقتها الخاصة. لذلك ادرسوا المرأة الفلسطينية ادرسوها بعمق، لأننا لا نريد أن تتمثلوها شكلاً، ولكن تمثلوها قضية إنسانية، لأن مسألة الإنسانية ليست شكلاً وليست مساحيق تجميل وحفلات ملكات الجمال، ولكنها حفلات ملكات التحرير. تلك هي القضية الأساس، فعندما تنتصر فلسطين سنقدم إلى العالم كله المرأة النموذج، ملكة جمال التحرير والمقاومة والصمود.

ادرسوا الطلاب الفلسطينيين كيف ينطلقون من جامعاتهم ليقاوموا، لينتفضوا وليستشهدوا، إنهم أدركوا للحياة معنىً جديداً، فليست الحياة هي ما ينبض في جسدك، ولكن الحياة هي ما ينبض في أمتك، هي ما يصنع مستقبلك، هي ما يصنع حريتك.

هندسة الفكر والأسلوب والخطاب:

ونحن في دعم الانتفاضة نريد أن نكون الفعل.. لهذا علينا أن ندعم هذا الشعب بكل القوة والإمكانيات، لأننا نعيش في ليالينا على مائدة رجال الانتفاضة، فشهيد هنا وجريح هناك، وبيت شهيد هنا ومزرعة شهيد هناك، ومدرسة شهيدة هنا وهناك، ونحن نعيش نقفي الشعر وننظمه ونطلق الحماس ونتظاهر، ونبقى نلف وندور في مكاننا على ما قاله الشاعر:

ونبقى نلف ونبقى ندور ونحـن نفتش عـن قافية

ألا فتك الضعف فينـا فقد أضاع الرعية والراعية


الفلسطينيون يمنحوننا دماءهم في جامعة الحرية، وفي كل تفاصيل حياتهم، ونحن نتصدق، ويأتي شهر رمضان شهر الصدقات، ونعتبر أننا وفَّينا قسطنا للعلى، فلا بد لنا أن نحتفل ونحتفي بكل طلاب فلسطين، لأنهم هم الذين يصنعون المستقبل عندما تنتصر القضية، إن ارتباطنا بالقضية أن نتعلم في جامعة فلسطين كيف نفعل سياسياً، وأمنياً وعملياً. وإني لا أتحدث عن الفوضى وعن الانفعال، ولكن أتحدث عن الخطة، لأن الكثيرين منا يسيرون في اللاخطة.

لقد استهلكتنا العصبيات الطائفية والعصبيات المذهبية والحزبية والشخصانية، حتى أصبحنا نقول لهذا اللبنان العجيب الغريب إننا كنا ندعو إلى إلغاء الطائفية السياسية، وأصبحنا نحتاج إلى إلغاء الشخصانية السياسية التي يختصر فيها كل شخص طائفته، ويشرّع كل هذا الاختصار على أساس أن هذا أبو الطائفة، وذاك رمز الطائفية.
__________________
كيلو سمك في عمان = كيلو ذهب


( الله يرحمك يا جابر بن زيد أمام الأباضيه والله يرحم الأمام الشافعي والأمام الحنبلي والأمام الحنفي والأمام مالك والأمام جعفر الصادق, ويرحم الله جميع المسلمين الأحياء والأموات رحمة واسعه)
  مادة إعلانية
  #2  
قديم 14/06/2010, 03:27 PM
صورة عضوية بني تغلب
بني تغلب بني تغلب غير متصل حالياً
عضو مميز
 
تاريخ الانضمام: 15/07/2008
الإقامة: Muscat
الجنس: ذكر
المشاركات: 3,473
افتراضي

يتبع


ونحن في نقابة المهندسين الذين يهندسون لنا الطرق والمباني، ولكننا نفتقر إلى هندسة من نوع جديد، ألسنا بحاجة إلى أن نهندس» العقل العربي، وأن ننظّم له خريطة تفكيره في أن يتحرك وفق رؤية موضوعية، تُبعده عن الخرافة والتخلّف.. لأن قضيتنا أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، ونحن نتحرك في الخارج من خلال طريقتنا في التفكير من الداخل... إن المقولة الصحيحة هي: "غيّر فكرك تغيّر الواقع"، "غيّر نفسك تغير التاريخ"، ولكننا ندمن الماضي، وندمن التخلف، وحتى أننا حوّلنا التخلف إلى مقدس، والأكثر بشاعة من ذلك أننا نحوّل الحقد إلى مقدس، وأصبحت قضية الحقد والحديث عنها في أدبياتنا حقداً مقدساً، ولا أدري كيف يكون الحقد مقدساً؟؟ فالحب هو المقدس الذي يجعلك عندما تواجه عدوك، تواجهه لتقتل فيه عداوته، ولتحوّله إلى إنسان آخر لتنطلق إنسانيته صافية من كل العداوة.

وهناك حديث شريف يقول: "إن الله يحب العبد ويبغض عمله"، والإنسانية عندما نزيل عنها كل هذا الركام من التخلف وغيره، تصبح ينبوعاً صافياً، وعندما نؤنسن الإنسان كله تصبح الحياة ينبوعاً يتدفق بكل صفاء. تلك هي القضية التي ينبغي أن ننطلق من خلالها لهندسة العقل العربي.

وفي هذا الإطار نحن بحاجة إلى أن نهندس» أسلوبنا في الخطاب مع الآخر، وفي خطاب بعضنا البعض، فلا ننطلق من حالة معقدة في النفس، بل ننفتح على قلب الآخر، لأننا عندما نهندس الطريق إلى قلبه نصل إلى عقله، لأنه إذا ربحت قلب الإنسان انفتحت لك كل السبل إلى عقله، ولكن مشكلتنا أننا لا نفقه لغة القلوب، لأن لغة القلوب تنطلق من معنى الإنسان الذي يعيش مشاعره وأحاسيسه وتطلعاته وأحلامه وكل المعاني الرقيقة في نفسه..

إن الإنسان يحتاج إلى كلمة حلوة ولمسة حانية، وإلى مناخ يمكن لك من خلاله أن تحتضن هذا الإنسان احتضان الإنسانية الروحي. إننا بحاجة إلى أن نربح القلوب حتى نفتح العقول، ولا أدري كيف يفكر الذين يحملون الأيديولوجيات والعقائد أن يربحوا عقول الناس وهم يحملون النفي لهم وعدم الاعتراف بهم في نفوسهم.

إنك لا تستطيع أن تربح إنساناً إلا عندما تعيش إنسانيتك في إنسانيته، وإنسانيته في إنسانيتك، وقد حدثنا الله تعالى عن رسوله: {فبما رحمةٍ من الله لِنْتَ لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك} {لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم}. هذه النبضة الإنسانية نحتاجها في كل هذا الصراع الذي نعيشه في حياتنا، وذلك حتى نتمكن من أن نهندس الطريق إلى قلب الإنسان وعقله.

ونحن نتحدث عن هندسة الفكر والأسلوب والخطاب، نعيش معركة الحقد، الذي يريد أن يفرض نفسه علينا، فعندما نتحدث عن إسرائيل، لا بد أن نتحدث عن أمريكا، لا نتحدث عن أمريكا من منطلق تحكمه العقد، ولكن نتحدث عن ما تريده من العالم الإسلامي، فهي تريد إلغاء الإنسان باسم الحرية وباسم الحضارة والديموقراطية والتقدم ومحاربة الإرهاب، وإذا ما طلب من أميركا تحديد مفهوم الإرهاب ترفض ويتحوّل رئيسها إلى واعظ في كنيسته، ليعتبر العالم كله كنيسته الوعظية ليوزّع محاور الخير والشر هنا وهناك، وليرجم الانتفاضة كلها, وقبلها المقاومة بالإرهاب، وليقدّم شارون في صورة الإنساني عندما تحدّث في آخر زيارة له عن القيمة الإنسانية المتمثلة في شارون وعن السلام المتمثل فيه، إنه يريد أن يفرض علينا ذلك..

أما في مسألة العراق فإن القضية لا تقتصر على كونها مسألة أسلحة الدمار الشامل، بل هي تطال المنطقة كلها، لأنهم يخافون من الأسلحة الإنسانية التي تنطلق من أجل دمار المصالح الاستكبارية الأميركية، المسألة هي مسألة هذا الإنسان الذي بدأ يستفيق على معنى إنسانيته، ومعنى السلام والحرية بطريقة تختلف عن الطريقة الأميركية..

إننا لا نريد عداوة العالم، فالإسلام علّمنا أن نحوّل أعداءنا إلى أصدقاء {لا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌ حميم}. حوِّلوا أعداءكم إلى أصدقاء، فنحن لسنا ضد الشعب الأمريكي، الذي نريد صداقته، ولكننا ضد الإدارة الأميركية التي تحولت إلى إدارة إسرائيلية، يقولون لماذا تكرهوننا، نقول لأنكم تكرهون حريتنا وتكرهون تقدمنا عندما نقوم بعملية الاكتفاء الذاتي، لأننا لا نطيق هذه العولمة الاقتصادية التي تريد أن تحطم كل الحواجز التي نصبت لتمنع الاجتياح لاقتصادنا كله.

إننا نريد أن نصنع بلدنا، أن نمكنن زراعتنا، وأن نجعل علماءنا يعيشون في بلدنا ولا يبيعون أنفسهم لأمريكا، ليصنعوا لها تقدمها، ولكنهم لا يريدون لنا ذلك، ومن السخرية أن يتحدثوا عن مسألة الديمقراطية والحضارة والحرية في البلاد العربية الإسلامية، ولكن نقول إنه لا ديمقراطية، والسؤال هو: من شجّع على هذه "الديمقراطية" في بلادنا؟ والصحيح أن أكثر هؤلاء صنعتهم السياسة الأمريكية ليكونوا حراساً للسجن الكبير الذي وضعوا شعوبهم به.

الانتفاضة في بعدها الإنساني:

إن فلسطين استطاعت أن تفرض نفسها على كلّ التاريخ الحديث، عظمتها في الانتفاضة الصغيرة والكبيرة، في انتفاضة الحجارة وفي انتفاضة السلاح، عظمتها أنها رفضت أن يُسْقطها الذين يحبّون الاسترخاء، إنما استطاعت أن تصنع للإنسان شيئاً جديداً، روحاً جديدة، قضية جديدة، تاريخاً جديداً، لذلك لا بد أن نقوم كأمّة من أجل أن نكونَ مع كلّ فلسطين ولو بلغ عمر الانتفاضة مئة سنة يجب أن لا نتعب.. إنهم يريدون للشعب الفلسطيني أن يتعب، فقد جرّبوا سياسة تفريق الشعب في العالم العربي، وفرضوا عليه فتنة هنا وفتنةً هناك، وحاولوا تمزيق هذا العالم وتقطيع أوصاله... حتى صرَخ وصاح المتعبون من السياسيين وغير السياسيين كما يقولون عندنا في لبنان "فلتُحلّ الأزمة كيفما كان" إنهم يريدون أن يدخلوا "كيفما كان" في وجدان الشعب الفلسطيني، أن يجوع حتى يصرخ، أن يعرى حتى يصرخ، أن يعيش تحت السماء بلا بيت حتى يصرخ.

إن المسألة مسألة عضّ الأصابع، وقد صرخ الإسرائيليون كثيراً، وما زالوا يصرخون اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، وعظمة الفلسطيني أنه لم يصرخ حتى الآن.. والمهم أن علينا في العالم العربي في كلّ نوادينا الثقافية والسياسية، أن لا نصرخ، لأنّ بعضنا يتعب من القضية الفلسطينية حتى ولو لم يخسر شيئاً..

إننا نقول للفلسطينيين: "صمّوا آذانكم عن كلّ صراخ هؤلاء التعبانين"، ولا أقول المتعبين، لأن القضية أنكم الصوت الذي ينطلق من الداخل..

لن تسقط فلسطين ما دام هناك طفلٌ فلسطيني يفكِّر أن يكون مستقبلياً، لذا علينا أن نكون المستقبليين.. أن لا نعيش التمنيات والانفعالات والحماسيات،.. لا تستمعوا إلى من يتحدث عن قضية العمليات الاستشهادية وقتل المدنيين والرأي العام العالمي الذي ربما يخذلنا من خلال ذلك.

إن المسألة تختصر في كلمتين: كلّ المجاهدين في فلسطين لا يحبون أن يقتلوا مدنياً واحداً، ولكن هناك صراعاً بين الأمن الفلسطيني والأمن الإسرائيلي.. فالقتال بين الأمنين، وقد قتل الأمن الإسرائيلي الأمن الفلسطيني، ولذلك فإن الأمن الفلسطيني ومن خلال العمليات الاستشهادية يريد أن يقتل الأمن الإسرائيلي ليُثبت لكلّ اليهود هناك أنه لا أمنَ لهم إذا لم يكن هناك أمنٌ لفلسطين.. لا تفكّروا في المسائل بطريقة إنسانية تجريدية، ومأساتنا هي أن الطريقة التي تدير بها إسرائيل ومعها أمريكا الصراع والمعركة أنها تجعل المسألة خاضعة لقوله تعالى: {فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه}، إننا نحبّ الإنسان كله والأطفال كلهم، الطفل الإنسان، ولكن لماذا يقبلُ العالم منهم أن يقتلوا الأطفال والمدنيين وبعدها يطلقوا عبارات الأسف والخطأ فيتقبلها العالم ولا يتقبّلها منّا. إننا نقول لهم: إرفعوا أيديكم عن فلسطين وتعالوا نحتضنكم بمعنى السلام.. إنهم يأخذون منهم السلام الذي لا معنى له ويرفضون سلام المعنى عندهم..

إن الواجب هو دعم الانتفاضة التي صارت قضية لا بدّ وأن تتحرك في الثقافة والتربية والسياسة والاجتماع والهندسة، ولا بدّ أن نبقى في الشارع ولا نعتبر أننا عندما ننطلق بمظاهرة رداً لفعل إسرائيلي. إننا وفّينا قسطنا للعلى، بل لا بد من أن نزعج كلّ الذين لا بد من إزعاجهم في الداخل والخارج بكلّ الأصوات ولا صوت إلا صوت المعركة.. وصوت الحرية.. وصوت الانتفاضة!!

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

* * * *

س : ما هو ردّكم على الفتاوى التي تصدر بين الفينة والأخرى وتحرّم العمليات الاستشهادية؟

ج : إننا نحترم هؤلاء، ولكننا لا نحترم ثقافتهم الواقعية السياسية، لأنهم يفكرون في القضية بطريقة تجريديةً، فهم لم يفهموا ما معنى إسرائيل؟ ما معنى الخطة الإسرائيلية للمنطقة.. إن الفتوى تختلف حسب ثقافة المفتي في دراسة عناصرها في الواقع مقارنة بعناصرها الشرعية في الخط الديني.

س : ألا تعتقدون في حديثكم عن الفعل وردّ الفعل أن الشارع العربي لا يعدو كونه ظاهرة صوتية ويحتاج إلى الفعل والتأثير في اللعبة السياسية والاقتصادية من خلال عمل النقابات وما شابه، في مقاطعة كل ما يدعم الكيان الصهيوني؟

ج : هذا صحيح، بطريقة وبأخرى، ونحن نقول إنه لا بدّ أن نثقّف الشارع العربي، ولا بد أن تتحوّل هذه الظاهرة الصوتية إلى ظاهرة عقلية أو عقلانية، بحيث تتحول ثقافة المسألة الفلسطينية، والمسألة السياسية في المنطقة كلها، إلى ثقافة للإنسان كله.. ولهذا ومنذ سنوات، أصدرنا فتوى بمقاطعة البضائع الإسرائيلية بالمطلق والخدمات الإسرائيلية، وبمقاطعة البضائع الأمريكية بقدر الإمكان في ما له بديل وفي ما لا يمثّل ضرورة بالنسبة إلينا، لأن الآخرين يعاقبوننا، فعلينا معاقبتهم ولو 1% بمثل عقابهم..

إن قيمة المقاطعة تنطلق من نفسك، أن تشعر أنك استطعت أن تعاقب من يُعاقبك.. لقد قاطع اليهود في أمريكا صحيفة لنشرها صورة يبدو فيها بعض التعاطف مع الفلسطينيين، ونحن نهتف "الموت لأمريكا"، ويتعالى دخان المارلبورو ليرتفع مع كل دخان الأصوات وكل المرطبات الأمريكية تبرد حرارة الأصوات، نحن نميتها بألسنتنا في الهواء ونقولها بكل تشجيع لشركاتها واقتصادها..

س : ألا تعتقد، أن إعلان اسم الاستشهادي بعد كلّ عملية استشهادية هو خطأ ترتكبه الجهة التي تتبنّى العملية، لما يتبعها من عمليات انتقامية إسرائيلية؟

ج : ربما كنتُ أفكّر بهذه الطريقة، ولكني لا أعرف ما هي الظروف الخاصة بالجهات التي ينطلق منها الاستشهادي في إعلان اسمه، وكنت أتمنى أن يعلن أن هذا الاستشهادي تابعٌ للانتفاضة الفلسطينية، ولكني لا أملك الظروف التي تدفعهم إلى ذلك؟!

س : أسمع كلامكم الذي يعبّر عن المحبة والتضامن بين مختلف الأديان، بينما باقي الفئات الإسلامية تدعو إلى التطرّف وتكفير باقي الأديان، علماً أن الإسلام يدعو إلى عدم الإكراه في الدين، فهل هناك دعوة إلى حوار بين الأديان؟

ج : إني لا أتحدث ذاتياً، ولكني منذ أربعين عاماً أقول ليس هناك سؤالٌ تافه وليس هناك سؤالٌ محرم، "الحقيقة بنت الحوار" وأطلقتُ في بعض المحاضرات في الجامعة الأميركية شعار: لا مقدّسات في الحوار، فالله حاور إبليس كما حاور الملائكة، لذلك نستطيع حوار كلّ الناس إلا الذين ظلموا، واستبدوا وقهروا وغصبوا حقوق الناس.. فلنبحث عن الكلمة السواء وعن مواقع اللقاء، لنتحدّث عن الخلاف بروحية اللقاء..

إن الموضوعية تقتضي منك الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.. لقد علّمنا القرآن الكريم: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن}، إبحث عن الكلمة الأجود لأن الشيطان ينـزغ بين الناس المتحاورين.. إنني أعتبر أن رسالتي في الحياة هي الحوار، الحوار مع الأديان وبيننا وبين العلمانيين ومع كل إنسان، لأن الحوار هو الذي يربط الإنسان بالإنسان!

س : هل هناك وسائل لدعم الانتفاضة غير تقديم منحٍ مدرسية، وجامعية للطلاب الفلسطينيين، كدعم الانتفاضة بالمال والسلاح؟

ج : الواحب دعم الانتفاضة في كل ما تحتاجه، وفي كل ما يحتاجه الشعب الفلسطيني، فهناك رجالٌ ينتفضون جهاداً، وهناك أيتام وعاطلون عن العمل.. لهذا علينا مشاركتهم في كل ما نستطيع لتقوية صمودهم وجهادهم.. وعلينا أولاً أن نعرف من نحن هويةً وانتماءً، ليكون إنساننا إنسان القضية لا إنسان الطائفية.. لأننا أمة ترتاح لصوت الطبول الطائفية أكثر مما ترتاح لصوت العقل..

والحمد لله رب العالمين
__________________
كيلو سمك في عمان = كيلو ذهب


( الله يرحمك يا جابر بن زيد أمام الأباضيه والله يرحم الأمام الشافعي والأمام الحنبلي والأمام الحنفي والأمام مالك والأمام جعفر الصادق, ويرحم الله جميع المسلمين الأحياء والأموات رحمة واسعه)
 

أدوات الموضوع البحث في الموضوع
البحث في الموضوع:

بحث متقدم
أنماط العرض

قواعد المشاركة
ليس بإمكانك إضافة مواضيع جديدة
ليس بإمكانك إضافة ردود
ليس بإمكانك رفع مرفقات
ليس بإمكانك تحرير مشاركاتك

رموز لغة HTML لا تعمل

الانتقال إلى

مواضيع مشابهه
الموضوع كاتب الموضوع القسم الردود آخر مشاركة
مقال رائع للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله.. لكم فاقرأوه !! رؤى المستقبل السبلة العامة 1 08/10/2009 11:58 PM
لقاء جلالة السلطان المعظم مع قائد الثورة الإسلاميه خامنئي! المرشد الأعلى سبلة الاقتراحات والشكاوى 17 06/08/2009 08:35 AM
لقاء رائع swime أرشيف السبلة الصحية 1 11/05/2009 05:11 PM
مقال رائع لرجل أكثر من رائع ابن مسقط السبلة الدينية 6 18/04/2009 07:45 PM
عندنا البديل!!إنه إقتصاد دولة عالمية على منهاج النبؤة بإذن الله ! (مقال رائع رائع جدا) شبل العقيدة سبلة السياسة والاقتصاد 4 24/10/2008 10:46 AM



جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 03:01 AM.

سبلة عمان :: السنة 13، اليوم 235

لا تمثل المواضيع المطروحة في سبلة عُمان رأيها، إنما تحمل وجهة نظر كاتبها