سبلة عمان

العودة   سبلة عمان » المدونات » صالح عبدالله البلوشي

ملاحظات \ آخر الأخبار

قيّم هذه المشاركة

علم الكلام الإسلامي بين النزعة العقلية والمرجعية النصية " 3 "

ارسلت بتاريخ 29/09/2010 في 05:45 PM بواسطة صالح عبدالله البلوشي
تم التحديث يوم 29/09/2010 في 05:52 PM من قبل صالح عبدالله البلوشي

الاتجاه العقلي عند الإسماعيلية

تعتبر الإسماعيلية من أشهر الحركات الباطنية في الإسلام ولا يزال لهذه الحركة بمذاهبها الفكرية المختلفة وجودها البارز اليوم سواء على الصعيد الفكري أو السياسي أو الاقتصادي وقد ساهمت إقامة الدولة الفاطمية الكبيرة في المغرب ومصر على نشوء حركة فكرية إسماعيلية كبيرة سواء في علم الكلام أو الآداب أو الفلسفة حيث كانت عقيدة الفاطميين تقوم على العلم والعمل وكانت منفتحة على كل العقائد والتيارات الفكرية والفلسفية المعروفة وقد درس دعاتها مثلهم مثل كل علماء ومفكري عصورهم الفلسفة اليونانية واستخدموها كاداة في تكوين وبناء نظامهم الفكري كما درسوا الديانات القديمة» (10) ويقوم الفكر الإسماعيلي على العلاقة بين ظاهر النص وباطنه حيث يعتقدون أن ظواهر الشريعة لا تكفي للإيمان وإنما يجب الإيمان أيضا بالتأويل الباطني للنص ويلاحظ ذلك بوضوح في كتاب دعائم الإسلام» للقاضي النعمان بن حيون المغربي الذي يعتبر المرجع الرئيسي للفقه الإسماعيلي حيث انه بالأضافة إلى هذا الكتاب الذي يضم أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام وأئمة أهل البيت فإن هناك شرحا آخر له حسب التأويل الباطني لنفس المؤلف اسمه تأويل دعائم الإسلام».

وقد شهد الفكر الإسماعيلي الكثير من المؤلفات الكبيرة المتسقة وتميزت بالمصطلحات الواضحة والألفاظ الفلسفية الدقيقة والابحاث العرفانية العميقة ويعتبر ابو يعقوب السجستاني (ت 331) احد أبرز فلاسفة الإسماعيلية ومتكلميها الكبار وهو صاحب الكثير من الكتب المهمة مثل كتاب الافتخار» وكتاب إثبات النبوات» وغيرها وكذلك العلامة الكبير هبة الله الشيرازي (ت 470) صاحب سلسلة المجالس المؤيدية الشهيرة والفيلسوف الكبير حميد الدين الكرماني (ت 411) صاحب الكتاب الفلسفي الشهير راحة العقل» وغيرها لا يسمح الموجز بالتطرق إليها.

علم الكلام الإسماعيلي بشكل عام تأثر كثيرا بالفلسفات العرفانية والغنوصية والهرمسية المختلفة ويحوي الكثير من المصطلحات والمفاهيم الغامضة جدا والتي لا يعرفها إلا المتعمقون في الفكر الإسماعيلي وقد ساهم في هذا الغموض ندرة الكتب الإسماعيلية وبقاؤها لفترة طويلة جدا بين فئة نادرة من أئمة الإسماعيلية ودعاتها الكبار حتى أخرجها إلى النور بعض المستشرقين امثال ماسينيون وبرنارد لويس والبروفيسور إيفانوف وبعض الإسماعيلية المعاصرين امثال الدكتور مصطفى غالب والدكتور عارف تامر والدكتور فرهاد دفتري وغيرهم.

مركزية النص في علم الكلام الإسلامي

من خلال هذا العرض السريع والمختصر لمسيرة علم الكلام الإسلامي عبر محطاته الكلامية المتعددة نلاحظ أن النص يمثل المحور الرئيسي الذي يدورحوله جميع البحوث والمناهج العقلية سواء في علم الكلام المعتزلي أو الزيدي أو غيره فإنهم ينطلقون إلى فهم القرآن من خلال رؤية فلسفية ويتعمقون في فهم الحقائق التي تدل عليها غير بعيدين عن مرجعية الوحي أو سلطة الشريعة.

كما نلاحظ أيضا إن علم الكلام قد دخل إلى الثقافة الإسلامية من خلال التأثر بالفلسفة اليونانية ومسلمي البلاد المفتوحة مثل فارس والعراق والشام وغيرها.

يصف الفيلسوف الفرنسي هنري كوربان علم الكلام الإسلامي بالفلسفة المدرسية في الإسلام وأنه جدل عقلي صرف يتناول المفاهيم اللاهوتية فهو لا يتطرق إلى البحث في العرفان» الصوفي ولا في علم القلب» الذي كان الأئمة الشيعه أول من تحدث عنه بالإضافة إلى أن المتكلمين كما اشار بذلك الفلاسفة من الفارابي وابن سينا حتى الملا صدرا الشيرازي كانوا يستخدمون جدلهم وحججهم في الدفاع عن الدين ولم يتعلقوا بالحقائق الثابتة أو التي يمكن اثباتها بقدر ما كانوا يدافعون بمختلف وسائل جدلهم اللاهوتي عن المبادئ الإسلامية التي يقوم عليها الإسلام (11).

ففي العالم الغربي مثلا كان الاتجاه السائد إلى القرون الوسطى هو المذهب المدرسي الذي كان يقوم على مبدأ أؤمن ثم أدرك» ولذلك كان علم الكلام عنده متفقا تماما مع منهج علم الكلام الإسلامي الذي يقوم على محورية النص في بحوثه العقلية.
بينما شهدت مرجعية الوحي هزة عنيفة في عصر النهضة الذي امتد من أواخر القرن الرابع عشر الميلادي إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر عبر سلسلة البحوث النقدية التي تطرقت إلى نقد الأصول الدينية وفي القرن السابع عشر ألف الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا (1632 – 1677) كتابه الشهير رسالة في اللاهوت والسياسة» الذي يعتبر اول كتاب يخضع النصوص المقدسة لمنهج النقد التاريخي.

وأما في عصر التنوير فقد خضعت مرجعية الوحي (النص) للنقد العقلي عندما صنف الفلاسفة واهل المعرفة العقل وسيلة الإدراك الوحيدة وقد انطلق هذا العصر في القرن الثامن عشر على أساس القراءة المادية للحياة والمتمثلة إبان النهضة في الفن والدين والسياسة والعلوم الطبيعية وقد شمل هذا الاتجاه انجلترا وفرنسا والمانيا وغيرها من الدول الأوروبية.

المصادر

1 - أنظر كتاب علم الكلام ضمن الجزء الثاني من كتاب التعرف على العلوم الاسلامبة للدكتور مرتضى المطهري ص 11.
2 – كتاب : تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد ابو زهرة طبعة دار الحديث لندن. قبرص الجزء الاول ص 103
3 – كتاب : صحيح شرح العقيدة الطحاوية طبعة دار الإمام النووي الأردن ص 53)
4 - أنظر كتاب فجر الإسلام للدكتور احمد أمين ص 270 طبعة المكتبة العصرية بيروت 2006)
5 - كتاب الملل والنحل» للشهرستاني الجزء الأول ص 63
6 - أنظر كتاب المذاهب الإسلامية» الجزء الأول ص 166
7 - أنظر كتابه أصول العدل والتوحيد» ص 631 من ضمن الجزء الاول من مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي تحقيق عبدالكريم أحمد جدبان دار الحكمة اليمانية.
8 - كتاب الزيدية» للدكتور محمود أحمد صبحي الناشر الزهراء للإعلام العربي ص 117
9 – اتجاهات العقلانية في الكلام الإسلامي ص 105
10 - تاريخ الإسماعيلية للأستاذ عارف تامر الجزء الثاني ص 184
11 – كتاب تاريخ الفلسفة الإسلامية» للمستشرق هنري كوربان. عويدات للنشر والطباعه / لبنان ص 170

هذا المقال نشرته في جريدة عمان
http://main.omandaily.om/node/26083
مضافة في غير مصنف
الزيارات 407 تعقيبات 0
مجموع التعقيبات 0

تعقيبات

 


جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 11:12 AM.

سبلة عمان :: السنة 13، اليوم 230

لا تمثل المواضيع المطروحة في سبلة عُمان رأيها، إنما تحمل وجهة نظر كاتبها