سبلة عمان

العودة   سبلة عمان » المدونات » صالح عبدالله البلوشي

ملاحظات \ آخر الأخبار

قيّم هذه المشاركة

قراءة في فكر النهضة ... المرأة نموذجا ( مقالي في جريدة عمان ) ( 1 )

ارسلت بتاريخ 27/01/2011 في 04:52 PM بواسطة صالح عبدالله البلوشي

بعد ثورة التنوير والإصلاح الديني الذي انطلق في اوروبا بقيادة الكثير من الفلاسفة الكبار أمثال عمانويل كانت وهيجل وفولتير وديدرو وسبينوزا وشملت حقولا معرفية متعددة وموضوعات فكرية متنوعة وقضايا مختلفة مثل التسامح والمرأة والدين وغيرها، رأى كثير من المفكرين وعلماء الدين في البلاد العربية أن النهضة الحقيقية في هذه البقعة المهمة من العالم لن تقوم إلا بمراجعة عميقة مع الذات وإعادة النظر في الكثير من المسائل التي تحتاج إلى قراءة نقدية مثل موقف التراث من قضايا المرأة وغيرها .

كان المفكر المصري رفاعة الطهطاوي من اوائل كتاب النهضة الذين دعوا إلى تعليم المرأة من أجل ان تأخذ دورها في نهضة الأمة وتقدمها بجانب أخيها الرجل ولذلك قام بتاليف كتابه " المرشد الامين في تعليم البنات والبنين " وقد استند الطهطاوي في كتابه إلى القرآن الكريم والسنة النبوية في ضرورة تعليم المرأة مما يعطي لدعوتة صبغة إصلاحية تقوم على مرجعية دينية وهي نفس المرجعية التي استند إليها فيما بعد الكثير من رجال النهضة ومفكريها مثل جمال الدين الافغاني ومحمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي وغيرهم .

وفي ذلك السياق قام المفكر المصري المعروف قاسم أمين بتأليف كتابه الذي أثار الكثير من الجدل وحرك المياه الراكدة حينذاك وهو " تحرير المرأة " وأعقبه بكتابه الآخر " المرأة الجديدة " وطالب فيهما بضرورة القيام بقراءة جديدة لفقه المرأة تقوم على الإعتراف بحقها في العمل والتعليم والإقرار بشخصيتها المستقلة وكينونتها الإنسانية وقد جوبهت القراءة القاسمية الجديدة بموجة اعتراض شديدة من التيارات الدينية التقليدية التي لم تنسجم مع الاطروحات الجديدة لفكر النهضة وظلت على علاقتها التقليدية مع الفقه القديم .

ومن الذين تأثروا بأطروحات قاسم أمين الناشطة المصرية هدى شعراوي ( 1879 – 1947 ) التي ساهمت وبشكل كبير في بعث الروح للمرأة المصرية من أجل الكفاح لنيل حقوقها المدنية .

ومن أبرز الكتب التي تصدت للمفكر المصري قاسم أمين كتاب " أنيس الجليس في التحذير لما في تحرير المرأة من التلبيس " للشيخ محمد حسنين البولاقي وكتاب " تربية المرأة والحجاب " لطلعت حرب وغيرها .

يعتبر المفكر التونسي الراحل الطاهر الحداد أحد أبرز الوجوه الفكرية ذات الاتجاه التنويري في عصر النهضة ومن أبرز الدعاة الإصلاحيين الذين دعوا إلى تحرير المرأة من أغلال الماضي وأصفاد التقاليد البالية التي تسببت في سجنها قرونا متطاولة بين مطرقة النصوص وسندان المجتمع ومن سيطرة القراءات الخاطئة لنصوص الشريعة وأحكام الدين . تقول سيرته الذاتية أنه ولد في مدينة تونس العاصمة سنة 1899 وتنقل بين مختلف المراحل الدراسية حتى تخرج من جامعة الزيتونة وعمل في بادىء أمره في وظيفة ماسك دفاتر في أحد دكاكين سوق العطارين ثم كاتبا بالجمعية الخيرية .

إذا تطرقنا إلى الجانب الفكري لهذا الرجل فإن كتابه " امرأتنا في الشريعة والمجتمع " يعتبر من أهم الكتب التي صدرت في تلك الفترة دفاعا عن حقوق المرأة وفق الشريعة الإسلامية ولكن الجهات الدينية التي لا تقرأ الدين إلا وفق قراءتها الضيقة والجامدة لمفاهيم الشريعة لم ترض عن هذا العمل فقامت باتهامه بالزندقة والردة عن الدين والمروق عن أحكام الشريعة وقامت جامعة الزيتونة بإصدار كتاب ردا على كتابه بعنوان " الحداد على امرأة الحداد " إضافة إلى كتاب آخر تحت عنوان " سيف الحق على من لا يرى الحق "

توفي طاهر الحداد سنة 1935 وهو في ريعان شبابه حيث لم يتجاوز السادسة والثلاثين من عمره ولكنه ترك آثارا خالدة ساهمت في تحرر المرأة في تونس من كافة أشكال الظلم والقهر والاستبداد الذكوري بعد تحرير هذا البلد من الاستعمار الفرنسي وإعلان حكومته الوطنية وصدق الدكتور طه حسين عندما قال عنه " لقد سبق هذا الفتى زمنه بقرنين "

يرى الطاهر الحداد بأن نظرة الإسلام إلى المرأة تختلف بشكل كبير عن جميع القوانين التي سجنت المرأة بين جدرانها الفكرية الضيقة وأبت أن تتعامل معها إلا بوصفها مخلوقا ذليلا تابعا لسيدها الرجل فقط، ولذلك يرى الحداد بأن " الإسلام دين الواقع ويتطور بتطوره وذلك سر خلوده وليس في نصوص القرآن ما يمنع المرأة من تولي أي عمل في الدولة أو المجتمع مهما كان هذا العمل عظيما وهذا يدل على أن هذه المسائل ليست من جوهر الإسلام وإلا ما كان ليخلو القرآن من بيانها على الوجه المطلوب " . ( 1 )

ولذلك ينتقد الحداد الإساءات التي وجهت إلى المرأة تحت عنوان الشريعة وتحت غطاء التدين مثل الحديث المنسوب إلى الرسول أنه قال فيه إن " النساء ناقصات عقل ودين " ويرى بأنه من غير المعقول أن تثبت لها هذه الحقوق إذا كانت غير قائمة على احترامها والخفض من كبرياء الجاهلية عليها .

وفي أطروحته التجديدية رد الحداد على الاطروحات التي كانت منتشرة آنذاك والتي ما زال لها نفوذ قوي بين التيارات الدينية في الوقت الحاضر وهي دعوة المرأة إلى الجلوس في البيت والتفرغ لتربية الجيل الجديد وخدمة سيدها الرجل فقط وللأسف الشديد فإن هذه الدعوات الرجعية لا يزال لها صوت قوي بين التيارات الدينية التقليدية حتى اليوم مثال ما رأينا في أفغانستان بعد انتصار حركة طالبان هناك سنة 1996 فقد اضطر آلاف النساء إلى ترك اعمالهن ووظائفهن تحت ضغط هذه الحركة والجلوس في البيت قبل ان تتنسم هواء الحرية سنة 2001 بعد هزيمة تلك الحركة وعودة البلد إلى المجتمع الدولي مرة اخرى
كما أن الدعوة إلى حبس المرأة في البيت يعني حرمان المجتمع من نصف الطاقة البشرية الكامنة فيه وما يمثل ذلك من إضعاف للتنمية الاقتصادية والثقافية والطبية والعلمية للمجتمع كما أنه يخالف سيرة المرأة المسلمة في التاريخ الإسلامي سواء في عهد النبوة أو غيرها فقد عرفت المرأة مجاهدة ومعلمة وطبيبة بل ومارست شؤون الحكم في أكثر من بلد إسلامي ولعل كتاب " سلطانات منسيات " للباحثة الاجتماعية المغربية فاطمة المرنيسي يمثل مرجعا جيدا في هذا الموضوع .
يصف المفكر المصري الراحل الدكتور نصر حامد أبو زيد كتاب " إمرأتنا في الشريعة والمجتمع " بانه " استطاع ان يتجاوز إلى حد ما مسألة " التأويل المضاد " أو " القراءة الاخرى " للإسلام ولنصوصه ويطرح مفهوم " النسبية " و " التاريخية " تفسيرا لأحكام الإسلام عن المرأة " . ( 2 )

ويقصد الدكتور بذلك إن الطاهر الحداد حاول في كتابه أن يتحدث عن السياق الاجتماعي والزمني لكثير من الأحكام التي وردت حول المرأة يقول الطاهر الحداد في الصفحة رقم 115 من كتابه : " إن عامة فقهاء الإسلام من سائر القرون إلا ما شذ يجنحون إلى العمل بأقوال من تقدمهم في العصر ولو بمئات السنين ويحكمون بأحكامهم مهما تباينت أحوال المجتمعات الإسلامية باختلاف العصور وهم يميلون في أخذ الأحكام إلى تفهم الفاظ النصوص وما تحتمله من معنى أكثر بكثير مما يميلون إلى معرفة أوجه إنطباق تلك النصوص على حاجات العصر وما تقتضيه مصلحة المجتمع المعاصر الذي يعيشون فيه وما ذلك إلا لبعد الصلة بينهم وبين دراسة الأحوال الاجتماعية التي يجتازها المسلمون لمعرفة أوجه الاحكام الصالحة لحياتهم "

ولذلك لم يتطرق الفقه الإسلامي المعاصر إلى الكثير من القضايا التي تهم المرأة في الوقت الحاضر لأن الفقهاء الماضين او علماء السلف لم يبحثوا فيها مثل قضية اغتصاب الزوجة التي يجرمها الكثير من القوانين المعاصرة وتعتبرها جريمة في حق المرأة وإمتهانا لكرامتها ولكن مجرد النقاش في هذه القضية في بعض المجتمعات الإسلامية تعتبر جرما لا يغتفر .
مضافة في غير مصنف
الزيارات 616 تعقيبات 0
مجموع التعقيبات 0

تعقيبات

 


جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 01:31 PM.

سبلة عمان :: السنة 13، اليوم 231

لا تمثل المواضيع المطروحة في سبلة عُمان رأيها، إنما تحمل وجهة نظر كاتبها