المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : دروس في اللغة6 المترادفات


أبومحمد
03/01/2007, 11:59 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

فيما يلي أسطر أفكارا حول قضايا هامة في فقه اللغة وهي قضايا الترادف والمشتركات اللفظية والمعنوية والجذرية.


المبحث الأول: قضية الترادف


السيف

الحسام

المهند

كلمات نسمعها كثيرا ونعتقد أن جميعها يدل على نفس المعنى ...

الأسد

الهزبر

القسورة

كلمات يستخدمها الناس بوصفها تشير لحقيقة واحدة ...

فهل الأمر كذلك حقا؟ هل تلك الألفاظ مترادفة وتدل على نفس المعنى؟ هذا ما سيتم بحثه في عجالة في هذا المقال بتوفيق الله.

أولا: موقف اللغويين من المترادفات

[1] من أنكر وقوع الترادف: أبو علي الفارسي المعتزلي، إبن جني المعتزلي، المبرد المعتزلي، أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني المعتزلي، أبو هلال العسكري، إبن فارس، الخطيب الإسكافي، ثعلب، القاضي البيضاوي الشافعي. وحجتهم العقلية في ذلك أن اللغة وضعية ـ الهية التنزيل ـ وليست اصطلاحية ومن ثم تتصف بالحكمة، ومما يخالف الحكمة التكرار الإستعراضي الذي ليس من ورائه طائل. هذا إضافة لحجة عملية أو موضوعية وهي خلو القرآن بالفعل من المترادفات، وأن الكلمات التي نخالها متطابقة ليست كذلك في الواقع وإنما بينها فروق وإن دقت.

[2] من أثبت وقوع الترادف: سيبوية، الأصمعي، الفيروزآبادي، الجلال السيوطي، الآمدي الشافعي. وحجتهم في ذلك أن الترادف دليل على سعة اللغة.

ثانيا: التعريف الإصطلاحي للمترادفات

المترادفات هي ألفاظ متعددة تدل على معنى واحد

ثالثا: التعريف اللساني للمترادفات

وردت مادة (ردف) في الكتاب في ثلاثة مواضع تدل على التتابع الداني وليس القاصي:

(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) (الأنفال : 9)

(قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) (النمل : 72)

(يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ. تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) (النازعات : 6 - 7)

رابعا: مدى إتفاق مفهوم الترادف إصطلاحا ولسانا

بينما يستخدم اللغوين مادة (ر د ف) للدلالة على تعدد ألفاظ المعنى الواحد يدل المفهوم القرآني لمادة (ر د ف) على معنى آخر هو (التتابع الداني) وبهذا يظهر انحراف المعنى الإصطلاحي الوضعي عن المفهوم القرآني التنزيلي، فكان الأحرى باللغوين أن يسموا مفهومهم عن تعدد ألفاظ المعنى الواحد تطابقا وليس ترادفا. فالقرآن يشير إذا لعدم دلالة الترادف على التطابق ولكن دلالته على تقارب المعاني وذلك على النحو الذي توضحه الأمثلة التالية.

خامسا: أمثلة توضيحية لعدم وقوع الترادف

[1] السيف والحسام والمهند

يقول الشاعر:


وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ***** على النفس من وقع الحسام المهند


- السيف هو إسم السلاح الأبيض الطويل سواء كان ماضيا أم لا

- الحسام من الحسم أي القطع هو إسم الحد القاطع (النصل الماضي) للسيف

- المهند هو إسم الحديد الصلب المجلوب من الهند

ألفاظ ثلاثة يدل كل لفظ منها على معنى قائم بذاته وليس بينها تطابق أبدا.

[2] الأسد و الهزبر والقسورة

ـ الأسد هو الحيوان المعروف الذي يسود سائر الحيوانات الأخرى (ملك الغابة)

- الهزبر هو إسم لملك الغابة حينما يكون قويا وفتيا وليس ضعيفا ومسنا

- القسورة هو إسم لأنثى الأسد وهي التي تتولى صيد الفريسة

ألفاظ ثلاثة يدل كل لفظ منها على معنى قائم بذاته وليس بينها تطابق أبدا.

[3] الحوراء و الهدباء والهيفاء

يقول الشاعر:


إن العيون التي في طرفها حور ***** قتلننا ثم لم يحيين قتلانا


- الحوراء الجميلة العينين ذات الحدقتين المتسعتين شديدة بياض بياضهما وسواد سوادهما

- الهدباء هي الطويلة الأهداب (رموش العين)

- الهيفاء هي طويلة القامة

ألفاظ ثلاثة يدل كل لفظ منها على معنى قائم بذاته وليس بينها تطابق أبدا.

سادسا: فروق لغوية لأبي هلال العسكري

أبو هلال العسكري رحمه الله كان من فقهاء اللغة الكبار الذين فندوا نظرية الترادف المزعومة (التطابق) وصنف في ذلك كتبا كثيرة للدلالة على أن هناك ثمة فروق في معاني الألفاظ التي يخالها الناس مترادفة، من ذلك الألفاظ الآتية:

- الفرق بين الحلم والرؤيا: كلاهما ما يراه الانسان في المنام لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير، والشئ الحسن، والحلم ما يراه من الشر والشئ القبيح.

- الفرق بين الحماية والحفظ: أن الحماية تكون لما لا يمكن إحرازه وحصره مثل الأرض والبلد، تقول: هو يحمي البلد والأرض، والحفظ يكون لما يُحرز ويُحصر وتقول هو يحفظ دراهمه ومتاعه.

- الفرق بين الحمد والمدح: أن الحمد لا يكون إلا على إحسان، والمدح يكون بالفعل والصفة وذلك مثل أن يمدح الرجل باحسانه إلى غيره وأن يمدحه بحسن وجهه وطول قامته ولا يجوز أن يحمده على ذلك وإنما يحمده على إحسان يقع منه فقط.

- الفرق بين الخجل والحياء: الخجل مما كان والحياء مما يكون.

- الفرق بين الخشوع والتواضع: التواضع يعتبر بالاخلاق والأفعال الظاهرة والباطنة. والخشوع: يقال باعتبار الجوارح.

- الفرق بين القسم والحلف: أن القسم أبلغ من الحلف.

- الفرق بين الغضب والسخط: أن الغضب يكون من الصغير على الكبير ومن الكبير على الصغير، والسخط لا يكون إلا من الكبير على الصغير.


سابعا: مناقشة مثبتي الترادف

يزعم مثبتوا الترادف أن القول بالترادف يدل على سعة اللغة بينما العكس هو الصحيح، وللتدليل على ذلك اضرب مثلا: لنفترض أن هناك لغة ما تتكون فقط من 100 كلمة ـ للتبسيط بالطبع ـ وأن كل كلمتين منها تدل على معنى واحد، فتحتوي هذه اللغة عند الترادفيين فقط على 50 معنى بينما هي تحتوي عند اللاترادفين على 100 معنى تماما فأي النظريتين تقود لتوسعة اللغة؟ بالطبع نظرية اللاترادف وبالأدق اللاتطابق.


المبحث الثاني: قضية المشتركات



أولا:المشترك اللفظي


المشترك اللفظي يعني أن لفظاً واحداً يكون موضوعاً لعدة معاني، كل معنى منها يغاير المعنى الآخر.

مثال: لفظ (العين)

هو لفظ واحد (ع، ي، ن) موضوع لمعاني عديدة هي: الباصرة، النابعة، الذهب والفضة، ... الخ.

من المشترك اللفظي في القرآن: كلمة (آية)

وتأتي في الكتاب للمعاني الآتية:

[1] البناء العالي، ومنه قوله تعالى:

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: 128]

أي: بناء عاليًا.

[2] عبرة وموعظة، ومنه قوله تعالى:

﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً﴾ [يونس: 92]

أي: عبرة لمن بعدك.

[3] علامة واضحة، ومنه قوله تعالى:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ﴾ [البقرة: 118]

أي: علامة.

[4] معجزة، ومنه قوله تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً﴾ [المؤمنون: 49]

أي: معجزة دالة على قدرة الله تعالى.

وللدرس بقية00000