سبلة عمان

العودة   سبلة عمان » المدونات » عزّي إيماني

ملاحظات \ آخر الأخبار

التقييم: الأصوات 2، المعدل 5.00.

جديدي " حديثُ المرايا "

ارسلت بتاريخ 12/05/2010 في 05:49 AM بواسطة عزّي إيماني

خطوة جديدة في مرافئ

بادر واقتني نسختك الأصلية قبل فوات الأوان


××××



تأملت تقاسيم وجهي ، تحسست تجاعيده وتنهدت . مددت يدي لاقتلع صفحة تقويم ذاك اليوم ورميت بها في السلة عدت لمرآتي وقلبت بالسبابة ذؤابتي التي اشتعل بها الشيب . صارعت دمعة تحاول شق طريقها لخدي فمنعها تجلدي وسد طريق عبورها . قررت أن أخرج لأجلي ما علق في نفسي صبيحة ذاك اليوم . ارتديت عباءتي وطوقت وجهي بنقاب يسلمني نظرات شفقة الجيران .أطلقت لقدماي العنان ومشيت وعقلي يقلب صفحات عمري الضائع وقلبي يعتصر ألما . وأنا في أوج استحضار مصيبتي أحسست بخطوات تتبعني . ذعر قلبي وأسرعت خطواتي فإذا هي الأخرى تزيد سرعتها . توقفت لألمح من يتبعني ، فإذ به شاب في مطلع العشرينات . تبسمت بيني وبين نفسي . وأنى له رؤية بسمتي وقد حيل بينهما بستار أسود . وأنى لي بهذه الحظوة وأنا العانس . عدت لمنزلي وأنا أخطو خطوات قصيرة لأطيل المدة مزهوة بنفسي وفرحة بمن يقتفي أثري .


توقفت حركاته عند مشارف حينا . التفت صوبه أودع إطلالته . وأسرعت إلى منزلي ومنها لمرآتي . ووهم الفرحة يغزو محياي . أردت أن أعيش تلك اللحظات مع يقيني بأنها سراب . لكن ما الضرر أن أحلم ؟ فهو ما بقي لي من حياتي .


كما أنها فرصة لن تتكرر مع من تجاوزت العقد الأخير من الثلاثينات . وحتى أعيش حلمي تكرر خروجي يوميا . كنت أتعطش لخطواته . وهو بدوره لم يسأم من تعقبي . ربما خيل له أن خلف الستار الأسود قمرا حجب جماله عن العالم حرصا .


بقينا على هذا الحال أياما . حتى استوقفني يوما يريد الحديث معي . تمنعت وأنا الراغبة ، ومع إلحاح منه قبلت أن نجلس في أحد زوايا حديقة عامة . أطال النظر إلى عيني وكأنه يحاول أن يكمل تفاصيل صورة رسمها في خياله . لزمت الصمت وتركت له حرية الإبحار . استمر صمتنا طويلا ورأيت أن الوقت أدركنا . فقمت قاصدة العودة لمنزلي . نطق عندها طالبا مني مقابلتي في الغد فهززت رأسي ملبية . عدت وقلبي يرقص فرحا . نسيت ما أنا عليه . ففرحتي به أنستني كل شيء . عدت وأنا أشدو ألحان حب حرمت منها . قضيت يومي ذاك وعيني تزاور الساعة . ترقب انقضاء الوقت بسرعة . ومع كل ساعة تمر تزداد خفقات قلبي شوقا للقاء . ما إن اقترب الموعد ، تطيبت ومسحت وجهي ببعض مساحيق زينة . ارتديت العباءة والنقاب ومضيت بسرعة إلى حيث تواعدنا . وجدته قد تقدمني ورائحة عطره عمت المكان . رأيته يحمل باقة حمراء في يده . رقص قلبي أسرعت إليه ومد يده مسلما . تأملتها برهة ثم مددت يدي وكانت المرة الأولى التي أصافح فيها رجلا غريبا . أحسست برعشة في يدي وأنا أحس بدفء يده وهو يضغط على يدي بقوة . جلسنا على أحد المقاعد ولم أجد نفسي إلا وأنا سابحة عينيه . وشرد ذهني بعيدا


استغل شرودي ومد يده لنقابي وكشف عن وجهي . انتبهت عندها . وأنا أرى أثر الدهشة في وجهه وتغير تقاسيمه . أشاح بوجهه عني فترة ثم عاود النظر إلي . نظرات حادة . لا تخلو من اشمئزاز مما يراه . أطرقت وطال إطراقي . ولما رفعت رأسي لم أجده بجانبي . تركني ومضى وكأنه ودع حلما زائف . بكيت بحرقة ، طوقت وجهي وعدت إلى منزلي بعد أن أيقنت حقيقة أن لا حق لعانس أن تحلم .


أمضيت يومين أعاني تبعات ما حدث وعزلت نفسي عن ما يحيط بي . أعدت خلالها حسابات عمر مضى . فكرت في نفسي من أنا في هذا العالم ؟ ما دوري به ؟ هل الزواج منتهى طموحي . أدركت وقتها أني على خطأ , وأيقنت أني من أجرم بحق نفسي . وضيعت سنين عمري بلا هدف . مسحت عبراتي وعقدت العزم على التغيير . فالتحقت بمشغل لتعليم الخياطة .وبرعت في أعمال التطريز والتصميم . كنت الأميز بين جموع من التحقن . من أجل هذا قرر أهلي فتح مشغل خياطة لي . كانت بمثابة هدية منهم على اجتيازي المشغل بتميز ، ورغبة منهم في سكب عصارة ما تعلمته . لم أتمالك نفسي من الفرحة . فقد كان لهديتهم وقع كبير على قلبي .


كان من أولى اهتماماتي وأنا أفتتح المشغل ؛ شغل فراغ من فاتهن قطار الزواج . فكانت لهن أولوية الالتحاق به ، وكم سعدت وأنا أرى بارقة الأمل تشرق على وجوههن من جديد . عملنا معا كيدٍ واحدة ، ولم ندخر جهدا في سبيل تطوير الإنتاجية . فجنينا ثمار جهدنا ، وتدفقت علينا الأرباح ، وأصبح لمشغلنا سمعة طيبة . لم يخطر ببالي يوما أن أكون من سيدات الأعمال أو أن أمتلك عدة مشاغل للخياطة . لم يدر في ذهني أن يكون لي حساب في البنك تعداده ألوف . نظرت لمرآتي باسمة أتأمل الإصرار في عيني . تلقيت في ذاك الوقت اتصالا هاتفيا من أحد سيدات الطبقة المخملية تطلبني الحضور لمنزلها لعمل تصميم لفستان ، وبالفعل ذهبت في الموعد المحدد وتبعت وصف المنزل بل القصر . فهو أشبه بما أراه في الأفلام ، سجاد أحمر ، خدم وحشم . وتعقيدات حتى أصل لمن أريد أو تريد مقابلتي . بعد مرور ربع ساعة من دخولي المنزل ، أذن لي بالمقابلة , وصعدت لغرفتها في طابق علوي وعيناني تقلبان مظاهر" الأبهة " . طرقت الخادمة باب غرفتها ودخلتُ بعد إذن وإذ بالسيدة تجلس أمام مرآتها . ألقيت عليها التحية فردت بمثلها . وبعد أخذ وعطاء منها للقيام بواجب الضيافة . سألتها عما تريده في الفستان وعن المناسبة التي تريد حضورها , وأخذت أنفذ لها التصميم وهي تتأملني . وسألتني كم أملك من الأولاد . تبسمت من سؤالها وأخبرتها بأني لم أتزوج بعد .صمتت ،عاودت النظر لمرآتها . استمرت صامتة فترة . ثم قالت " ليس حالي بأفضل من حالك " . سقط القلم من يدي . انتظرت منها أن تكمل كلامها . ولم تفعل ، إنما استمرت قبالة المرآة . وقتها تذكرت نفسي . كيف كنت أقضي غالب وقتي أقلب وجهي على المرآة . أشفقت على حالها . تناولت القلم وأكملت التصميم حتى انتهيت منه وعرضته عليها ، فلاقى استحسانها . وطلبت مني تنفيذه في مشغلي . هممت بالانصراف فأمسكتني من يدي وسألتني عن سر هذه الهمة . تبسمت لها وأخبرتها أن حالي كان يشبه حالها الآن وساعاتي قضيتها أمام المرآة . إلا أني رفضت الاستسلام وعزمت على تحدي ظرفي . ابتسمت وقامت مودعة لي حتى عتبة غرفتها .


خرجت من عندها عائدة لمنزلي . وما إن وصلت حتى وجدت أمي تستقبلني والفرحة بادية عليها . سألتها عن سر تلك الفرحة . فأخبرتني أن هناك من تقدم لخطبتي . تبسمت ساخرة . وقصدت غرفتي وقبل أن أشرع بدخولها قلت لأمي " لا "


ونفسي تحدثني أين كانوا قبل أن تعمّر الألوف رصيدي . أوصدت باب غرفتي وكببت وجهي على الأوراق أنجز بعض التصاميم .

:::::::::::::

إيمان
مضافة في غير مصنف
الزيارات 2010 تعقيبات 2
مجموع التعقيبات 2

تعقيبات

  1. Old Comment
    صورة عضوية أبو جهاد الهنائي
    جميلة هي كتاباتك أستاذتي .. وهذه قصة بالكاد إنها قصة العشرات وإذا لم أبالغ فلربما المئات من بنات مجتمعنا .. ممن فاتهن قطار الزواج ..

    وكثير أيضاً ممن تزوجن ولا يملكن من السعادة من شئ سوى إن الرجل إختارها لراتبها ..

    للأسف الشديد الطمع أو لربما الوضع المادي الصعب هو من أجبر البعض لإنتهاج هذا الأسلوب في الحياة ..

    وفي النهاية ..

    البنت والأبناء هم ضحية لجريمة لا ذنب لهما فيها ..

    سلمت يمناك أستاذتي وبارك الله فيك
    ارسلت بتاريخ 01/08/2010 في 10:52 AM بواسطة أبو جهاد الهنائي أبو جهاد الهنائي غير متصل حالياً
  2. Old Comment
    صورة عضوية عزّي إيماني
    شكرا لتعقيبك أخي .. بارك الله فيك ونفع بك
    ارسلت بتاريخ 03/08/2010 في 08:05 AM بواسطة عزّي إيماني عزّي إيماني غير متصل حالياً
 


جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 04:38 PM.

سبلة عمان :: السنة 13، اليوم 209

لا تمثل المواضيع المطروحة في سبلة عُمان رأيها، إنما تحمل وجهة نظر كاتبها