سبلة عمان

العودة   سبلة عمان » المدونات » نرد ٌضائع (مجموعة قصصية)

ملاحظات \ آخر الأخبار

قيّم هذه المشاركة

سفر في الأيام

ارسلت بتاريخ 15/11/2009 في 06:59 PM بواسطة منهل الرئيسي

بسم الله الرحمن الرحيم












يتفكر في حاله، فيحزُّ عليه ما آل إليه حظه، وقد تجاذبته عوامل القهر والجوع والحرمان، حتى أدرك الفناء بين عشيةٍ وضحاها، وانفضَّ عنه أهله وصحبه اتباعاً وهو يرقبهم بعينين قد ملأهما الضيم والثبور، يشيحون عنه وجوههم، ويديرون ظهورهم إليه. وكانت الأيام لا تبارح حالها، عسرٌ شديد يقوِّض آماله؛ فتمثلتْ له العزلة ملاذاً، وهام في فضاءاتها.

وكان من أمره مع الناس أن قابل تخليهم عنه بابتسامةٍ يشوبها الوهن، وبحذرٍ لا يطاله السهو. ومع مرور السنين، وتضافر أسباب الشقاء، وعوامل النغص والكدر، كان يزداد كآبة وتجهماً، وأحبَّ إلى نفسه العزلة والوحدة، وآثرهُمَا عن مخالطة الناس زمناً طويلاً حيث أمسى ذكره بين العامة من عدم؛ فتنبهتْ زوجه لذلك، ومكثتْ تتحيَّن اللحظات حتى تكاشفه بالأمر.

جرت العادة، أن يحتسي فنجان قهوة عند كل مساء بعد أن يؤوب لداره عقب انتهاء صلاة العشاء. إن مذاق القهوة ليدخل السرور إلى نفسه، ويشعره بمزيج من الغبطة والنشوة، لذلك، حرص أيما حرص على ألا يحول بينه وبين موعد المساء والقهوة طارئ ما. وما أن وضعتْ زوجه صينية القهوة على (الحصير) وسط المجلس، وقد تبينتْ من مقلتيه صفاء السريرة، حتى بادرت قائلة، وهي تمدُّ إليه بفنجان قهوة ساخنة:

- النسيان نعمة يا محمد.

فتولاه العجب لما غمزتْ له بعينها، ثم عقد حاجبيه مرتاباً، قائلاً:

- عما تتحدثين يا امرأة؟!

إنها تنظر إلى عينيه، فترى جذوةٌ ملتهبة تتطاير منهما، وقنوات السخط تشقُّ تجاعيدها على امتداد وجنتيه وجبينه. ولعلمها المسبق بمحال أن تظفر بقليل من بعض عطفه إذا ما بلغ غضبه أوجَّه، ولرهبتها الشديدة التي لا تنفكُّ أن يتراءى لها زوجها كهوة سوداء تتداخلها الظلمات، لزمت الصمت هنيهة وقالت بتردد، بعد أن ابتلعتْ ريقها:

- لقد مضى زمن طويل منذ أن صاحبتَ أحداً من الحارة.
- هذا شأني أنا.
- ولكن أخشى أن يعرضوا عن ذكر سيرتك!!
- وهل هي بتلك الأهمية؟!
- لا تقل ذلك.
- أنتِ لا تفقهين شيئاً!! هذا كل ما في الأمر.

لم تدرِ، أتزيد عليه في الكلام، أم تلزم الصمت ريثما يعود إلى رشده؟! أنها ترى حديثاً طويلاً يجري ذكره في عينيه رغم اعتصامه بالكتمان، ولشدّ ما تتوق أن يكاشفها عمَّا يدور في خلده، أن يفضي إليها بعضاً مما ينوء به، ولكنه يأبى ألا أن يزداد غموضاً.

الأيام تمضي إلى مستقرها. كانت تباغته بين الفينة والأخرى لحظات يجد نفسه فيها مكبلاً بأطياف ذكريات باهتة يتمرغ في سوادها المحتوم بالضياع. الحارة لم تعد كالسابق. أحاديث الناس تغيرتْ. وجوهٌ رحلتْ، وجوهٌ أتت. كل شيء قد تغير. البيوت، الدكاكين، الأزقة، الناس، أصوات الناس في الأسواق. كل شيء لم يعد كالسابق. ماذا حدث؟!

كان على ابنه سعيد أن يردد على مسامعه ما تردد في دخيلته من أصداء تداخلتْ فيها الدهشة والريبة. بعد صمت طويل تاه في لجاجة الحيرة وهوة السكون، تحركتْ شفاه الأبن سائلاً إيَّاه بارتياب:

- السبلة؟! ... هل تود حقاً الذهاب إلى سبلة الحارة لمجالسة رجال الحارة هناك؟!
- أولم تكن أمك - رحمها الله رحمة واسعة - تود أن أفعل ذلك؟!
- بلى ... بلى.
- قم يا بني، قم واذهب بي إلى حيث ابتغي الذهاب إليه.

كانت الحيرة ما تزال مرتسمة على وجه الابن. لم يبدِ اهتماماً لما طرأ على وجه ابنه. في حقيقة الأمر، كان لا يعلم ماذا حدث له. لقد أدهش نفسه قبل أن يدهش ابنه سعيد. إنه ينظر الساعة إلى أزقة الحارة من نافذة غرفته، فلا يرى إلا بقايا نهار طويل قد شارف على المغيب.


- انتهت -
مضافة في غير مصنف
الزيارات 2339 تعقيبات 3
مجموع التعقيبات 3

تعقيبات

  1. Old Comment
    صورة عضوية واصل
    الصدفة وحدها ، ساقتني إلى هذه السبلة النائية ( المدونات ) ..
    لم أكن أدري عنها شيئا ولم أسمع بوجودها من قبل ..
    وبتصفح هذه المدونات للإطلاع على بعض ما خط فيها أصحابها ،
    رأيت اسمك بين المدونين ، ولم أكن أعرف بأنك هنا في السبلة قبل اليوم
    فقلت أزور مدونتك أو كما تسمونها .. وقرأت قصة سفر الأيام .. وأعجبتني كما هي قصصك دائما ..

    بالتوفيق وإلى الأمام دوما ..

    همام

    ( لم أعد أشارك هناك نهائيا ، فقد غيرت مكان الإقامة ) ..
    ارسلت بتاريخ 24/11/2009 في 03:58 PM بواسطة واصل واصل غير متصل حالياً
  2. Old Comment
    صورة عضوية Mussolini
    كلمات رائعة,,,,,,
    ما شاء الله ,,.,,,
    بتوفيق ودوما الى الامام
    ارسلت بتاريخ 11/11/2010 في 10:15 AM بواسطة Mussolini Mussolini غير متصل حالياً
  3. Old Comment
    صورة عضوية CaptainBimmers
    كلمات رائعة جدا
    تسلم عالطرح الجميل
    ارسلت بتاريخ 22/01/2011 في 11:10 PM بواسطة CaptainBimmers CaptainBimmers غير متصل حالياً
 


جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 07:44 AM.

سبلة عمان :: السنة 12، اليوم 323

لا تمثل المواضيع المطروحة في سبلة عُمان رأيها، إنما تحمل وجهة نظر كاتبها