المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : حوار مع الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حول التقريب بين المذاهب الإسلامية


محب الشيخ حسن السقاف
01/01/2010, 03:39 PM
نقلا عن برنامج سؤال أهل الذكر الذي يبث في الفضائية العمانية - حلقة 22 من ربيع الأول 1426هـ ، 1/5/2005م
الموضوع : التقريب بين المذاهب الإسلامية


* السؤال (1):
من خلال مشاركتكم في المؤتمرات التي تدعو إلى التقارب بين المذاهب الإسلامية هل تؤذن مثل هذه اللقاءات بتوحيدٍ بين الأمة المسلمة ؟

الجواب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

فإنني أعتقد أن كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر وقد رضي بالله تعالى ربا وبالإسلام دينا وبكتاب الله تبارك وتعالى منهجاً يسير عليه ويرتبط بهذه الأمة مسيراً ومصيراً آمالاً وآلاماً يحن أيما حنين إلى الوحدة ما بين الأمة الإسلامية ، إذ في التفكك ما بين الأمة طوائف أشتاتاً تمزيق لهذه الأمة وإضعاف لها وإذهاب لريحها ، بينما هي إذا اتحدت كانت أمة قوية .

على أن هذا الاتحاد ليس هو مصلحة دنيوية فحسب بل هو مطلب ديني عقدي لأن الله تبارك وتعالى قرن ما بين الدعوة إلى اتحاد الأمة والدعوة إلى توحيده ، وحسبكم ذلك دليلاً على عظم شأن هذا الاتحاد ، كيف وقد قُرن بأقدس المقدسات في عقيدة الإسلام وهو توحيد الله تبارك وتعالى الذي تقوم عليه المفاهيم الإسلامية بأسرها ، ومنه تكون الانطلاقة في مجالات العبادات والأعمال على اختلاف أنواعها ، فالله سبحانه وتعالى يقول ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا )(آل عمران: 102-103) ، ربط الله تبارك وتعالى بين الدعوة إلى الكون على توحيد الله سبحانه وتعالى وعدم الموت إلا على الإسلام دين التوحيد ، وبين وجوب الوحدة ما بين الأمة وعدم التفرق .

وهو تعالى القائل ) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) (الأنبياء:92) ، وهو القائل ( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ) (المؤمنون:52) . وهو القائل سبحانه وتعالى ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) (الأنعام:159) ، وهو سبحانه وتعالى الذي حذّر من مغبّة الفرقة والاختلاف عندما قال ( وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ )(الأنفال: من الآية46) .

على أننا يجب علينا أن نفكر فيما يجمع ما بين هذه الأمة ، فنحن نرى قواسم مشتركة تجمع ما بين هذه الأمة جميعاً منها وحدة المصدر ، فإن هذه الأمة جميعاً تؤمن بكتاب الله أنه هو المصدر الأول لفكرها ولفقهها ولمنهجها في حياتها ، وتؤمن أيضاً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم الثابتة الصحيحة .

ومع هذا أيضاً قبلتها واحدة فإنها تجتمع على التوجه إلى بيت الله الحرام الذي يحجه المسلمون جميعاً على اختلاف طوائفهم وعلى اختلاف مذاهبهم الفقهية والفكرية .

وهناك أيضاً اتحاد في أصول كثيرة أهمها أركان الإسلام الخمسة ، فإن أركان الإسلام الخمسة لا فارق فيها ، وإنما الفرق في تفسيرها ، إذ لم تختلف الأمة في وجوب اعتقاد أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ولم تختلف الأمة في وجوب إقام الصلاة ، وفي وجوب إيتاء الزكاة ، وفي وجوب صوم رمضان ، وفي وجوب حج بيت الله تعالى الحرام .

كما أن أركان الإيمان الستة لم تختلف الأمة في خمسة منها ، فقد اتفقت جميعاً على وجوب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر ، وإنما وقع الاختلاف في الإيمان بقضاء الله وقدره بناء على تفسيرات لكل طائفة لها موقف من هذه القضية .

وبالنسبة إلى الأركان الخمسة من حيث الكليات الكل متفقون ، وإنما هناك اختلاف في الجزئيات .

وقد كان الواجب على الأمة أن ترعى هذا الجانب ، قد كان الواجب على هذه الأمة أن تدرك أن هذه الخصائص المشتركة فيما بينها يجب أن تكون مؤلِفة فيما بينها ومقرِبة لوجهات نظرها .

على أن الاختلاف في التفسير والاختلاف في التأويل والاختلاف في الجزئيات التي ترجع إلى هذه الكليات يمكن أن يناقش بأسلوب هادئ هادف لا يؤدي إلا إلى التآلف والتقارب .

وأنا أعلم أن بُعد الشُقة في العهود الماضية كان له أثر في إساءة الظنون ، وكان له أثر في عدم تصور كل طائفة ما عند الطائفة الأخرى ، فلربما ظن هذا أن غيره يعتقد معتقدات هو في الحقيقة منها براء ، كم سمعنا بأن الطائفة كذا تعتقد كذا وتعتقد كذا مما يخرجها عن ملة الإسلام ، كم نُسب إلينا نحن مما لا نقره ولا نرضاه من أي أحد .

وهذا يعني أن بُعد الشُقة أدى إلى أن يوسوس الشيطان للناس ويزيّن لهم سوء الظن ويقبّح صور الآخرين في أنظارهم .

ولكن مع هذا القرب الآن بحيث أصبحت الدنيا كأنما زويت من أطرافها ، وفي نفس الوقت أصبحت وسيلة الاتصال وسيلة مُقرّبة للبعيد ، فالكتاب أصبح في متناول اليد ، كتاب أي طائفة من هذه الطوائف ، فالمطابع سهّلت وصول الكتاب إلى يد أي أحد .

وليس ذلك فحسب ، هناك وسائل أخرى شبكة المعلومات العالمية تقرّب البعيد بحيث إن الإنسان يمكنه من خلالها أن يطّلع على ما عند الآخرين مما لم يكن يتصوره من قبل .

كذلك أصبحت المجلدات الكثيرة تُختزل اختزالاً في أقراص صغيرة ، ويمكن من خلالها الاطلاع ، بحيث يمكن أن تُختزل مكتبات بأسرها في قرص أو قرصين أو في أقراص يسيرة وأن يطّلع الناس من خلالها على الكثير الكثير مما لم يكن يتصورونه من قبل ، فلا عذر اليوم مع هذا كله عن محاولة اطّلاع كل فئة على ما عند الفئات الأخرى ، وعلى إحسان الظن بقدر المستطاع ، وأن لا يُقطع عذر أحد ما دام متشبثاً بدليل شرعي ولو كان هو في نظر الفريق الآخر دليلاً ضعيفاً ، ولكن عندما يكون هذا الدليل لا يصطدم مع دليل قطعي فإنه يؤخذ به ولا يُعنّف من أخذ به ، نعم على الإنسان في خاصة نفسه أن يعمل بالدليل الأقوى ، وأن لا يأخذ بالدليل الأضعف ، ولكن ربما كان في نظر الآخر هذا الدليل الذي هو أضعف في نظره دليلاً أقوى .

أما بالنسبة إلى القضايا المنصوص عليها فلا ريب أن كل أحد لا يتعمد أن يصادم نصاً قطعياً ويعدل عنه إلا بتأويل ، قد يكون هذا التأويل تأويلاً لا يسوغ ولكن مع ذلك التأويل ولو كان أوهى من نسج العنكبوت لا يؤدي إلى إخراج أحد من الملة إن صادم نصاً قطعياً .

نعم الذي ينكر ما عُلم من الدين بالضرورة مما كان نصاً قطعياً لا يحتمل التأويل بحال من الأحوال فإنه على أي حال لا يُتجاوز عن من رده ، وإن كان رده بغير تأويل في هذه الحالة يكون راداً لنص قطعي ويكون خارجاً من ملة الإسلام ، ولكن نحن ننزه الناس المسلمين عن اتّباع هذه الطريقة ، ونرى أنه لا بد للمسلم أن يلتزم بالدليل ما دام آمن بالقرآن الكريم فإنه يأخذ بجميع آياته .

نعم ربما تصوّر بعض الناس شيئاً من القرآن أنه منسوخ ، أو تصوّر أن شيئاً من القرآن الكريم خُصّص عمومه أو قُيّد إطلاقه أو نحو ذلك ، وقضايا تخصيص العمومات وإطلاق المقيَدات مما يسوغ النظر فيه ، فليس لأحد أن يقطع عذر غيره بسبب أنه ركن إلى دليل يُخصّص الدليل العام أو يُقيّد الدليل المطلق ولو كان في نظر هذا الطرف الآخر أن ذلك لا يسوغ التخصيص به ولا يسوغ التقييد به ، ولكن هناك مخصصات أُجمع عليها وهناك مخصصات اختُلف فيها ، والعلماء لهم مجال واسع في النظر في هذه الأمور .

* السؤال (2)
هل يمكن أن تتحمل الخلافات المذهبية بين أفراد الأمة مسئولية التأخر العالمي الذي تشهده سباقات الصناعة والتجارة وسائر جوانب الحياة المادية باعتبار ذلك سبيلاً من سبيل الضعف ؟

الجواب :
نعم ، الخلافات نحن لا نحاربها جميعاً ، لا نحارب الخلاف عندما يكون خلافاً في فهم دليل شرعي أو خلافاً في تأويل دليل شرعي تأويلاً يحتمله المعنى ، ولا نحارب الاختلاف في الأمور التي هي مجال للاجتهاد عند العلماء ، فإن الأمة يتسع أمرها عندما تكون هناك آراء متعددة في القضايا التي يسوغ فيها الاختلاف ، فمن السلف الصالح من قال ( لا أود بأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم لم يختلفوا ) ، لأنهم لو لم يختلفوا لكان كل شيء مما له حكم في الإسلام لا يخرج عن قولٍ واحدٍ فحسب ، وهذا فيه تضييق للناس ، بينما الاختلاف إلى أقوال متعددة وآراء مختلفة مما يؤدي إلى التوسعة ، فلربما ضاق الناس بقول ما وتوسعوا بقول آخر ، ولربما كان قول من الأقوال مناسباً لعصر من العصور ولكن جاء عصر آخر بظروف أخرى وبمستلزمات أخرى فيضيق الأخذ بذلك القول الذي كان مأخوذاً به من قبل وينبغي العدول عنه إلى قول آخر . فهكذا الإجتهادات ، قد تكون هذه الاجتهادات نابعة من البيئة التي يعيش فيها العلماء ، وقد تكون نابعة من ملابسات أخرى أدت إلى اختلاف آراء العلماء ، فهذا مما يجب أن يؤخذ به في الاعتبار .
يتبع

محب الشيخ حسن السقاف
01/01/2010, 03:40 PM
* السؤال (3)
كيف تنظرون إلى المذاهب الإسلامية من حيث قربها وبعدها عن المنهج الإسلامي الصحيح باعتباركم من أهل المذهب الإباضي ؟

الجواب :
على أي حال نحن دائماً نميل إلى ما يجمع الشمل ويرأب الصدع ويؤلف القلوب ويوحد الكلمة . وهذا مما أُدرك في كلام أسلافنا ، فنجد مثلاً الإمام أبا حمزة الشاري وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلّم في وقتٍ يواجه فيه حروباً مع قوى الظلم ويواجه تحديات ولكن مع ذلك لم تذهب به الانفعالات إلى أن يعلن القطيعة مع الآخرين قال ( الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة : مشركاً بالله عابد وثن ، أو كافراً من أهل الكتاب ، أو إماماً جائراً ) ، وهذا ما قاله الإمام السالمي رحمه الله أيضاً عندما قال :

ونحن لا نطالب العبادا *** فوق شهادتيهم اعتقادا
فمن أتى بالجملتين قلنا *** إخواننا وبالحقوق قمنا
إلا إذا ما أظهروا ضلالا *** واعتقدوا في دينهم محالا
قمنا نبيّن الصواب لهم *** ونحسبن ذلك من حقهم
فما رأيتهم من التحرير *** في كتب التوحيد والتقرير
حل مسائل ورد شبه *** جاء من ضل للمتنبه
قمنا نردها ونبدي الحقا *** بجهدنا كي لا يُضل الخلقا

فعلى أي حال لا ينبغي أن يكون الإنسان متقوقعاً على نفسه ، يُصر على أن ما يقوله هو وحده الحق ، فالحق يُعرف بالرجوع إلى الأصول ، بالرجوع إلى الكتاب والرجوع إلى السنة النبوية الثابتة الصحيحة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام لا بمجرد الدعاوى .

ثم مع هذا أيضاً نجد أن علمائنا السابقين كانوا حريصين كل الحرص على ما يوحد الصف ويرأب الصدع ويجمع الكلمة ، بل نجد القيادات السياسية والقيادات العلمية جميعاً تشترك في هذه الناحية ، نحن نضرب مثلاً لذلك عندما شب ضرام الحرب بين الدولة السعودية وأشراف مكة في عهد الملك عبد العزيز وفي عهد الشريف حسين ، شغل ذلك القيادات الإباضية سواء القيادات السياسية أو القيادات العلمية ، فنجد مثلا ًالسلطان تيمور بن فيصل يوجه رسالة إلى الفئتين المتحاربتين ويسند القيام بالصلح في هذه القضية إلى الشيخ سليمان باشا الباروني الذي كان في ذلك الوقت في الحجاز ويقول للطائفتين بأن هذا من علماء مذهبنا ونحن وكلنا إليه أمر الإصلاح ما بين المتحاربين حفاظاً على الوحدة الإسلامية ، وحفاظاً على حرمة الحرم الشريف الذي نخشى أن يكون مهدداً أمنه وأن يفضي ذلك إلى تهديد عُمّاره .

وبجانب ذلك وُجِّهت رسالة من قبل الإمام محمد بن عبدالله الخليلي إلى الشيخ سليمان باشا الباروني نفسه بأنه يطالبه أن يمثّله في القيام بالصلح ما بين الفئتين المتحاربتين حفاظاً على الإخاء الإسلامي وحفاظاً على الحرم الشريف وصونه مما يؤدي إلى تكدير صفو الأمن فيه .

والرسالتان موجودتان جميعاً في كتاب الشيخ أبي اليقظان الذي ألّفه عن تاريخ الشيخ سليمان الباروني بعنوان ( سليمان باشا الباروني في أطوار حياته ) ، فالرسالتان الموجهتان في هذه القضية من القيادتين القيادة السياسية عند السلطان تيمور والقيادة الدينية والسياسية عند الإمام محمد بن عبدالله الخليلي موجودتان جميعاً كما ذكرت في هذا الكتاب .

* السؤال (4)
بم تفسرون المساعي التي يقوم بها أهل العلم والدين للحفاظ على مذاهبهم في الوقت نفسه الذي ينادي به هؤلاء أنفسهم بأهمية التوحد ونبذ الفرقة والخلاف ؟

الجواب :
على أي حال نحن لا نقول بأن التقارب ما بين المذاهب الإسلامية يعني أن يتخلى أحد عن مذهبه ، ولا ندعو إلى ذلك ، لا ندعو أحداً إلى أن يتخلى عن مذهبه سواءً من الناحية الفكرية أو من الناحية الفقهية .

أما الناحية الفكرية فهي نتيجة اقتناع ، وليست نتيجة طلب وإلزام .

وأما من الناحية الفقهية فإن الناحية الفقهية إما أن يكون الإنسان فيها مجتهداً بنفسه ، وإما أن يكون مقلداً لمن كان أهلاً للاجتهاد من العلماء . فهذا المجتهد لا يُفرض عليه رأي ، إنما ينظر هو في الأدلة الشرعية ويأخذ بالدليل الذي يراه أرجح ، وفي نفس الوقت إن كان الشخص مقلداً لغيره فإنه لا يُفرض عليه أن يقلد من لم يرض بتقليده من الأئمة ، بل هو يختار الإمام الذي يقلده .

وكما قلنا المسائل الفرعية الفقهية مجال الاجتهاد فيها مجال واسع عند العلماء ، ولربما كان الخلاف الذي بين المذاهب المتعددة في هذه المسائل كالخلاف الذي يحصل بين أئمة المذهب الواحد ، إذ لا يلزم أن يكون المذهب الواحد لا يوجد فيه أكثر من قول ، قد تكون هناك أقوال تتجاوز العشرة في مذهب واحد ، يختلف العلماء إلى أقوال متعددة في القضية الواحدة .

فلذلك كان من الضرورة بمكان أن يتفطن المسلمون أن الوحدة المطلوبة بين الأمة لا يلزم منها أن ينصهر المسلمون كلهم في مذهب واحد ، لا ، وإنما لكل أحد استقلاليته في الرأي والنظر واعتماده على ما يراه أرجح أو ما يراه أصوب ، فإن ذلك موكول إلى كل أحد وهو مما يُتعبد به بينه وبين ربه سبحانه وتعالى سواءً كان من المجتهدين أو كان من المقلدين فإنه يختار من يرى تقليده أسلم له من تقليد غيره .

هذا ، ولكن مع ذلك كله لا ينبغي أن يؤدي الأمر إلى التنابز بالألقاب وإلى التراشق بالتهم وإلى محاولة كل فئة أن تحط من قدر الفئة الأخرى وأن تنال من عرضها ومن شرفها ومن إسلامها وإيمانها فإن هذا هو الذي يؤدي إلى التنازع والفرقة والاختلاف ، وكما قلت الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسائل فقهية كثيرة ، ولربما أدى الأمر أيضاً إلى الاختلاف بينهم حتى في بعض جزئيات مسائل النظر والاعتقاد ولكن لم يؤد ذلك إلى أن يتراشقوا بالتهم وأن يتقاطعوا وأن يعلن كل فريق منهم الحرب على الفريق الآخر ، لا ، وإنما كانوا متسالمين وكانوا متحدين في موجهة العدو المشترك .

والأمة الإسلامية اليوم تمر بمنعطف خطير ، منعطف يستوجب أن تتحد جميع فئاتها من أجل مواجهة تحدياته ، أي تحديات هذا المنعطف ، فهي إما أن تأخذ بأسباب القوة وأسباب العصمة ، وإما أن تظل تتسكع في هذه التخبطات حتى يؤدي الأمر إلى مزيد إضعافها وإلى مزيد النكاية بها من قبل أعدائها .

الأمة الإسلامية لا ينتشلها من هذا الضياع الذي وقعت فيه إلا أن يضع بعضها يده في يد البعض الآخر ، ويتفق الجميع على النهوض بجميع الأمة والسير بها قُدماً ، والتقدم في شتى المجالات سواء المجالات العلمية والصناعية أو المجالات الدعوية والأدبية لتكون هذه الأمة أمة عزيزة بمشيئة الله سبحانه .

* السؤال (5)
ما رأيكم في الانتصارات الفكرية التي تحققها وحققتها الأمة المسلمة في سائر مذاهبها فلم تكن المذهبية عائقاً في وجهها ، فالملاحظ انتشار الإسلام بما يحمل من منطلقات الكتاب والسنة في سائر المذاهب في بلاد غير الإسلام مع ما يلاقي من التحجيم أو التشويه ولكن أين المذهبية هنا لا نجد لها أي أثر في هذا الانتشار ؟

الجواب :
هنالك فارق ما بين أن يكون الإنسان متقيداً بمذهب معين ، وبين كونه متعصباً لذلك المذهب ، بحيث يقول إن هذا هو الحق مهما كان ، بل وصل الأمر ببعض الناس أن قال ( بأنه يجب على الناس جميعاً أن لا يخرجوا عن عدد كذا من المذاهب ، وكل من خرج عن ذلك فهو ضال مضل ، ويُخشى عليه الوقوع في الكفر ، ولو أنه وافق ظاهر القرآن والأحاديث الصحيحة وأقوال الصحابة .... ) ، هذا كلام في منتهى الخطورة ، هذا هو الذي فرّق الأمة ، وهذا الذي هو قعد بها عن النهوض ، وهذا هو الذي أدّى بها إلى التمزق ، هذه العصبية التي تكون عند طائفة من الناس تقابل بعصبية عند طائفة أخرى ويؤدي بها ذلك إلى أن تنسى الأمة حقيقة دينها ، وتبقى تدور في فلك المذهبية الضيق ، وتنسى فسيح الإسلام الواسع الذي يجمع ولا يفرق ، ويؤلف ولا ينفر ، ويقرب ولا يبعد ، ويوحد ولا يشتت .

* السؤال (6)
لفت النبي صلى الله عليه وسلّم انتباه الأمة حين قتل أحد الصحابة رجلاً في إحدى المعارك بعد أن تلفظ بكلمة التوحيد ، فكيف يمكن أن يستفاد من هذه الحادثة للتوحيد والتقريب بين المذاهب الإسلامية ؟

الجواب :
هذه الحادثة تدل على أن لكلمة ( لا إله إلا الله ) شأناً عند الله ، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم دمه وماله إلا من أجل انتهاك حرمة من حرم الإسلام ، إلا بحق الإسلام كما جاء في الحديث ( من قال لا إله إلا الله فقد عصم دمه وماله إلا بحق الإسلام ) ، كيف يكون ذلك ؟ إنما هو كما جاء في الحديث ( زنا بعد إحصان ، أو ارتداد عن الإسلام ، أو قتل النفس المحرمة بغير حق ) ، لا يستباح دم من قال لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث : إما بزنا بعد إحصانه ، أو بارتداده عن إسلامه ، أو بقتله النفس المحرمة بغير حق ، فإن لم يكن ذلك فدمه معصوم وماله معصوم ، لا يجوز أخذ شيء من ماله ولا يجوز سفك دمه .

ثم مع هذا أيضاً كلمة لا إله إلا الله تجمع وتوحد ، معناها إخلاص العبودية لله تعالى ، فالإنسان عليه أن يلتزم بما تدل عليه من إخلاص العبودية لله ، ومهما أخلص الإنسان الذي قالها عبوديته لله لا ريب أنه يحس بقرب من سائر الذين أخلصوا هذه العبودية لله تبارك وتعالى ولم يشركوا مع الله سبحانه وتعالى أحدا .

فالحديث يلفت النظر إلى ما يجب أن يكون عليه المسلمون من مراعاة حق كلمة لا إله إلا الله ، وما تؤدي إليه كلمة لا إله إلا الله من الترابط والألفة والاتحاد فيما بينهم .

* السؤال (7)
هناك أمر ربما يتفاجئ به بعض حديثي الإسلام حين يرون مثل هذه المدارس الإسلامية ممثلة في مذاهب الإسلام المختلفة ، كيف يتصرف الدعاة ليجاوزوا بهؤلاء المسلمين هذا المنعطف ؟

الجواب :
يجب على الدعاة أن يبصّروا أولئك بجوهر الإسلام ، ربما كان الاختلاف في أمور شكلية لا في جوهر الإسلام ، فإذا أبصر أولئك جوهر الإسلام وفهموا أن الإسلام يعني أن يوحّد الإنسان المسلم ربه تبارك وتعالى في الاعتقاد وفي العبادة بحيث لا يعتقد مع الله شريكاً ، وأن يعترف بالرسالة ، وأن يعترف بأن ما جاء به الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلّم حق مع الإيمان بجميع النبيين ، والإيمان بجميع الكتب والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالمبدأ وبالمعاد ، والإيمان بأن الله تبارك وتعالى خالق هذا الوجود لا يشبه شيئاً من مخلوقاته ولا يشبهه شيء من مخلوقاته ، مع الإيمان بأن المصدر والأصل كتاب الله والثابت من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، هذا كله مما يجمع ويؤلف ، ويدرك من خلال ذلك أن الاختلافات الجزئية لا تضير شيئاً مع وحدة هذا المعتقد ومع وحدة هذا المنهج الذي يسير عليه المسلم ، فلا يؤدي ذلك إلى أن يصطدم بمشيئة الله سبحانه وتعالى .

* السؤال (8)
كل مذهب يشكو من شواذ في أتباعه يمثلون الجانب المتعصب ، فمن وجهة نظركم لماذا تفرز المذاهب مثل هذه العناصر التي توسع الهوة ؟

الجواب :
ذلك إنما يعود إلى عدم الفهم الدقيق للإسلام ، نحن لا ننكر على أي مذهب دافع عن نفسه وبيّن للناس ما عنده من الحق ودرأ عن نفسه التهم التي تُلصق به ، ولكن ننكر أن يهاجم مذهب مذهباً آخر مهاجمة غير مبنية على علم وعلى معرفة ، بل بمجرد أن يكون هذا منتمياً إلى ذلك المذهب يجد المهاجمة ويجد التعصب من قبل الفئة الأخرى أو من قبل الطرف الآخر .

ونحن نحمد الله تبارك وتعالى بأنه الآن مع هذا التوجه لدى جميع المذاهب الإسلامية على اختلافها والتوجه إلى التقريب فيما بينها وجدنا تجاوباً كبيراً من أئمة المذاهب على اختلافها ، حتى من كنا نعتبرهم في الأيام السابقة أشد تعصباً وأشد تحجراً وأشد إصراراً على مواقفهم أصبح منهم الآن من ينادي بالتقارب وينادي بالوحدة بين الأمة وهذه فاتحة خير .

وقد قامت مؤسسات التقريب ، قامت مؤسسة التقريب قبل نصف قرن من الزمن تقريباً في القاهرة ، وقامت الآن مؤسسة للتقريب في الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ ما يقارب ربع قرن من الزمن ، وهذا مما يبشر بخير كبير ، فمؤسسات ومجامع التقريب ما بين الأمة الإسلامية لا بد من أن تعطي ثمارها بمشيئة الله سبحانه .

وقد نادى بالتقريب قبل هذا من علمائنا من نادى ، فنجد الشيخ سليمان باشا الباروني ممن نادى بهذا ، وكتب رسالة بهذا إلى الإمام السالمي قبل قرن من الزمن بالضبط ، كان ذلك في عام 1326 ونحن الآن في عام 1426 ، عرض هذه الفكرة ولقيت ترحاباً من الإمام السالمي أيما ترحاب ، وتمنى أن تجد هذه الفكرة تجاوباً عند جميع المسلمين حتى يُصهر ما بين هذه الأمة وتذوب هذه الفوارق التي تشتت شملها وتقف حاجزاً فيما بين فئاتها حتى لا يلتحم بعضها مع بعض .






--------------------------------------------------------------------------------
* المصدر: برنامج (سؤال أهل الذكر)
http://www.alwihdah.com/view.php?cat=3&id=98

عاشق الغربه
01/01/2010, 04:33 PM
بارك الله فيك اخي الكريم على هذا الطرح المتميز
ونحمد الله تعالى بأن رزقنا بعلماء منذ مئات السنين همهم الوحيد وشغلهم الشاغل توحيد الامه الاسلاميه ومن يقراء موسوعة جوابات الامام السالمي سوف يجد العديد العديد من الاسئلة والاجوبة لتوحيد الامة الاسلامية واستمروا علمائنا رحمهم الله على هذا الحال الى يومنا الحالي نجد الكثير الكثير من كتب علمائنا وفقهم الله في توحيد الامه وعلى رائسهم سماحة الشيخ العلامة بدر الدين للخليلي حفظه الله تعالى

alfaris
01/01/2010, 07:03 PM
جزاك الله تعالى خبر الجزاء أخي العزيز ونسأل الله تعالى أن يوحد الأمة الإسلامية على كلمة سواء في مواجهة أعدائه المتربصين به الدوائر ونسأله تعالى أن بحفظ شبخنا العلامة فضبلة الشيخ أحمد الخلبلي وأن يعينه في مسعاه إلى توحيد الأمة وكل من مشى على نهجه في توحيد الأمة الإسلامية.....

قتموتو
01/01/2010, 10:04 PM
جزاكم الله كل خير


ووفق شيخنا لما فيه الخير

50 عام نحارب الشرك بحجار
02/01/2010, 12:09 AM
* السؤال (4)
بم تفسرون المساعي التي يقوم بها أهل العلم والدين للحفاظ على مذاهبهم في الوقت نفسه الذي ينادي به هؤلاء أنفسهم بأهمية التوحد ونبذ الفرقة والخلاف ؟

الجواب :
على أي حال نحن لا نقول بأن التقارب ما بين المذاهب الإسلامية يعني أن يتخلى أحد عن مذهبه ، ولا ندعو إلى ذلك ، لا ندعو أحداً إلى أن يتخلى عن مذهبه سواءً من الناحية الفكرية أو من الناحية الفقهية



أتمنى منكم انكم تقتدو بهذا الجواب

إللي ألاحظه في السبله شتم وتكفير

يا ناس يا عمانيين إن كنتم تقتدون بالخليلي "فقد أمركم بما ضللته باللون الاحمر"

وبالأخص كاتب الموضوع (العضو محب الشيخ حسن السقاف) من خلال ردودك في بعض المواضيع لا ينطبق مع نقلك لهذا الموضوع

اطلق لقلمك العنان
02/01/2010, 01:06 AM
http://www.hdrmut.net/ufiles/1165739559.jpg

هل تعلمون لماذا الصورة جميله ؟

:مستغرب:

recycle bin
02/01/2010, 05:40 PM
http://www.hdrmut.net/ufiles/1165739559.jpg

هل تعلمون لماذا الصورة جميله ؟

:مستغرب:



ليــــــــــــــــــــش :حزين: ؟

باروش
02/01/2010, 05:47 PM
ليــــــــــــــــــــش :حزين: ؟

طبعا لأن الجميع هنا ..

وقفوا بين يدي المولى عزوجل ..

(سني - اباضي -شيعي) الكل هنا وقف تحت راية الإسلام ، وقفوا بكل جوارحهم يعبدون الله جلّ شأنه ..

نتمنى أن نرى هذا الترابط دائما وأبدا ..


نصر الله الإسلام والمسلمين ...

الحر الطليق
02/01/2010, 08:05 PM
موضوع جيد وكلام جميل والصورة احلى واحلا

مفلوع بسلندر
03/01/2010, 03:45 PM
بارك الله فيك اخي ناقل الموضوع

أخي عاشق الغربه إن كنت تبحث عن التقارب بين المذاهب فالرجاء ثم الرجاء قم بحذف الموقع المدرج في توقيعك لأنه يدعوا إلى المذهبيه